تعريف الجسم اصطلاحا
بعد أن بينا المعنى اللغوي لكلمة الجسم ننتقل إلى بيان المعنى الاصطلاحي، فنقول وبالله التوفيق:
قال الشريف الجرجاني([1]): «الجسم جوهر قابل للأبعاد الثلاثة ـ أي الطول والعرض والعمق ـ وقيل: الجسم هو المركب المؤلف من الجوهر.
الجسم التعليمي: هو الذي يقبل الانقسام طولا وعرضا وعمقا، ونهايته السطح وهو نهاية الجسم الطبيعي، ويسمى جسما تعليميا إذ يبحث عنه في العلوم التعليمية، أي الرياضية الباحثة عن أحوال الكم المتصل والمنفصل منسوبة إلى التعليم والرياضة فإنهم كانوا يبتدئون بها في تعاليمهم ورياضتهم لنفوس الصبيان لأنها أسهل إدراكا» اهـ.
وقال المناوي([2]): «الجسم: ما له طول وعرض وعمق، ولا تخرج أجزاء الجسم عن كونها أجساما وإن قطع وجزئ ـ أي تصبح أجساما صغيرة ـ بخلاف الشخص فإنه يخرج عن كونه شخصا بتجزئته، كذا عبر عنه الراغب» اهـ. يريد الراغب الأصبهاني.
ويروى عن إمام أهل السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه أنه قال([3]): «اختلف المتكلمون ـ من الذين تكلموا وألفوا في علم الكلام من أهل السنة والجماعة ومن غيرهم ـ في الجسم ما هو على اثنتي عشرة مقالة:
1- فقال قائلون: الجسم هو ما احتمل الأعراض كالحركات والسكون وما أشبه ذلك، فلا جسم إلا ما احتمل الأعراض…، وزعموا أن الجزء الذي لا يتجزأ جسم يحتمل الأعراض.
2- وقال قائلون: الجسم إنما كان جسما للتأليف والاجتماع، وزعم هؤلاء أن الجزء الذي لا يتجزأ إذا جامع جزءا آخر لا يتجزأ، فكل واحد منهما جسم في حال الاجتماع لأنه مؤتلف بالآخر، فإذا افترقا لم يكونا ولا واحد منهما جسما، وهذا قول بعض البغداديين.
3- وقال قائلون: معنى الجسم أنه مؤتلف، وأقل الأجسام جزآن، ويزعمون أن الجزءين إذا تآلفا فليس كل واحد منهما جسما ولكن الجسم هو الجزآن جميعا، وأنه يستحيل أن يكون التركيب في واحد، والواحد يحتمل اللون والطعم والرائحة وجميع الأعراض إلا التركيب.
4- وقال أبو الـهذيل (المعتزلي)([4]): الجسم هو ما له يمين وشمال وظهر وبطن وأعلى وأسفل، وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء أحدها يمين والآخر شمال، وأحدها ظهر والآخر بطن، وأحدها أعلى والآخر أسفل.
5- وزعم بعض المتكلمين: أنه ـ أي الجسم ـ الجزآن اللذان لا يتجزآن يحلهما جميعا التأليف، وأن التأليف الواحد يكون في مكانين، وهذا قول الجبائي ـ المعتزلي([5])ـ.
6- وقال معمر([6]): هو الطويل العريض العميق، وأقل الأجسام ثمانية أجزاء فإذا اجتمعت الأجزاء وجبت الأعراض، وإن كل جزء يفعل في نفسه ما يحله من الأعراض، وزعم أنه إذا انضم جزء إلى جزء حدث طول، وأن العرض يكون بانضمام جزءين إليهما، وأن العمق يحدث بأن يطبق على أربعة أجزاء أربعة أجزاء، فتكون الثمانية الأجزاء جسما عريضا طويلا عميقا.
7- وقال هشام بن عمرو الفوطي([7]): إن الجسم ستة وثلاثون جزءا لا يتجزأ، وذلك أنه جعله ستة أركان، وجعل كل ركن منه ستة أجزاء، فالذي قال أبو الهذيل إنه جزء جعله هشام ركنا.
8- وقال قائلون: الجسم الذي سماه أهل اللغة جسما هو ما كان طويلا عريضا عميقا، ولم يحددوا في ذلك عددا من الأجزاء وإن كان لأجزاء الجسم عدد معلوم.
9- وقال هشام بن الحكم([8]): معنى الجسم أنه موجود، وكان يقول: إنما أريد بقولي: جسم أنه موجود وأنه شىء وأنه قائم بنفسه. – وهذا خلط واضح منه لأنه يعرف معنى الجسم ومحاولة للتهرب من الكفر الذي هو غارق فيه باعتقاده في الله الجسمية والعياذ بالله العظيم، وهذا كفر بالله العظيم -.
10- وقال النظام([9]): الجسم هو الطويل العريض العميق وليس لأجزائه عدد يوقف عليه، وأنه لا نصف إلا وله نصف ولا جزء إلا وله جزء، وكانت الفلاسفة تجعل حد الجسم أنه العريض العميق.
11- وقال عباد بن سليمان([10]): الجسم هو الجوهر والأعراض التي لا ينفك منها وما كان قد ينفك منها من الأعراض، فليس ذلك من الجسم بل ذلك غير الجسم.
12- وقال ضرار بن عمرو([11]): الجسم أعراض ألفت وجمعت فقامت وثبتت فصارت جسما يحتمل الأعراض إذا حل والتغيير من حال إلى حال، وتلك الأعراض هي ما لا تخلو الأجسام منه أو من ضده نحو الحياة والموت اهـ.
وقد عرفنا مما سبق معنى الجسم في اللغة والاصطلاح، ويظهر أن هناك توافقا واضحا بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، فهو في اللغة يدل على التأليف والتركيب والتشخيص، وهو في الاصطلاح يدل على التركيب والتشخيص وقبول الأبعاد.
ثم الأجسام منها ما هو كثيف يضبط باليد، يستطيع الواحد أن يمسكه بكفه كجسم الإنسان والحيوان والنبات وسائر الجمادات، ومنها ما هو لطيف لا يضبط باليد، لا يستطيع الواحد أن يمسكه بكفه كالروح والريح والضوء والهواء.
قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط([12]) ما نصه: «والريح جسم لطيف شفاف غير مرئي» اهـ.
وقال أيضا([13]): «إن الشيطان وهو إبليس يبصركم هو وجنوده ونوعه وذريته من الجهة التي لا تبصرونه منها، وهم أجسام لطيفة معلوم من هذه الشريعة وجودهم ، كما أن الملائكة أيضا معلوم وجودهم من هذه الشريعة ولا يستنكر وجود أجسام لطيفة جدا لا نراها نحن، ألا ترى أن الهواء جسم لطيف لا ندركه نحن وقد قام البرهان العقلي القاطع على وجوده» اهـ.
وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن([14]) أثناء كلامه عن الروح: «والصحيح فيه أنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة» اهـ.
وقال البغوي([15]) في تفسيره([16]): «الروح جسم لطيف يحيا به الإنسان» اهـ. فالله سبحانه ليس بجسم ولا جوهر، لا كثيف ولا لطيف، وبعبارة أخرى نقول: ليس لذات الله تعالى جرم ولا حجم ولا حد ولا كثافة ولا تشخيص ولا تشكيل ولا تأليف ولا جمع ولا تفريق ولا حركة ولا سكون، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى).
وهذا ما عليه جميع الأنبياء عليهم السلام، وهو مذهب السلف الصالح أهل السنة والجماعة من أهل الفقه والحديث وعلماء الكلام الذين ينزهون الله تعالى عن الجسم والهيئة والكيف، بل قد وافقت المعتزلة والجهمية([17]) والزيدية([18]) والجعفرية([19]) والإباضية([20]) والخوارج كلام أهل السنة في هذه المسألة وإن ضلت في مسائل غيرها، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الشواذ من الفرق التي انتسبت إلى الإسلام، والإسلام منها براء من مشبهة ومجسمة ومن تبعهم.
[1] ) التعريفات، الجرجاني 1/104.
علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني، من كبار العلماء بالعربية. ولد في تاكو (قرب استراباد) ودرس في شيراز. له نحو خمسين مصنفا، منها: «التعريفات» و«مقاليد العلوم». وتوفي في شيراز سنة 816 هـ. الأعلام، الزركلي، 10/13.
[2] ) التوقيف على مهمات التعاريف، الـمناوي، 1/245.
محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري زين الدين من كبار العلماء بالدين والفنون، انزوى للبحث والتصنيف، من كتبه: «كنوز الحقائق» في الحديث، و«التيسير في شرح الجامع الصغير» مجلدان اختصره من شرحه الكبير «فيض القدير». عاش في القاهرة، وتوفي بها سنة 1031هـ. كان مولده سنة 952هـ. الأعلام، الزركلي، 6/204.
[3] ) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ينسب الكتاب للأشعري، 2/ 4، 5.
[4] ) أبو الهذيل العلاف المبتدع، شيخ البصريين في الاعتزال، ت 235هـ، كان له مناظرات مع هشام بن الحكم. الملل والنحل، الشهرستاني، ص 185.
[5] ) محمد بن عبد الوهاب الجبائي، أبو علي، ت 303هـ، من أئمة المعتزلة في عصره، وإليه=
=نسبة الطائفة الجبائية الضالة المبتدعة. له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، وقد رد عليه الإمام الأشعري رضي الله عنه. الأعلام، الزركلي، 6/256.
[6] ) معمر بن عباد السلمي، ت 215هـ، معتزلي من الغلاة، سكن بغداد، وناظر النظام، وكان أشد القدرية غلوا، انفرد بمسائل، وتنسب إليه طائفة تعرف بالمعمرية. الأعلام، الزركلي، 7/272.
[7] ) هشام بن عمرو الفوطي ممن بالغ في القول بالقدر، وقدح في إمامة علي رضي الله عنه بقوله: إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم -وهذا باطل-.والفوطي والأصم المعتزليان اتفقا على أن الله تعالى يستحيل أن يكون عالـما بالأشياء قبل كونها – وهذا ضد عقيدة الإسلام -، وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى البارئ تعالى وإن ورد بها التنزيل – وهذا لا شك رد للنصوص، وقد قال النسفي في عقيدته المشهورة: «ورد النصوص كفر» اهـ. – الملل والنحل، الشهرستاني، ص25.
[8] ) هشام بن الحكم الشيباني بالولاء الكوفي، كان شيخ الإمامية في وقته، من كتبه: «الإمامة والقدر». وكان مشبها يقول بالجسمية. الملل والنحل، الشهرستاني، ص172. الأعلام، الزركلي، 8/85.
[9] ) إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، ت 231هـ، أبو إسحاق النظام، من أئمة المعتزلة، تبحر في علوم الفلسفة وانفرد بآراء خاصة تابعته فيها فرقة من المعتزلة سميت النظامية نسبة إليه. وفي كتاب الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي أن النظام عاشر في زمان شبابه وخالط ملاحدة الفلاسفة وأخذ عن الجميع. الأعلام، الزركلي، 1/43.
[10] ) عباد بن سليمان كان من أصحاب هشام بن عمرو الفوطي وزاد عليه بدعة فقال: ما خلق الله سبحانه وتعالى كافرا قط، قال: لأن الكافر يشتمل على ذاته وكفره، قال: والله لا يخلق الكفر عندي، ولأن الأعراض لا تدل على شىء وركب عليه، فقال: إن انشقاق القمر وفلق البحر وقلب العصا حية لا يدل على شىء من معجزاتهم ـ أي الأنبياء عليهم السلام ـ. التبصير في الدين، الأسفراييني، ص76.
[11] ) ضرار بن عمرو الغطفاني، ت 190هـ، قاض من كبار المعتزلة، طمع برئاستهم في بلده فلم يدركها. فخالفهم فكفروه وطردوه. وشهد عليه الإمام أحمد بن حنبل عند القاضي سعيد بن عبد الرحمن الجمحي فأفتى بضرب عنقه، فهرب. الأعلام، الزركلي، 3/215.
[12] ) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 1/407.
[13] ) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 4/232.
[14] ) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 15/262.
[15] ) البغوي الحسين بن مسعود بن محمد، الفراء أو ابن الفراء، ت 510هـ ، فقيه محدث مفسر، نسبته إلى (بغا) من قرى خراسان، بين هراة ومرو. له: «التهذيب في فقه الشافعية»، و«شرح السنة» في الحديث، و«لباب التأويل في معالم التنزيل» في التفسير، و«مصابيح السنة»، و«الجمع بين الصحيحين» وغير ذلك. الأعلام، الزركلي، 2/ 259.
[16] ) معالم التنزيل، البغوي، 4/380.
[17] ) الجهمية فرقة ضالة تنسب إلى جهم بن صفوان الراسبي، كان ينكر الصفات لله ويزعم أن الله تعالى في الأمكنة كلها، وهو من الجبرية الخالصة ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز بمرو في أواخر ملك بني أمية سنة 128هـ، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء. الملل والنحل، الشهرستاني، 1/113.
[18] ) الزيدية ثلاث فرق: الجارودية والسليمانية والأبترية، أما الجارودية فهم أتباع أبي الجارود وكان مذهبه أن النبي نص على إمامة علي بالصفة لا بالاسم وكان من مذهبه أن الصحابة كفروا كلهم بتركهم بيعة علي ومخالفتهم النص الوارد عليه، وأما السليمانية فهم أتباع سليمان بن جرير الزيدي وكان يقول: إن الإمامة شورى ومتى ما عقدها اثنان من أخيار الأئمة لمن يصلح لها فهو إمام في الحقيقة وكان يقر بإمامة أبي بكر وعمر ويجوز إمامة المفضول وكان يقول: إن الصحابة تركوا الأصلح بتركهم بيعة علي، وأما الأبترية منهم فهم أتباع الحسن بن صالح بن حي وكثير النواء الملقب بالأبتر وقول هؤلاء كقول السليمانية غير أنهم يتوقفون في عثمان ولا يقولون فيه خيرا ولا شرا. وجميع فرق الزيدية يجمعهم القول بتخليد أهل الكبائر في النار ووافقوا القدرية والخوارج في هذا المعنى، وهؤلاء الفرق الثلاثة إنما يسمون زيدية لقولهم بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي في وقته. التبصير في الدين، الأسفراييني، ص29.
[19] ) الجعفرية أتباع جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب اللذين كانا أصلين في الجهالة والضلالة، كان جعفر بن مبشر يقول: فساق هذه الأمة شر من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة، مع قوله بأنهم موحدون في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وكان جعفر بن حرب على ضلالة أستاذه. التبصير في الدين، الأسفراييني، ص77.
[20] ) الإباضية من الخوارج، ينسبون إلى عبد الله بن إباض التميمي، وهم قوم من الحرورية، زعموا أن مخالفهم كافر لا مشرك، تجوز مناكحته، وكفروا عليا وأكثر الصحابة، وكان مبدأ ظهوره ـ أي عبد الله بن إباض ـ في خلافة مروان. تاج العروس، الزبيدي، 18/220.