تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
ونزل حين قال اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه:
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (35) فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38) فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء (40) - {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} محبة العبد لله إيثار طاعته على غير ذلك، ومحبة الله العبد أن يرضى عنه ويحمد([1]) فعله، وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول الله ﷺ أنهم يحبون الله، فأراد أن يجعل لقولهم تصديقا من عمل، فمن ادعى محبته خالف سنة رسوله فهو كذاب، وكتاب الله يكذبه، {ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}.
- {قل أطيعوا الله والرسول} هي علامة المحبة {فإن تولوا} أعرضوا عن قبول الطاعة {فإن الله لا يحب الكافرين} أي لا يحبهم [ولا يغفر لهم].
- {إن الله اصطفى} اختار {ءادم} أبا البشر {ونوحا} شيخ المرسلين {وءال إبراهيم} إسماعيل وإسحاق وأولادهما {وءال عمران} موسى وهارون، هما ابنا عمران بن يصهر، وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة {على العالمين} على عالمي زمانهم.
- {ذرية} بدل من ءال إبراهيم وءال عمران {بعضها من بعض} يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة، بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان وهو يتصل بيهوذا بن يعقوب بن إسحاق، وقد دخل في ءال إبراهيم رسول الله ﷺ {والله سميع عليم} يعلم من يصلح للاصطفاء.
- {إذ قالت امرأة عمران} هي امرأة عمران بن ماثان أم مريم جدة عيسى، وهي حنة بنت فاقوذا {رب إني نذرت لك} أوجبت {ما في بطني محررا} معتقا لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم، أو مخلصا للعبادة {فتقبل مني} التقبل: أخذ الشيء على الرضا به {إنك أنت السميع العليم}.
- {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى} وضعت النفس أنثى، وإنما قالت هذا القول لأن التحرير لم يكن إلا للغلمان، فاعتذرت عما نذرت، وتحزنت إلى ربها، ولتكلمها بذلك على وجه التحزن والتحسر قال الله: {والله أعلم بما وضعت} تعظيما لموضوعها، وما علق به من عظائم الأمور، بمعنى ولعل لله سرا وحكمة {وليس الذكر} الذي طلبت {كالأنثى} التي وهبت لها {وإني سميتها مريم} وإنما ذكرت حنة تسميتها مريم لربها، لأن مريم في لغتهم العابدة، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقا لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها {وإني أعيذها بك} أجيرها {وذريتها} أولادها {من الشيطان الرجيم} الملعون، في الحديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها».
- {فتقبلها ربها بقبول حسن} قبل الله مريم ورضي بها في النذر مكان الذكر.
روي أن حنة لـما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم، فال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي أختها، فقالوا: لا حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء، ورسبت أقلامهم، فتكفلها {وأنبتها نباتا حسنا} مجاز عن التربية الحسنة {وكفلها زكريا} جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها، ومعنى [زكريا] في العبري: دائم الذكر والتسبيح {كلما دخل عليها زكريا المحراب} قيل: بنى لها زكريا محرابا في المسجد، أي غرفة يصعد إليها بسلم، وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس، وكان لا يدخل عليها إلا هو {وجد عندها رزقا} كان رزقها ينزل عليها من الجنة، ولم ترضع ثديا قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء {قال يا مريم أنى لك هذا} من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا، وهو ءات في غير حينه {قالت هو من عند الله} فلا تستبعد. قيل: تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد {إن الله يرزق من يشاء} من جملة كلام مريم {بغير حساب} بغير تقدير لكثرته، أو تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل.
- {هنالك} في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في الـمحراب، أو في ذلك الوقت لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أمها حنة في الكرامة على الله، وإن كانت عاقرا عجوزا، فقد كانت أمها كذلك {دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية} ولدا، والذرية يقع على الواحد والجمع {طيبة} مباركة، والتأنيث للفظ الذرية {إنك سميع الدعاء} مجيبه.
- {فنادته الملائكة} قيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة لأن المعنى أتاه النداء من هذا الجنس، كقولهم فلان يركب الخيل {وهو قائم يصلي في المحراب} وفيه دليل على أن الـمرادات تطلب بالصلوات، وفيها إجابة الدعوات وقضاء الحاجات، قال ابن عطاء: ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم الـمحاريب {أن الله} بأن الله {يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله} مصدقا بعيسى مؤمنا به، فهو أول من ءامن به، وسمي عيسى كلمة الله لأن تكونه [بأمره تعالى] بلا أب، أو {مصدقا بكلمة من الله} مؤمنا بكتاب منه {وسيدا} هو الذي يسود قومه أي يفوقهم في الشرف، وكان يحيـى فائقا على قومه لأنه لم يركب سيئة قط، ويا لها من سيادة {وحصورا} هو الذي لا يقرب النساء مع القدرة حصرا لنفسه أي منعا لها من الشهوات {ونبيا من الصالحين} ناشئا من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين.
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وثلاثين إلى أربعين
