تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25) قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (28) قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير (29) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد (30) - {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين} هم أهل الكتاب راضون بقتل ءابائهم الأنبياء {بغير حق} حال مؤكدة لأن قتل النبي لا يكون حقا {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} بالعدل {من الناس} سوى الأنبياء {فبشرهم بعذاب أليم}.
- {أولئك الذين حبطت أعمالهم} ضاعت {في الدنيا والآخرة} فلهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة {وما لهم من ناصرين} جمع لوفق رؤوس([1]) الآي.
- {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} يريد أحبار اليهود وأنهم حصلوا نصيبا وافرا من التوراة {يدعون إلى كتاب الله} التوراة أو القرءان {ليحكم بينهم} جعل حاكما حيث كان سببا للحكم، أو ليحكم النبي {ثم يتولى فريق منهم} استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله واجب {وهم معرضون} وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم.
- {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} ذلك التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل، وهي أربعون يوما أو سبعة أيام {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} غرهم افتراؤهم على الله، وهو قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، فلا يعذبنا بذنوبنا إلا مدة يسيرة.
- {فكيف إذا جمعناهم ليوم} فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت {لا ريب فيه} لا شك فيه {ووفيت كل نفس ما كسبت} جزاء ما كسبت {وهم لا يظلمون} بزيادة في سيئاتهم ونقصان في حسناتهم.
- {قل اللهم مالك الملك}([2]) يا مالك الـملك {تؤتي الملك من تشاء} تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له من الـملك {وتنزع الملك ممن تشاء} أن تنزعه، فالملك الأول عام، والـملكان الآخران خاصان بعضان من الكل. روي أنه عليه الصلاة والسلام حين فتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقالت اليهود والمنافقون: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم، هم أعز وأمنع من ذلك، فنزلت: {وتعز من تشاء} بالـملك {وتذل من تشاء} بنزعه منه {بيدك الخير} أي الخير والشر، [أي أنت مالكهما والقادر عليهما في الدنيا والآخرة]، فاكتفي بذكر أحد الضدين عن الآخر – [وإن كان مالكهما] – لأن الكلام وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك {إنك على كل شيء قدير} ولا يقدر على شيء أحد غيرك إلا بإقدارك.
ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب بقوله:
- {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} الإيلاج إدخال الشيء في الشيء، وهو مجاز هنا، أي ينقص من ساعات الليل ويزيد في النهار، وينقص من ساعات النهار ويزيد في الليل {وتخرج الحي من الميت} الحيوان من النطفة، أو الفرخ من البيضة، أو المؤمن من الكافر {وتخرج الميت من الحي} النطفة من الإنسان، أو البيض من الدجاج، أو الكافر من المؤمن {وترزق من تشاء بغير حساب} لا يعف الخلق عدده ومقداره وإن كان معلوما عند الله، ليدل على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة الـمحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الـملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم.
- {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو لصداقة قبل الإسلام، أو غير ذلك، وقد كرر ذلك في القرءان، والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم في الإيمان {من دون المؤمنين} يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة([3]) عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء، لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان {إلا أن تتقوا منهم تقاة} إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه، أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك أو مالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطان المعاداة {ويحذركم الله نفسه} أي ذاته، فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، وهذا وعيد شديد {وإلى الله المصير} مصيركم إليه، والعذاب معد لديه، وهو وعيد ءاخر.
- {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه} من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله {يعلمه الله} ولم يخف عليه، وهو أبلغ وعيد {ويعلم ما في السماوات وما في الأرض} هو الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، فلا يخفى عليه سركم وعلنكم {والله على كل شيء قدير} فيكون قادرا على عقوبتكم.
([1]) لموافقة رؤوس الآيات بدلا من ناصر قال: {من ناصرين}، لأنه لا ناصر واحدا لهم ولا أكثر.
([2]) الـملك هنا الـملك الذي يكون في المخلوقين، للملوك، أما ملك الله الذي هو صفته فهو أزلي أبدي.
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وعشرين إلى ثلاثين
