الإثنين فبراير 23, 2026
تفسير حديث النزول:
اعلم أخي المسلم أن النزول المذكور في حديث “ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا” هو نزول الملك بأمر الله فينادي مبلغا عن الله تلك الكلمات: “من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يستغفرني فأغفر له من ذا الذي يسألني فأعطيه” فيمكث الملك في السماء الدنيا من الثلث الأخير إلى الفجر. أما من يقول ينزل بلا كيف فهو حق أيضا، لأنه لما قال بلا كيف نفى الحركة والانتقال من علو إلى سفل. إنما هلك من شبه الله بخلقه بقوله: الله مستقر على العرش وإنه ينزل بذاته من فوق إلى تحت فيكون بذلك كذب قوله تعالى “ليس كمثله شىء”. وروى النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول فيأمر مناديا ينادي: هل من سائل فيعطى، هل من مستغفر فيغفر له، هل من داع فيستجاب له” فهذه الرواية صحيحة الإسناد فسرت الرواية التي فيها “ينزل ربنا”، وهي أشهر من الرواية الأولى، وهذا يقال له مجاز الحذف عند علماء البيان، حذف لفظ الملك لأنه يفهم. ومعنى “شطر الليل الأول” أي النصف الأول منه، والمعنى أنه ينزل ملك بأمر الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فينادي، فمن وافق دعاؤه تلك اللحظة التي ينادي فيها الملك في الليل استجاب الله دعاءه، إن شاء، لأنه في كل ليلة يوجد وقت يستجاب فيه الدعاء. وأما قوله تعالى “وجاء ربك والملك صفا صفا” فليس معناه مجيء الحركة والانتقال وإفراغ مكان وملء ءاخر بالنسبة إلى الله لأنه يستحيل عليه أما بالنسبة إلى الملائكة فهو المجيء المحسوس الذي هو حركة وانتقال، فقوله تعالى: “والملك صفا صفا” أي ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالإنس والجن. فهذه الآية فيها استعمال اللفظ الواحد لمعنيين مختلفين. قال الإمام أحمد في تفسير هذه الآية: إنما جاءت قدرته أي أثر من ءاثار قدرة الله العظيمة فعبارته من باب مجاز الحذف لأن صفته لا تفارق ذاته، وقال القرطبي في تفسيره عند ذكر هذه الآية: قوله تعالى: “وجاء ربك” أي أمره وقضاؤه، قاله الحسن البصري التابعي، وهو من باب حذف المضاف. وقد أنكر ابن الجوزي الحنبلي على من قال إن المجيء إنما هو بالذات وذلك في كتابه المشهور “دفع شبه التشبيه”. والخلاصة أنه لا يجوز أن يعتقد في الله تعالى أنه يجوز عليه الحركة والانتقال، وإنما نصفه بما وصف به نفسه على الوجه اللائق به تعالى مع التنزيه وترك التشبيه، والأمر كما قال الحافظ البيهقي: “إن الحركة والسكون والاستقرار من صفات الأجسام والله تعالى أحد صمد ليس كمثله شىء”.