تفسير حديث “إنّما الأعمالُ بالنِيّات”:
روى البُخاريّ ومُسلم أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم قال “إنّما الأعْمالُ بِالنِيّات” والمعنى أنّ الأعْمالَ الصالِحةَ تَحْتاجُ لِنِيّة حَسَنة لِصِحّتِها أو لِقَبولِها ولا يجوز أنْ يُحْتَجَّ بهذا الحديثِ في فِعْلِ المعاصي والمُحرَّمات كما يفعلُ بعض الناس إذا قَبَّلَ امْرَأة لا تَحِلُّ لهُ أو تَلَفَّظَ بالكُفرِ يقولُ “إنّما الأعْمال بالنِيّات” فهذا الحديث لَيْسَ مَحلّه. والنِيَّة وَحْدَها لا تكفي لِصِحّةِ العَمَلِ بل لا بُدّ مِنْ مُوافَقَة العَمَلِ لِشَرْعِ الله تعالى فقد وَرَدَ أنّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم قال لِرَجُلٍ: “ارْجِعْ فَصَلّ فإنّكَ لم تُصَلِّ” لإنّه رأى خَلَلاً ظاهِرًا في صلاتِه فقالَ الرَّجُلُ: يا رسولَ الله لا أطِيق إلاّ هذا، عِنْدَئِذ عَلَّمهُ الرسولُ كَيْفِيّةَ الصلاةِ الصحيحة. ثمّ الأعْمالُ الصالِحة شَرْطُها الإسلامُ بدليلِ قَوْلِ الله تعالى: “ومَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أو أنْثى وهوَ مُؤمِن فأولَئِكَ يَدخلونَ الجنّة” الله تعالى شَرَطَ لِقَبولِ الأعْمالِ الصّالِحةِ الايمانَ بقَوْلِه “وهُوَ مُؤمِن” وبدليلِ ما جاءَ في صحيحِ مُسلم عَنْ عائِشةَ رضيَ الله عنها أنّها قالتْ: يا رسولَ الله إنّ ابْنَ عَمِّي عَبْدَ الله بنَ جُدْعان كان يَصِلُ الرَّحِم ويُقْري الضّيْف ويَفعلُ ويَفعل – أيْ مِنْ أعمالِ الخَيْر – فَهَلْ يَنْفَعُه ذلك؟ قال: “لا يَنْفَعُهُ لإنّه لم يَقلْ يَوْمًا ربّي اغْفِرْ لي خَطيئتي يَوْمَ الدِّين” معناهُ ما كانَ يُؤمِن باليومِ الآخِر أي كان كافرا. وفي صحيح البخاريّ أنّ رَجُلاً أرادَ أنْ يُقاتِلَ مع المسلمين قال: يا رسولَ الله أُسْلِم أمْ أُقاتِل، قال: “أَسلِمْ ثم قاتِلْ” فأسلمَ فقاتلَ فقُتِل، فقال الرسول: “عَمِلَ قليلا وأُجِرَ كثيرا” أي لإنّه نالَ الشهادةَ بعدَ أنْ هَدَمَ الاسلامُ كلَّ ذَنْب قَدَمَّه فالفَضْلُ للإسلام لإنّه لَوْ لم يُسْلِمْ لم يَنْفَعْهُ أيُّ عَمَل يَعملُه فلو كانت النِيّة الحَسَنة تكفي مِنْ غَيْر إيمان لَقالَ لهُ الرسولُ قاتِلْ معنا في الأول ثم بعد ذلك أَسْلِم.