تفسير سورة إبراهيم من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة إبراهيم من الآية أحد عشر إلى عشرين
قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله بعزيز (20) - {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم} تسليم لقولهم إنهم بشر مثلهم {ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} بالإيمان والنبوة كما من علينا {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} والمعنى أن الإتيان بالآية التي قد اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا، وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا، كأنهم قالوا: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم، ألا ترى إلى قوله:
- {وما لنا ألا نتوكل على الله} وأي عذر لنا في ألا نتوكل عليه {وقد هدانا سبلنا} وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه، وهو التوفيق لهداية كل منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين {ولنصبرن على ما ءاذيتمونا} حلفوا على الصبر على أذاهم وألا يمسكوا عن دعائهم {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} فليثبت المتوكلون على توكلهم.
- {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا} من ديارنا {أو لتعودن في ملتنا} ليكونن أحد الأمرين: إخراجكم أو عودكم، وحلفوا على ذلك، والعود بمعنى الصيرورة [فالرسل لم يكونوا في ملتهم قط] {فأوحى إليهم ربهم} [أي إلى رسلهم] {لنهلكن الظالمين} [الذين يظلمون أنفسهم وإياكم].
- {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} أرض الظالمين وديارهم {ذلك} الإهلاك والإسكان حق {لمن خاف مقامي} موقفي، وهو موقف الحساب، والمعنى أن ذلك حق للمتقين {وخاف وعيد} عذابي.
- {واستفتحوا} واستنصروا الله على أعدائهم فنصروا وظفروا وأفلحوا {وخاب كل جبار} وخسر كل متكبر بطر {عنيد} مجانب للحق، وهم قومهم.
- {من ورائه} من بين يديه {جهنم} وهذا وصف حاله وهو في الدنيا، لأنه مرصد لجهنم، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها {ويسقى} تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى {من ماء صديد} ما يسيل من جلود أهل النار.
- {يتجرعه} يشربه جرعة جرعة [لا مرة واحدة لمرارته وحرارته] {ولا يكاد يسيغه} ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة {ويأتيه الموت من كل مكان} أي أسباب الموت من كل جهة، وهذا تفظيع لما يصيبه من الآلام، أي لو كان ثمة موت لكان كل واحد منها مهلكا {وما هو بميت} لأنه لو مات لاستراح([1]) {ومن ورائه} ومن بين يديه {عذاب غليظ} أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله وأغلظ، وعن الفضيل: «هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد».
- {مثل الذين كفروا بربهم} فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا بربهم {أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف}، شبهها في حبوطها – لبنائها على غير أساس وهو الإيمان بالله تعالى- برماد طيرته الريح العاصف {لا يقدرون} يوم القيامة {مما كسبوا} من أعمالهم {على شيء} لا يرن له أثرا من ثواب كما لا يقدر من الرماد الـمطير في الريح على شيء {ذلك هو الضلال البعيد} إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق.
- {ألم تر} ألم تعلم، الخطاب لكل أحد {أن الله خلق السماوات والأرض بالحق} بالحكمة والأمر العظيم، ولم يخلقها عبثا {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقا ءاخر على شاكلهم، أو على خلاف شكلهم.
{وما ذلك على الله بعزيز} بمتعذر.
