تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وخمسين إلى ستين
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وخمسين إلى ستين
إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51) فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (57) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) - {إن الله ربي وربكم} إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن نفسه بخلاف ما يزعم النصارى {فاعبدوه} دوني {هذا صراط مستقيم} يؤدي صاحبه إلى النعيم المقيم.
- {فلما أحس عيسى منهم الكفر} علم من اليهود كفرا علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس {قال من أنصاري} جمع ناصر كأصحاب {إلى الله} أي من أنصاري ذاهبا إلى الله ملتجئا إليه {قال الحواريون} حواري الرجل صفوته وخاصته {نحن أنصار الله} أعوان دينه {ءامنا بالله واشهد} يا عيسى {بأنا مسلمون} إنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيدا لإيمانهم، لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم، فيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد.
- {ربنا ءامنا بما أنزلت واتبعنا الرسول} رسولك عيسى {فاكتبنا مع الشاهدين} مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون لك بالوحدانية، أو مع أمة محمد عليه الصلاة والسلام لأنهم شهداء على الناس.
- {ومكروا} أي كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر حين أرادوا قتله وصلبه {ومكر الله} جازاهم على مكرهم بأن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى([1]) قتل، ولا يجوز إضافة الـمكر إلى الله تعالى إلا على معنى الجزاء، لأنه مذموم عند الخلق، وعلى هذا الخداع والاستهزاء {والله خير الماكرين} أقوى الجازين وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر الـمعاقب.
- {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك} مستوف أجلك، ومعناه أني عاصمك من أن يقتلك الكفار، ومميتك لا قتلا بأيدهم. {ورافعك إلي} إلى سمائي ومقر ملائكتي {ومطهرك من الذين كفروا} من سوء جوارهم وخبث صحبتهم، وقيل {متوفيك}: قابضك من الأرض، أو مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن، إذ الواو لا توجب الترتيب {وجاعل الذين اتبعوك} أي المسلمين لأنهم متبعوه في أصل الإسلام، وإن اختلفت الشرائع {فوق الذين كفروا} بك {إلى يوم القيامة} يعلونهم بالحجة، وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف {ثم إلي مرجعكم} في الآخرة {فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}.
- 75- {فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة} [في الدنيا بالأسر والقتل والجزية والذل، وفي الآخرة بعذاب النار] {وما لهم من ناصرين(56) وأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} [التوفية: دفع الشيء وافيا من غير نقص، والأجور: ثواب الأعمال، وتوفية الأجور هي: قسم المنازل في الجنة بحسب الأعمال] {والله لا يحب الظالمين} وتفسير الحكم هاتان الآيتان.
- {ذلك} إشارة إلى ما سبق من نبإ عيسى وغيره {نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} القرءان، يعني الـمحكم، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه.
ونزل لما قال وفد بني نجران: هل رأيت ولدا بلا أب؟:
- {إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم} إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن ءادم عليه السلام {خلقه من تراب} قدره جسدا من طين ولم يكن ثمة أب ولا أم، فكذلك حال عيسى مع أن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته {ثم قال له كن} أي أنشأه بشرا {فيكون} فكان.
([1]) الصواب ما قاله عبد الله بن عباس رضي الله عنهما من أن الذي ألقي عليه الشبه هو أحدث تلاميذ عيسى عليه السلام سنا وكان من الصالحين.
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وخمسين إلى ستين
