تفسير سورة الأعراف من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة الأعراف من الآية أحد عشر إلى عشرين
ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) - {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} أي خلقنا أباكم ءادم عليه السلام طينا غير مصور ثم صورناه بعد ذلك، دليله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} [كان بين الملائكة ومعهم ولم يكن منهم بل كان من الجن بالنص القرءاني، ولأنه خلق من نار والملائكة خلقوا من نور، ولأنه أبى وعصى واستكبر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فالاستثناء من غير جنسه] {لم يكن من الساجدين} ممن سجد لآدم عليه السلام.
- {قال ما منعك ألا تسجد} أي شيء منعك من السجود {إذ أمرتك} فيه دليل على أن الأمر للوجوب، والسؤال عن المانع من السجود مع علمه به للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل ءادم عليه السلام {قال أنا خير منه خلقتني من نار} وهي جوهر نوراني {وخلقته من طين} وهو ظلماني، وقد أخطأ الخبيث؛ بل الطين أفضل لرزانته ووقاره، ومنه الحلم والحياء والصبر، وذلك دعاه – [أي دعا ءادم بعدما أكل من الشجرة] – إلى التوبة والاستغفار، وفي النار الطيش والحدة والترفع، وذلك دعاه –[أي دعا إبليس بعدما أمر بالسجود لآدم] – إلى الاستكبار، والطين عدة الممالك والنار عدة المهالك، والطين يطفئ النار ويتلفها والنار لا تتلفه، كأنه قال: منعني من السجود فضلي عليه، واستبعاد أن يكن مثله مأمورا بالسجود لمثله.
- {قال فاهبط منها} من الجنة لأنه كان فيها، وهي مكان المطيعين والمتواضعين {فما يكون لك} فما يصح لك {أن تتكبر فيها} وتعصي {فاخرج إنك من الصاغرين} من أهل الصغار([1]) والهوان على الله وعلى أوليائه يذمك كل إنسان ويلعنك كل لسان لتكبرك.
- {قال أنظرني إلى يوم يبعثون} أمهلني إلى يوم البعث وهو وقت النفخة الأخيرة.
- {قال إنك من المنظرين} إلى النفخة الأولى، وإنما أجيب إلى ذلك لما فيه من الابتلاء، وإنما جسره على السؤال مع وجود الزلل منه في الحال علمه بحلم ذي الجلال.
- {قال فبما أغويتني} أضللتني، أي فبسبب إغوائك إياي أقسم {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} لأعترضن لهم على طريق الإسلام مترصدا للرد متعرضا للصد.
- {ثم لآتينهم من بين أيديهم} أشككم في الآخرة {ومن خلفهم} أرغبهم في الدنيا {وعن أيمانهم} من قبل الحسنات [فأثبطهم عنها] {وعن شمائلهم} من قبل السيئات [فأزينها لهم وءامرهم بها] {ولا تجد أكثرهم شاكرين} مؤمنين، قاله ظنا فأصاب.
- {قال اخرج منها} من الجنة {مذؤوما} معيبا {مدحورا} مطرودا مبعدا من رحمة الله {لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم} منك ومنهم {أجمعين}.
- {ويا آدم} وقلنا: يا ءادم بعد إخراج إبليس من الجنة {اسكن أنت وزوجك الجنة} اتخذاها مسكنا {فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة} [بالأكل منها] {فتكونا} فتصيرا {من الظالمين} [من الضارين أنفسهم].
{فوسوس لهما الشيطان} وسوس: إذا تكلم كلاما خفيا يكرره {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما} ليكشف لهما ما ستر عنهما من عوراتهما، وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل مستقبحا في الطباع والعقول {وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} إلا [من أجل أن لا] تكونا ملكين تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الغذاء {أو تكونا من الخالدين} من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين.
([1]) الصغار: الذل، والمراد أن الله تعالى أذله وجعله ملعونا رجيما إلى يوم القيامة جزاء له على تكبره.
- تفسير سورة الأعراف من الآية أحد عشر إلى عشرين
