تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وتسعين إلى مئة
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وتسعين إلى مئة
إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم (92) كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) - {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به} فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا. قال عليه الصلاة والسلام: «يقال للكافر يوم القيامة: لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به، فيقول: نعم، فيقال له: لقد سئلت أيسر من ذلك». وسبب امتناع قبول الفدية الموت على الكفر {أولئك لهم عذاب أليم} مؤلم {وما لهم من ناصرين} معينين دافعين للعذاب.
- {لن تنالوا البر} لن تبلغوا حقيقة البر، أو لن تنالوا بر الله وهو ثوابه {حتى تنفقوا مما تحبون} حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها تؤثرونها {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} هو عليم بكل شيء تنفقونه فيجازيكم بحسبه.
ولما قالت اليهود للنبي عليه السلام: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها، فقال عليه السلام: «كان ذلك حلالا لإبراهيم» فقالت اليهود: إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام، نزل تكذيبا لهم:
- {كل الطعام} أي المطعومات التي فيها النزاع؛ فإن منها ما هو حرام قبل ذلك كالـميتة والدم، {كان حلا لبني إسرائيل} أي حلالا {إلا ما حرم إسرائيل} يعقوب {على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} وهو لحوم الإبل وألبانها، وكانا أحب الطعام إليه، والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالا لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه، فلما نزلت التوراة على موسى حرم عليهم فيها لحوم الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم كما يدعونه، فلم يجسروا([1]) على إخراج التوراة وبهتوا. وفيه دليل بين على صدق النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه.
- {فمن افترى على الله الكذب} بزعمه أن ذلك كان محرما في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام {من بعد ذلك} من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة {فأولئك هم الظالمون} المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات.
- {قل صدق الله} في إخباره أنه لم يحرم، وفيه تعريض بكذبهم، أي ثبت أن الله تعالى صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون {فاتبعوا ملة إبراهيم} وهي ملة الإسلام التي عليها محمد عليه الصلاة والسلام ومن ءامن معه، حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم، حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم([2])، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه {حنيفا} مائلا عن الأديان الباطلة {وما كان من المشركين}.
ولـما قالت اليهود للمسلمين، قبلتنا قبل قبلتكم، نزل:
- {إن أول بيت وضع للناس} والواضع هو الله عز وجل، ومعنى وضع الله بيتا للناس أنه جعله متعبدا لهم، فكأنه قال: إن أول متعبد للناس الكعبة، وفي الحديث أن المسجد الحرام وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة وهو أول بيت بناه ءادم عليه السلام في الأرض {للذي ببكة} للبيت الذي ببكة، وهي علم للبلد الحرام، ومكة وبكة لغتان فيه، وقيل: مكة البلد وبكة موضع الـمسجد، وقيل لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي تدقها، ولم يقصدها جبار إلا قصمه الله {مباركا} كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيئات {وهدى للعالمين} لأنه قبلتهم ومتعبدهم.
- {فيه آيات بينات} علامات واضحات لا تلتبس على أحد {مقام إبراهيم} [ويشتمل] على ءايات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء([3]) ءاية، وغوصه فيها إلى الكعبين ءاية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض ءاية، وإبقاءه دون سائر ءايات الأنبياء عليهم السلام ءاية لإبراهيم خاصة، على أن {ومن دخله كان ءامنا} يدل على أمن داخله، كأنه قيل: فيه ءايات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله، وكثير سواهما، وقيل في سبب هذا الأثر: إنه لـما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه {ولله على الناس حج البيت} استقر له عليهم فرض الحج {من استطاع إليه سبيلا} بالزاد والراحلة {ومن كفر} جحد فرضية الحج {فإن الله غني عن العالمين} مستغن عنهم وعن طاعتهم، وفي هذه الآية أنوع من التأكيد والتشديد، أي أنه حق واجب لله في رقاب الناس، وذكر الاستغناء دليل على الـمقت والسخط.
- {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون} لم تكفرون بآيات الله الدالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، والحال أن الله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها؟!
- {قل يا أهل الكتاب لم تصدون} الصد الـمنع {عن سبيل الله من ءامن} عن دين حق علم أنه سبيل الله التي أمر بسلوكهم وهو الإسلام، وكانوا يمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم {تبغونها} تطلبون لها {عوجا} اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة بتغييركم صفة رسول الله ﷺ عن وجهها ونحو ذلك {وأنتم شهداء} أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل {وما الله بغافل عما تعملون} من الصد عن سبيله، وهو وعيد شديد.
([1]) أي: فلم يجرؤوا، وبهتوا أي انقطعوا وتحيروا ولم يجدوا جوابا.
([4]) بالصرف وعدمه، اسم حصن أو بستان وقعت الحرب عنده بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بخمس سنين.
- تفسير سورة آل عمران من الآية واحد وتسعين إلى مئة
