تفسير سورة إبراهيم من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة إبراهيم من الآية واحد إلى عشرة
الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10)
- {الر كتاب} هذا كتاب يعني السورة {أنزلناه إليك لتخرج الناس} بدعائك إياهم {من الظلمات إلى النور} من الضلالة إلى الهدى {بإذن ربهم} بتيسيره وتسهيله {إلى صراط العزيز} الغالب بالانتقام {الحميد} المحمود على الإنعام.
- {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} خلقا وملكا، ولـما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل، فقال: {وويل للكافرين من عذاب شديد} [وعيد غليظ لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور].
- {الذين يستحبون} يختارون ويؤثرون {الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله} عن دينه {ويبغونها عوجا} يطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجا {أولئك في ضلال بعيد} عن الحق.
- {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إلا متكلما بلغتهم {ليبين لهم} ما هو مبعوث به وله، فلا يكون لهم حجة ولا يقولون: لم نفهم ما خوطبنا به، فإن قلت: إن رسولنا ﷺ بعث إلى الناس جميعا بقوله: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفة، فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة، قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة، أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل، فتعين أن ينزل بلسان واحد، وكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم أقرب إليه، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل {فيضل الله من يشاء} من ءاثر سبب الضلال([1]) [فيخذله عن الإيمان] {ويهدي من يشاء} من ءاثر سبب الاهتداء [بالتوفيق له] {وهو العزيز} فلا يغالب على مشيئته {الحكيم} فلا يخذل إلا أهل الخذلان.
- {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} التسع {أن أخرج قومك} بأن أخرج قومك {من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله} بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم، قوم نوح وعاد وثمود، أو بأيام الإنعام حيث ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم الـمن والسلوى، وفلق لهم البحر {إن في ذلك لآيات لكل صبار} على البلايا {شكور} على العطايا.
- {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم} اذكروا وقت إنجائكم {من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} الإشارة إلى العذاب([2]).
- {وإذ تأذن ربكم} كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا إذ تأذن ربكم [أي أعلم] فقال: {لئن شكرتم} يا بني إسرائيل ما خولتكم([3]) من نعمة الإنجاء وغيرها {لأزيدنكم} نعمة إلى نعمة {ولئن كفرتم} ما أنعمت به عليكم {إن عذابي لشديد} لمن كفر نعمتي، أما في الدنيا فسلب النعم، وأما في العقبى فتوالي النقم.
- {وقال موسى إن تكفروا أنتم} يا بني إسرائيل {ومن في الأرض جميعا} والناس كلهم {فإن الله لغني} عن شكركم {حميد} وإن لم يحمده الحامدون، وأنتم ضررتم أنفسكم حيث حرمتموها الخي الذي لا بد لكم منه.
- {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود} من كلام موسى لقومه {والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} المعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله {جاءتهم رسلهم بالبينات} بالمعجزات {فردوا أيديهم في أفواههم} أخذوا أناملهم بأسنانهم تعجبا، أو عضوا عليها تغيظا {وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه} من الإيمان بالله والتوحيد {مريب} موقع في الريبة.
{قالت رسلهم أفي الله شك} لا يحتمل الشك لظهور الأدلة، وهو جواب قولهم: {وإنا لفي شك}، {فاطر السماوات والأرض يدعوكم} إلى الإيمان {ليغفر لكم من ذنوبكم} إذا ءامنتم {ويؤخركم إلى أجل مسمى} إلى وقت قد سماه وبين مقداره {قالوا} أي القوم: {إن أنتم} ما أنتم {إلا بشر مثلنا} لا فضل بيننا وبينكم ولا فضل لكم علينا، فلم تخصون بالنبوة دوننا؟ {تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ءاباؤنا} يعني الأصنام {فأتونا بسلطان مبين} بحجة بينة، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات، وإنما أرادوا بالسلطان الـمبين ءاية قد اقترحوها تعنتا ولجاجا([4]).
([1]) هنا أراد العبد بقوله من ءاثر سبب الضلال ومن ءاثر سبب الاهتداء، ولكن مع اعتقاد أن مشيئة الله سبقت بذلك.
([2]) وقد مر تفسيرها في سورة التوبة آية رقم (49).
([4]) اللجاج: الاستمرار على المعارضة والتمادي في الأمر ولو تبين الخطأ.
