تفسير سورة آل عمران من الآية واحد إلى عشرة
تفسير سورة آل عمران من الآية واحد إلى عشرة
الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب (7) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار (10)
- 2- {الم(1) الله لا إله إلا هو} [لفظ الجلالة] {الله} مبتدأ و{لا إله إلا هو} خبره، والتقدير لا إلٰه في الوجود إلا هو {الحي القيوم} هو القائم بالقسط([1]) والقائم على كل نفس بما كسبت.
- {نزل عليك الكتاب} القرءان {بالحق} نزله حقا ثابتا {مصدقا لما بين يديه} لما قبله {وأنزل التوراة والإنجيل} وإنما قيل نزل الكتاب وأنزل التوراة والإنجيل لأن القرءان نزل منجما([2]) ونزل الكتابان جملة.
- {من قبل} من قبل القرءان {هدى للناس} لقوم موسى وعيسى أو لجميع الناس {وأنزل الفرقان} أي جنس الكتب لأن الكل يفرق بين الحق والباطل، أو كرر ذكر القرءان بما هو نعت له تفخيما لشأنه {إن الذين كفروا بآيات الله} من كتبه المنزلة وغيرها {لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام} ذو عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها منتقم.
- {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} أي في العالم فعبر عن بالسماء والأرض، أي هو مطلع على كفر من كفر، وإيمان من ءامن، وهو مجازيهم عليه.
- {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} من الصور المختلفة {لا إله إلا هو العزيز} في سلطانه {الحكيم} في تدبيره. روي أنه لـما قدم وفد بني نجران([3])، وهم ستون راكبا، أميرهم العاقب([4])، وعمدتهم السيد([5])، وأسقفهم وحبرهم أبو حارثة([6])، خاصموا في أن عيسى إن لم يكن ولدا لله فمن أبوه، فقال عليه الصلاة والسلام: «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟» قالوا: بلى، قال: «ألم تعلموا أن الله تعالى حي لا يموت، وعيسى يموت، وأن ربنا قيم على العباد يحفظهم ويرزقهم، وعيسى لا يقدر على ذلك، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وعيسى لا يعلم إلا ما علم، وأنه صور عيسى في الرحم كيف شاء، فحملته أمه ووضعته وأرضعته، وكان يأكل ويحدث، وربنا منزه عن ذلك كله»، فانقطعوا، فنزل فيهم صدر سورة ءال عمران إلى بضع وثمانين ءاية.
- {هو الذي أنزل عليك الكتاب} القرءان {منه} من الكتاب {ءايات محكمات} أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه {هن أم الكتاب} أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وترد إليها {وأخر} وءايات أخر {متشابهات} مشتبهات محتملات، مثال ذلك: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] فالاستواء يكون بمعنى الجلوس وبمعنى القدرة والاستيلاء، ولا يجوز الأول على الله تعالى بدليل المحكم وهو قوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، أو المحكم ما أمر الله به في كل كتاب أنزله نحو قوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} [الأنعام: 151] الآيات، {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] الآيات، والمتشابه ما وراءه، أو ما لا يحتمل إلا وجها واحدا وما احتمل أوجها، أو ما يعلم تأويله وما لا يعلم تأويله، أو الناسخ الذي يعمل به والمنسوخ الذي لا يعمل به، وإنما لم يكن كل القرءان محكما لما في المتشابه من الابتلاء به، والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه؛ ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى الـمحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ} ميل عن الحق، وهم أهل البدع([7]) {فيتبعون ما تشابه} فيتعلقون بالـمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق الـمحكم، ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق {منه ابتغاء الفتنة} طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم {وابتغاء تأويله} وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه {وما يعلم تأويله إلا الله} لا [يعلم]([8]) تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله {والراسخون في العلم} والذين رسخوا أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع، مستأنف عند الجمهور، والوقف عندهم على قوله {إلا الله}، وفسروا المتشابه بما استأثر الله بعلمه، وهو مبتدأ عندهم، والخبر {يقولون ءامنا به} وهو ثناء منه تعالى عليهم بالإيمان على التسليم واعتقاد الحقية بلا تكييف، وفائدة إنزال المتشابه الإيمان به، واعتقاد حقية ما أراد الله به، ومعرفة قصور أفهام البشر عن الوقوف على ما لم يجعل لهم إليه سبيلا، ومنهم من لا يقف عليه ويقول بأن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه و{يقولون} كلام مستأنف موضح لحال الراسخين، بمعنى: هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون {ءامنا به} أي بالمتشابه أو بالكتاب {كل} من متشابهه ومحكمه {من عند ربنا} من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه {وما يذكر} وما يتعظ {إلا أولوا الألباب} أصحاب العقول، وهو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل.
- {ربنا لا تزغ قلوبنا} لا تملها عن الحق بخلق الـميل في القلوب {بعد إذ هديتنا} للعمل بالمحكم والتسليم للمتشابه {وهب لنا من لدنك رحمة} من عندك نعمة بالتوفيق والتثبيت {إنك أنت الوهاب} كثير الهبة، والآية من مقول الراسخين، وكذلك التي بعدها، وهي:
- {ربنا إنك جامع الناس ليوم} تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم {لا ريب فيه} لا شك في وقوعه {إن الله لا يخلف الميعاد} الـموعد، والمعنى أن الإلٰهية تنافي خلف الميعاد، أي لا يخلف ما وعد المسلمين والكافرين من الثواب والعقاب.
([1]) القيوم تفسيره الدائم الذي لا يزول، هذا التفسير المناسب.
([3]) هؤلاء عرب، لكن تبعوا الروم الإفرنج، الروم كانوا يساعدونهم ويهتمون بهم لأنهم ليسوا من الروم بل عرب فرحوا بدخولهم في دينهم، فتنوا لأن الروم صارت تساعدهم وتعظمهم، ثم عقيدة النصارى دخلت فيهم؛ بعض أصحاب السيرة يقولون إنهم صلوا في مسجد الرسول ﷺ مستقبلين الشرق فهم بعض الصحابة بهم فقال لهم الرسول: دعوهم، وهذا كذب، لم يحصل.
([4]) العاقب: اسمه عبد المسيح.
([6]) أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل.
([8]) في الأصل «يهتدي»، ويحمل على الاستثناء المنقطع أي إلا الله يعلم، لأنه لا يقال عن الله يهتدي لأن الاهتداء لا يكون في الإطلاق إلا بعد جهل وضلال، والإجماع منعقد على أن ما لم يرد إطلاقه وكان موهما لا يجوز إطلاقه على الله عز وجل؛ كما قال ابن الـمنبر في كتابه الإنصاف.
