تفسير سورة آل عمران من الآية أحد عشر إلى عشرين
- تفسير سورة آل عمران من الآية أحد عشر إلى عشرين
كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (11) قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13) زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (20) - {كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم} [دأب] في العمل إذا كدح فيه، تقديره دأب هؤلاء الكفرة في تكذيب الحق كدأب من قبلهم من ءال فرعون وغيرهم {كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم} بسبب ذنوبهم {والله شديد العقاب} شديد عقابه.
- {قل للذين كفروا} هم مشركو مكة {ستغلبون} يوم بدر {وتحشرون إلى جهنم} من الجهنام وهي بئر عميقة. {وبئس المهاد} الـمستقر جهنم.
- {قد كان لكم ءاية} الخطاب لمشركي قريش {في فئتين التقتا} يوم بدر {فئة تقاتل في سبيل الله} وهم المؤمنون {وأخرى} وفئة أخرى {كافرة يرونهم مثليهم} يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين ألفين، أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفا وعشرين، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم. ولا يناقض هذا ما قال في سورة الأنفال {ويقللكم في أعينهم} لأنهم قللوا أولا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما اجتمعوا كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالتين مختلفتين، وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية {رأي العين} رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها {والله يؤيد بنصره من يشاء} كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في أعين العدو {إن في ذلك} في تكثير القليل {لعبرة} لعظة {لأولي الأبصار} لذوي البصائر.
- {زين للناس} الـمزين هو الله للابتلاء {حب الشهوات} الشهوة توقان النفس([1]) إلى الشيء، جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة، أو كأنه أراد تخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية {من النساء} والإماء داخلة فيها {والبنين} جمع ابن قد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث، وهنا أريد به الذكور، فهم المشتهون في الطباع، والـمعدون للدفاع {والقناطير} جمع قنطار وهو المال الكثير {المقنطرة} الـمنضدة([2]) أو المدفونة {من الذهب والفضة} سمي ذهبا لسرعة ذهابه بالإنفاق، وفضة لأنها تتفرق بالإنفاق، والفض التفريق {والخيل} سميت به لاختيالها في مشيها([3]) {المسومة} المعلمة من السومة وهي العلامة {والأنعام} الأزواج الثمانية {والحرث} الزرع {ذلك} المذكور {متاع الحياة الدنيا} يتمتع [به] في الدنيا {والله عنده حسن المآب} المرجع.
ثم زهدهم في الدنيا فقال:
- {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} من الذي تقدم {للذين اتقوا عند ربهم جنات} كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم {تجري من تحتها الأنهار} صفة لجنات {خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله} رضا الله {والله بصير بالعباد} عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم فلذا أعد لهم الجنات.
- {الذين يقولون} صفة للمتقين أو للعباد {ربنا إننا ءامنا} إجابة لدعوتك {فاغفر لنا ذنوبنا} إنجازا لوعدك {وقنا عذاب النار} بفضلك.
- {الصابرين} على الطاعات والمصائب {والصادقين} قولا بإخبار الحق، وفعلا بإحكام العمل ونية بإمضاء العزم {والقانتين} الداعين أو المطيعين {والمنفقين} المتصدقين {والمستغفرين بالأسحار} المصلين أو الطالبين المغفرة، وخص الأسحار لأنه وقت إجابة الدعاء، ولأنه وقت الخلوة، قال لقمان لابنه «يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم».
- {شهد الله} حكم أو قال {أنه} بأنه {لا إله إلا هو والملائكة} بما عاينوا من عظيم قدرته {وأولوا العلم} الأنبياء والعلماء {قائما بالقسط} مقيما للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما ينهم، وكرر {لا إله إلا هو} للتأكيد {العزيز الحكيم} العزيز الذي لا يغالب، الحكيم الذي لا يعدل عن الحق.
- {إن الدين عند الله الإسلام} شهد الله أن الدين عند الله الإسلام {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد، فثلثث النصارى، وقالت اليهود: عزير ابن الله {إلا من بعد ما جاءهم العلم} أنه الحق الذي لا محيد عنه {بغيا بينهم} ما كان ذلك الاختلاف إلا حسدا بينهم وطلبا منهم للرياسة وحظوظ الدنيا واستتباع كل فريق ناسا لا شبهة في الإسلام، وقيل: هو اختلافهم بنبوة محمد عليه السلام حيث ءامن به بعض وكفر به بعض {ومن يكفر بآيات الله} بحججه ودلائله {فإن الله سريع الحساب} سريع الـمجازاة.
- تفسير سورة آل عمران من الآية أحد عشر إلى عشرين
