تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وستين إلى مئة وسبعين
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وستين إلى مئة وسبعين
وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (163) وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (166) وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون (168) فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (169) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) - {وإذ قيل لهم} واذكر إذ قيل لهم: {اسكنوا هذه القرية} بيت المقدس {وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة} [مسألتنا حطة، أو أمرنا حطة، يقال: استحطه وزره: سأله أن يحطه عنه والاسم الحطة، حكي أن بني إسرائيل إنما قيل لهم: وقولوا حطة ليستحطوا بذلك أوزارهم فتحط عنهم، وقيل غير ذلك] {وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين} [على غفران الخطايا ثوابا].
- {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم} [أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه ولم يمتثلوا أمر الله، وقالوا مكان حطة: حنطة استهزاء] {فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون} [بعثنا عليهم عذابا أهلكناهم بما كانوا يغيرون ما يؤمرون به فيفعلون خلاف ما أمرهم الله بفعله].
- {واسألهم} واسأل اليهود {عن القرية} أيلة أو مدين، وهذا السؤال للتقريع بقديم كفرهم {التي كانت حاضرة البحر} قريبة منه {إذ يعدون في السبت} إذ يتجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه {إذ تأتيهم حيتانهم} جمع حوت {يوم سبتهم} يوم تعظيمهم أمر السبت، والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد {شرعا} ظاهرة على وجه الماء {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} [فإذا غابت شمس يوم السبت ذهبت فلا ترى إلى السبت الآخر] {كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بفسقهم.
- {وإذ قالت أمة منهم} جماعة من صلحاء القرية الذين أيسوا من وعظهم بعدما ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم لآخرين لا يقلعون عن وعظهم {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا} وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم {قالوا معذرة إلى ربكم} أي موعظتنا إبلاء عذر([1]) إلى الله لئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى التفريط {ولعلهم يتقون} ولطمنا في أن يتقوا.
- {فلما نسوا} أي أهل القرية لما تركوا {ما ذكروا به} ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه {أنجينا الذين ينهون عن السوء} من العذاب الشديد {وأخذنا الذين ظلموا} الراكبين للمنكر وهم الذين أخذوا الحيتان {بعذاب بئيس} شديد {بما كانوا يفسقون} [بسبب فسقهم].
- {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} جعلناهم قردة أذلاء مبعدين، قيل: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير، وكانوا يعرفون أقاربهم ويبكون ولا يتكلمون، والجمهور على أنها ماتت([2]) بعد ثلاث.
- {وإذ تأذن ربك} أعلم {ليبعثن عليهم} ليسلطن على اليهود {إلى يوم القيامة من يسومهم} من يوليهم {سوء العذاب} فكانوا يؤدون الجزية إلى المجوس إلى أن بعث محمد ﷺ فضربها عليهم {إن ربك لسريع العقاب} للكفار {وإنه لغفور رحيم} للمؤمنين.
- {وقطعناهم في الأرض أمما} وفرقناهم فيها فلا يخلو بلد من فرقة {منهم الصالحون} الذين ءامنوا منهم بالمدينة {ومنهم دون ذلك} ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عن الصلاح، وهم الفسقة {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} بالنعم والنقم والخصب والجدب {لعلهم يرجعون} ينتهون فينيبون.
- {فخلف من بعدهم} من بعد المذكورين {خلف} وهم الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ {ورثوا الكتاب} التوراة ووقفوا على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم ولم يعملوا بها {يأخذون عرض هذا الأدنى} العرض: المتاع، أي: [يأخذون] حطام هذا الشيء الأدنى، يريد الدنيا وما يتمتع به منها، وهو من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب، والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام {ويقولون سيغفر لنا} لا يؤاخذنا الله بما أخذنا {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تائبين {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب} الميثاق المذكور في الكتاب {أن لا يقولوا على الله إلا الحق} أخذ عليهم الميثاق في كتابهم ألا يقولوا على الله إلا الصدق {ودرسوا ما فيه} وقرأوا ما في الكتاب {والدار الآخرة خير} من ذلك العرض الخسيس {للذين يتقون} الرشا والمحارم {أفلا تعقلون} أنه كذلك.
([1]) أي: إظهار العذر، تقول أبليته عذرا إذا بينته له بيانا لا لوم عليك بعده.
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وستين إلى مئة وسبعين
