تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وتسعين إلى مئتين
- تفسير سورة آل عمران من الآية مئة وواحد وتسعين إلى مئتين
- الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب (195) لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب (199) يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (200)
- {الذين يذكرون الله} يصلون {قياما} قائمين عند القدرة {وقعودا} قاعدين {وعلى جنوبهم} مضطجعين عند العجز([1])، أو المراد الذكر على كل حال، وفي الحديث: «من أحب أن يرتع في رياض الجنة([2]) فليكثر ذكر الله» {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام، وإبداع صنعتها، وما دبر فيها مما تكل([3]) الأفهام عن إدراك بعض عجائبه من عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه {ربنا ما خلقت هذا باطلا} يتفكرون قائلين [ذلك]، والمعنى: ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمته، بل خلقته لحكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك {سبحانك} تنزيها لك عن الوصف بخلق الباطل {فقنا عذاب النار} تقديره: إذا نزهناك فقنا.
- {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أهنته أو أهلكته أو فضحته {وما للظالمين} المراد الكفار {من أنصار} من أعوان وشفعاء يشفعون لهم كما للمؤمنين.
- {ربنا إننا سمعنا مناديا} المنادي هو الرسول عليه الصلاة والسلام أو القرءان {ينادي للإيمان} لأجل الإيمان بالله، وفيه تفخيم لشأن المنادي إذ لا منادي أعظم من مناد ينايد للإيمان {أن ءامنوا} بأن ءامنوا {بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} كبائرنا {وكفر عنا سيئاتنا} صغائرنا {وتوفنا مع الأبرار} مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم، والأبرار المتمسكون بالسنة.
- {ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك} أي على تصديق رسلك، أو على ألسنة رسلك، والموعود هو الثواب أو النصرة على الأعداء، وإنما طلبوا إنجاز ما وعد الله – والله لا يخلف الميعاد – لأن معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد. {ولا تخزنا يوم القيامة} هو إظهار للخضوع والضراعة {إنك لا تخلف الميعاد}.
- {فاستجاب لهم ربهم} أجاب {أني} بأني {لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، كلكم بنو ءادم فيما وعد الله به عباده العاملين {فالذين هاجروا} فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم إلى حيث يأمنون عليه {وأخرجوا من ديارهم} التي ولدوا فيها ونشأوا {وأوذوا في سبيلي} بالشتم والضرب ونهب المال، يريد: سبيل الدين {وقاتلوا وقتلوا} وغزوا المشركين واستشهدوا {لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا} إثابة {من عند الله والله عنده حسن الثواب} يختص به ولا يقدر عليه غيره.
روى أن طائفة من المؤمنين قالوا: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع، فنزل:
- {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} والخطاب لكل أحد أو للنبي عليه الصلاة والسلام، ورسول الله كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه، كقوله تعالى: {فلا تكونن ظهيرا للكافرين} [القصص: 86] {ولا تكونن من المشركين} [القصص: 87] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]، {يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا} النساء: 136].
- {متاع قليل} تقلبهم في البلاد متاع قليل، وأراد قلته في جنب ما أعد الله للمؤمنين من الثواب {ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} وساء ما مهدوا لأنفسهم.
- {لكن الذين اتقوا ربهم} عن الشرك {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا} رزقا أو عطاء {من عند الله وما عند الله} من الكثير الدائم {خير للأبرار} مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل.
- {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم} من القرءان {وما أنزل إليهم} من الكتابين {خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا} كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم {أولئك لهم أجرهم عند ربهم} ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في قوله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} [القصص: 54] {إن الله سريع الحساب} لنفوذ علمه في كل شيء.
- {يا أيها الذين ءامنوا اصبروا} على الدين وتكاليفه، قال الجنيد رضي الله عنه: الصبر حبس النفس على المكروه بنفي الجزع([4]). {وصابروا} أعداء الله في الجهاد، لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا {ورابطوا} وأقيموا في الثغور([5]) رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو {واتقوا الله لعلكم تفلحون} الفلاح: البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن المكروه. قال النبي ﷺ: «اقرءوا الزهراوين: البقرة وءال عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان([6]) أو فرقان([7]) من طير صواف تحاجان([8]) عن أصحابهما»([9]). والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
([1]) أي: عن القيام والقعود، أي يصلون في كل حال حسب الطاقة.
([2]) أي: أن يأخذ بالحظ الوافر.
([5]) الثغور: أطراف بلاد المسلمين التي يخاف فيها من دخول العدو.
([6]) الغيابة: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغيرها.
([8]) تحاجان: أي تدفعان عمن قرأهما في الدنيا بالشفاعة له عند الله.
