تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (73) يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (77) وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (78) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80) - {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل} تخلطون الإيمان بموسى وعيسى بالكفر بمحمد ﷺ {وتكتمون الحق} نعت محمد عليه الصلاة والسلام {وأنتم تعلمون} أنه حق.
- {وقالت طائفة من أهل الكتاب} فيما بينهم {ءامنوا بالذي أنزل على الذين ءامنوا} أي القرءان {وجه النهار} أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أول النهار {واكفروا ءاخره} واكفروا به ءاخره {لعلهم يرجعون} لعل المسلمين يقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم.
- {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله} ولا تؤمنوا متعلق بقوله: {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} وما بينهما اعتراض، أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أتيتم غلا لأهل دينكم دون غيرهم، أرادوا: أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أتيتم ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام {أو يحاجوكم عند ربكم} ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة، ومعنى الاعتراض أن الهدى هدى الله، من شاء هداه حتى أسلم، أو ثبت على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم([1]) عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} يريد الهداية التوفيق {والله واسع} واسع الرحمة {عليم} بالمصلحة.
- {يختص برحمته} بالنبوة أو بالإسلام {من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.
- {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} هو عبد الله ابن سلام، استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} هو فنحاص بن عازوراء، استودعه رجل من قريش دينارا فجحده وخانه، وقيل: المأمونون على الكثير النصارى لغلبة الأمانة عليهم، والخائنون في القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم {إلا ما دمت عليه قائما} إلا مدة دوامك عليه ما صاحب الحق قائما على رأسه ملازما له {ذلك} إشارة إلى ترك الأداء {بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} أي تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، أي لا يتطرق علينا إثم وذم في شأن الأميين، يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ويقولون: لم يجعل لهم في كتابنا حرمة {ويقولون على الله الكذب} بادعائهم أن ذلك في كتابه {وهم يعلمون} أنهم كاذبون.
- {بلى} إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل فيهم، وقوله: {من أوفى بعهده واتقى} كل من أوفى بعهد الله واتقاه {فإن الله يحب المتقين} ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات، وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء.
- {إن الذين يشترون} يستبدلون {بعهد الله} بم عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم {وأيمانهم} وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمنن به ولننصرنه {ثمنا قليلا} متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} لا نصيب {ولا يكلمهم الله} بما يسرهم {ولا ينظر إليهم يوم القيامة} نظر رحمة {ولا يزكيهم} ولا يثني عليهم {ولهم عذاب أليم} مؤلم.
- {وإن منهم} من أهل الكتاب {لفريقا} هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وغيرهم {يلوون ألسنتهم بالكتاب} يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف([2]) واللي الفتل وهو الصرف، والمراد تحريفهم كآية الرجم([3]) ونعت محمد ﷺ ونحو ذلك {لتحسبوه} لتحسبوا ذلك الشبه {من الكتاب} أي التوراة {وما هو من الكتاب} وليس هو من التوراة {ويقولون هو من عند الله} زيادة تشنيع عليهم {وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} أنهم كاذبون.
- {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى عليه السلام، وقيل: قال رجل: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك قال: «لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله» {والحكم} والحكمة وهي السنة، أو فصل القضاء {والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين} ولكن يقول: كونوا ربانيين، والرباني هو شديد التمسك بدين الله وطاعته، وقالوا: الرباني العالـم العامل المعلم {بما كنتم تعلمون الكتاب} غيركم {وبما كنتم تدرسون} تقرؤون، والمعنى: بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم كانت الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلا على خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان كمن غرس شجرة حسناء تؤنقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها.
([1]) زيكم أي: منعكم وإخفاؤكم، وقوله: (تصديقكم) مفعول (زيكم).
([2]) هذا يدل على أنه في ذلك الوقت كان توراة صحيحة، إنما كانوا يحرفون الحكم ويفتون بخلاف ما فيها.
([3]) ءاية الرجم حرفوها في ذلك الوقت بالتفسير، أما اللفظ فما حرفوه.
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وسبعين إلى ثمانين
