تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (144) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147) واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين (150) - {وإذ} [واذكر إذ} {أنجيناكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب} [يذيقونكم] شدة العذاب {يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم} [يستبقون إناثكم حيات للخدمة] {وفي ذلكم} أي في الإنجاء، أو في العذاب {بلاء} نعمة أو محنة {من ربكم عظيم}.
- {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} لإعطاء التوراة {وأتممناها بعشر} روي أن موسى عليه الصلاة والسلام وعد بني إسرائيل – وهو بمصر – إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوما، وهي شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه، فتسوك، فأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب([1]) عندي من ريح المسك، فأمره أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لذلك {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ما وقت له من الوقت وضربه له {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي} كن خليفتي فيهم {وأصلح} ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل {ولا تتبع سبيل المفسدين} ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه.
- {ولما جاء موسى لميقاتنا} لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا {وكلمه ربه} بلا واسطة ولا كيفية، فلما سمع كلامه طمع في رؤيته لغلبة شوقه فسأل الرؤية بقوله: {قال رب أرني أنظر إليك} أرني ذاتك أنظر إليك، يعني مكني من رؤيتك بأن تتجلى لي([2]) حتى أراك، وهو دليل لأهل السنة على جواز الرؤية، فإن موسى عليه السلام اعتقد أن الله تعالى يرى حتى سأله، واعتقاد جواز ما لا يجوز على الله كفر {قال لن تراني} بعين فانية {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه} بقي على حاله {فسوف تراني} وهو دليل لنا أيضا لأنه علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن، وتعليق الشيء بما هو ممكن يدل على إمكانه {فلما تجلى ربه للجبل} [خلق قوة وإدراكا في الجبل فرأى الله تعالى] بلا كيف، قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: معنى التجلي للجبل ما قاله الأشعري: إنه تعالى خلق في الجبل حياة وعلما ورؤية حتى رأى ربه {جعله دكا} مدكوكا أي أرضا مستوية لا أكمة([3]) فيها {وخر موسى صعقا} سقط مغشيا عليه {فلما أفاق} من صعقته {قال سبحانك تبت إليك} من السؤال في الدنيا([4]) {وأنا أول المؤمنين} بعظمتك وجلالك، أو بأنك لا تعطي الرؤية في الدنيا مع جوازها.
- {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس} اخترتك على أهل زمانك {برسالاتي} هي أسفار([5]) التوراة {وبكلامي} وبتكليمي إياك {فخذ ما ءاتيتك} أعطيتك من شرف النبوة والحكمة {وكن من الشاكرين} على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم، قيل: خر موسى صعقا يوم عرفة، وأعطي التوراة يوم النحر، ولـما كان هارون وزيرا وتابعا لموسى تخصص الاصطفاء بموسى عليه السلام.
- {وكتبنا له في الألواح} ألواح التوراة، وكانت عشرة ألواح، وكانت من زمرد، وقيل: من خشب نزلت من السماء فيها التوراة {من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء} كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام {فخذها} أي الألواح {بقوة} بجد وعزيمة {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} أي فيها ما هو حسن وأحسن، كالقصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب {سأريكم دار الفاسقين} دار فرعون وقومه وهي مصر ومنازل عاد وثمود والقرون الـمهلكة كيف أقفرت([6]) منهم لتعتبروا، فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم.
- {سأصرف عن ءاياتي} عن فهمها([7]) {الذين يتكبرون} يتطاولون على الخلق ويأنفون عن قبول الحق {في الأرض بغير الحق} يتكبرون غير محقين {وإن يروا كل ءاية} من الآيات المنزلة عليهم {لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد} طريق صلاح الأمر وطريق الهدى {لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي} الضلال {يتخذوه سبيلا} [لأنفسهم يسلكونه ويدنون به] {ذلك} الصرف {بأنهم كذبوا بآياتنا} بسبب تكذيبهم {وكانوا عنها غافلين} غفلة عناد وإعراض لا غفلة سهو وجهل.
- {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها {حبطت أعمالهم} [قال الإمام الماتريدي في كتاب تأويلات أهل السنة: يحتمل أنهم كانوا مؤمنين من قبل فكذبوا الآيات فكفروا بها فحبطت أعمالهم وبطلت، ويحتمل المعروف الذي كانوا يفعلونه في حال الكفر من نحو صلة الرحم والصدقات وغيره من المعروف والخيرات حبط ثواب ذلك كله إذ لم يأتوا بالإيمان] {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [استفهام بمعنى النفي، أي لا يجزون إلا بما عملوا من الكفر والمعاصي].
- {واتخذ قوم موسى من بعده} من بعد ذهابه إلى الطور {من حليهم} [التي استعاروها من القبط حين هموا بالخروج من مصر] وإنما نسبت إليهم مع أنها كانت عواري في أيديهم لأن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، [أو لأنهم ملكوها بعد هلاك قوم فرعون]، والمتخذ هو السامري ولكنهم رضوا به فأسند الفعل إليهم، والحلي: اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة {عجلا جسدا} [أي مصمتا([8])، غير أنهم كانوا يسمعون منه خوارا، وقيل: قلبه الله] بدنا ذا لحم ودم كسائر الأجساد {له خوار} هو صوت البقر، ثم عجب من عقولهم السخيفة فقال: {ألم يروا} حين اتخذوه إلٰها {أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل حتى لا يتخاروه على من لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل الحق بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل في الكتب {اتخذوه}([9]) [أي: العجل] إلٰها، فأقدموا على هذا الأمر المنكر {وكانوا ظالمين}.
- {ولما سقط في أيديهم} ولما اشتد ندمهم على عبادة العجل {ورأوا أنهم قد ضلوا} وتبينوا ضلالهم تبينا كأنهم أبصروه بعيونهم {قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} المغبونين في الدنيا والآخرة.
([1]) معنى أطيب: أفضل، لأن الشم مستحيل على الله.
([2]) أي: بأن تريني ذاتك الذي ليس كمثله شيء.
([3]) الأكمة محركة: التل دون الجبال، أو موضع يكون أشد ارتفاعا مما حوله.
([4]) قال أبو حيان في البحر المحيط: أو عن صغائري حكاه الكرماني، أو قال ذاك على سبيل الإنابة إلى الله تعالى والرجوع إليه عند ظهور الآيات على ما جرت به عادة المؤمن عند رؤية العظائم، وليست توبة عن شيء معين.
([5]) سميت الأسفار بذلك لأنها تسفر عما فيها من المعاني إذا قرئت.
([8]) الـمصمت: الذي لا جوف له.
([9]) موسى عليه السلام لـما ذهب لميقات ربه، لمناجاة الله، أي لسماع كلام الله الأزلي خلف على قومه أخاه هارون وكان نبيا، ثم قضى أربعين ليلة ثم عاد إليهم فوجدهم قد عبدوا العجل إلا بعضا منهم، وذلك بعد أن اجتاز بهم البحر ورأوا هذه المعجزة الكبيرة، وهي انفلاق البحر اثني عشر فرقا، كل فرق كالجبل العظيم، وأنقذهم من فرعون، فتنهم شخص يقال له موسى السامري، صاغ لهم عجلا من ذهب ووضع فيه شيئا من أثر حافر فرس جبريل، لأنه عندما أراد فرعون أن يخوض البحر كان جبريل على فرس، هذا الخبيث رأى موقف فرس جبريل فأخذ منه شيئا ووضعه في هذا العجل المصور من ذهب، فأحيا الله تعالى هذا العجل فصار يخور كالعجل الحقيقي، خلق الله فيه الحياة فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، حملهم على عبادة هذا العجل ففتنوا فعبدوه. من الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم للإمام العلامة الهرري.
([10]) حين ألقى الألواح إما أنه نسي أنها في يده، أو ألقاها على مكان طاهر نظيف، ولم يلقها على وجه الاستخفاف بها، وفسر الإمام الماتريدي أبو منصور الإلقاء بالوضع وقال: ألا ترى أنه تعالى قال: {وألقى في الأرض رواسي} ليس يفهم منه الطرح والإلقاء ولكن يفهم منه الوضع، وقال أبو حفص النسفي في التيسير في التفسير: وكذا قوله تعالى: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}. فليس معناه هنا الطرح والرمي، بل وضعها على الأرض، وقال أبو حيان في البحر المحيط: فوضها بالأرض غضبا على ما فعله قومه من عبادة العجل.
([11]) الضجر: القلق من الهم، وضجر من الأمر وتضجر: تبرم أي سئم.
([12]) غضبا على الذين عبدوا العجل، لا غضبا عليه لأن هارون بريء من فعلهم، هو نهاهم لكن ما أطاعوه، ولم يكن ذلك من موسى على وجه الإهانة لأخيه هارون عليهما السلام بل كان غضبه لله تعالى وإنكارا على أخيه أنه لم يتبعه ليخبره بما حصل منهم حين لم يقبلوا قوله، ولم يتعمد إيذاء أو إهانة أخيه الأكبر منه سنا والنبي المعين له في الدعوة لدين الله تعالى، ولكن الغيرة في الله ملكته.
- تفسير سورة الأعراف من الآية مئة وواحد وأربعين إلى مئة وخمسين
