تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83) قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون (90) - {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} هو على ظاهره من أخذ الميثاق([1]) على النبيين بذلك {لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة} للذي آتيتكموه [من الكتاب والحكمة] لتؤمنن به([2]) {ثم جاءكم} ثم جاءكم به {رسول مصدق لما معكم} للكتاب الذي معكم {لتؤمنن به} بالرسول {ولتنصرنه} أي الرسول وهو محمد ﷺ {قال} الله {أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} قبلتم عهدي، وسمي إصرا لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد {قالوا أقررنا قال فاشهدوا} فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار {وأنا معكم من الشاهدين} وأنا معكم على ذلكم من إقراركم وتشاهدكم من الشاهدين، وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع.
- {فمن تولى} [من أمم الأنبياء لأن التولي لا يقع من الأنبياء، ولا يوصفون بالفسق، فالميثاق كان على الأنبياء وأممهم على التبعية، والتولي يقع من الأمم خاصة] {بعد ذلك} الميثاق والتوكيد، ونقض العهد بعد قبوله وأعرض عن الإيمان بالنبي الجائي [وهذا الفرض محال في حق النبيين، وإنما ذلك في حق الأتباع] {فأولئك هم الفاسقون} المتمردون من الكفار.
- {أفغير دين الله يبغون} [هو استفهام توبيخ وإنكار] {وله أسلم من في السماوات} الملائكة {والأرض} الإنس والجن {طوعا} بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه {وكرها} بالسيف أو بمعاينة العذاب، كنتق الجبل([3]) على بني إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون، والإشفاء على الموت([4]) {وإليه يرجعون} فيجازون على الأعمال.
- {قل ءامنا بالله وما أنزل علينا} أمر رسول الله ﷺ بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان {وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} أولاد يعقوب([5]) وكان فيهم أنبياء {وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم} من عند ربهم {لا نفرق بين أحد منهم} في الإيمان بهم ما فعلت اليهود والنصارى {ونحن له مسلمون} موحدون مخلصون أنفسنا له، لا نجعل له شريكا في عبادتنا.
- {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} غير دين محمد عليه الصلاة والسلام {فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} من الذين وقعوا في الخسران، ونزل في رهط أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة.
- {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق} أي كفروا وقد شهدوا أن محمدا عليه السلام حق، معناه بعد أن ءامنوا {وجاءهم البينات} الشواهد كالقرءان وسائر المجعزات {والله لا يهدي القوم الظالمين} ما داموا مختارين الكفر.
- 88- {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين(87) خالدين فيها} في اللعنة، [أو النار لدلالة اللعنة عليها ودلالة قوله]: {لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} يمهلون لتوبة أو معذرة].
- {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} الكفر العظيم والارتداد {وأصلحوا} ما أفسدوا {فإن الله غفور} لكفرهم {رحيم} بهم.
ونزل في اليهود:
{إن الذين كفروا} بعيسى والإنجيل {بعد إيمانهم} بموسى والتوراة {ثم ازدادوا كفرا} بمحمد ﷺ والقرءان، أو كفروا برسول الله ﷺ بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم فيه في كل وقت، أو نزل في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة. وازديادهم الكفر أن قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب الـمنون([6]) {لن تقبل توبتهم} إيمانهم عند البأس [أي عند معاينة العذاب]، لأنهم لا يتوبون إلا عند الموت، قال الله تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم} لما رأوا بأسنا} [غافر: 85] [أي عذابنا الشديد، لأنه قد مضى في حكم الله أن من تاب بعد نزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته] {وأولئك هم الضالون}.([1]) أي: العهد وما وثقوا به أنفسهم طاعة الله فيما أمرهم به ونهاهم عنه ومتى جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ولينصرنه.
([2]) وقيل: معناه لئن ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما ءاتيتكموه لتؤمنن به ولتنصرنه.
([3]) أي: قلعه من أصله ورفعه فوق قوم موسى عليه السلام عندما أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة.
([5]) لعله أراد به ذريته لا أبناءه من صلبه الذين أساؤوا إلى يوسف، وإلا فإطلاقه قول باطل، لأن من سبقت له تلك الأفعال الخسيسة لا يليق بمنصب النبوة، لأن الناس ينفرون منه. وليس معنى الأسباط صريحا في إرادتهم من حيث اللغة، وكذلك الأولاد يطلق على الذرية وليس فقط على أولاده من صلبه.
([6]) أي: حوادث الدهر، أي ننتظر موته كما هلك الشعراء المشهورون قبله كزهير والنابغة الذبياني.
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وثمانين إلى تسعين
