تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وستين إلى سبعين
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وستين إلى سبعين
فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (61) إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64) يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68) ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (69) يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) - {فمن حاجك} من النصارى {فيه} في عيسى {من بعد ما جاءك من العلم} من البينات الموجبة للعلم {فقل تعالوا} هلموا، والمراد المجيء بالعزم والرأي {ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة {ثم نبتهل} بأن نقول: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم، والبهلة اللعنة، وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته، وأصل الابتهال هذا، ثم يستعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. روي انه عليه الصلاة والسلام لـما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى ننظر، فقال العاقب – وكان ذا رأيهم -: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، وما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت([1]) صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا إلف دينكم، فوادعوا([2]) الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله وقد غدا محتضنا للحسين ءاخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمنوا»، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني، فقالوا: يا أبا القاسم، رأينا ألا نباهلك. فصالحهم النبي على ألفي حلة كل سنة، وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة به وبمن يكاذبه، لأن ذلك ءاكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على قرب مكانهم ومنزلتهم، وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبي ﷺ، لأنه لم يرو أحد من موافق أو مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} منا ومنكم في شأن عيسى.
- {إن هذا} الذي قص عليك من نبأ عيسى {لهو القصص الحق} الصدق الذي لا كذب فيه والحق الذي لا باطل فيه {وما من إله إلا الله} المراد الرد على النصارى في تثليثهم {وإن الله لهو العزيز} في الانتقام {الحكيم} في تدبير الأحكام.
- {فإن تولوا} أعرضوا ولم يقبلوا {فإن الله عليم بالمفسدين} وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: {زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88].
- {قل يا أهل الكتاب} هم أهل الكتابين أو وفد نجران أو يهود المدينة {تعالوا إلى كلمة سواء} مستوية {بيننا وبينكم} لا يختلف فيها القرءان والتوراة والإنجيل، وتفسير الكلمة قوله: {ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} يعني تعالوا إليها حتى لا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بعضنا، بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله، وعن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال: «أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم»، قال: نعم، قال: «هو ذاك»([3]) {فإن تولوا} عن التوحيد {فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع: اعترف بأني أنا الغالب، وسلم إلي الغلبة.
- {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول الله ﷺ والمؤمنين فيه، فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة {أفلا تعقلون} حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال.
- {هاأنتم هؤلاء} ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ، وهؤلاء خبره {حاججتم} يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم {فيما لكم به علم} مما نطق به التوراة والإنجيل {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم {والله يعلم} علم ما حاججتم فيه {وأنتم لا تعلمون} وأنتم جاهلون به.
ثم أعلمهم بأنه بريء من دينهم فقال:
- {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} كأنه أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيرا والمسيح، أو وما كان من المشركين كما لم يكن منهم.
- {إن أولى الناس بإبراهيم} إن أخصهم به وأقربهم منه {للذين اتبعوه} في زمانه وبعده {وهذا النبي} خصوصا، خص بالذكر لخصوصيته بالفضل، والمراد محمد عليه الصلاة والسلام {والذين ءامنوا} من أمته {والله ولي المؤمنين} ناصرهم.
- {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم} هم اليهود؛ دعوا حذيفة وعمارا ومعاذا إلى اليهودية {وما يضلون إلا أنفسهم} وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم {وما يشعرون} بذلك.
([3]) كانوا يأخذون بتحليل وتحريم أحبارهم على اعتقاد أنه من عند أنفسهم، لا على أنهم يأخذون من الكتاب المنزل فكان هذا عبادة لهم، أما تقليد عوام المسلمين للائمة والعمل بموجب فتاواهم في التحليل والتحريم فإنما هو لاعتقادهم أنهم يأخذون من كتاب الله، فليس ذلك عبادة للأئمة.
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وستين إلى سبعين
