الخميس يناير 29, 2026

تحقيق في إثبات الثواب والعقاب

في «تشنيف المسامع» [(730)]: «قال الشيخ أبو إسحاق ومعنى الثواب إيصال النفع إلى المكلف على طريق الجزاء ومنه قوله ﴿ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا … *﴾ [سورة المائدة] أي جزاهم. وقد يعبر به عن العقوبة كقوله تعالى  ﴿… مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ … *﴾ [سورة المائدة]. وعن الجزاء ﴿ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ … *﴾ [سورة المطففين] ومعنى العقاب إيصال الألم إلى المكلف على طريق الجزاء»، والدليل على اتصاف البارئ بذلك أنه وعد على ممدوحهاأي الأعمالوأوعد على سيئها فهو ينجز وعده ويحقق وعيده لأنه صادق وخبره صدق وحصول العفو في بعض صور الوعيد لا ينافي صدق خبره لأن ذلك من قبيل تخصيص العموم وهو يدخل في الأخبار وبهذا يظهر بطلان قول من جوَّز الخُلْفَ في الوعيد وعدّ ذلك من الكرم مستشهدًا بقول الشاعر [(731)]: [الطويل]
           وإني إذا أوعدته أو وعدته     لمخلفُ إيعادي ومنجزُ موعدي»

اهـثم قال الزركشي [(732)]: «إذا علمت ذلك فالإثابة على الطاعة بالإجماع لكن عندنا فضلًا منه وعند المعتزلة وجوبًا. ومن لطيف أدلتنا قوله تعالى ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *﴾ [سورة الزخرف] فإن العطية إما أن تكون بعوض أو بغير عوض والتي بلا عوض الإرث والهبة ونحوهما فلما ذكر الإرث كان تصريحًا بنفي العوضية وقال تعالى  ﴿… وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا … *﴾ [سورة النور] وقوله ﴿ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ *﴾ [سورة الصافات] وأما العقاب على المعصية فإن كانت المعصية شركًا فهو واقع لا محالة لا يدخله عفو لقوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ … *﴾ [سورة النساء] وإن كانت غير شركٍ [(733)] فعندنا يجوز العفو عنه سمعًا وعقلاً، وصارت المعتزلة إلى جوازه عقلًا وامتناعه سمعًا وقالوا عذاب الفاسق مؤبد، وافترى بعض المبتدعة فنسبه للشافعي رضي الله عنه وقد قال في كتاب السير من «الأم» [(734)] فيمن انهزم عن الصف بغير عذرٍ إنه باء بغضب من الله إلا أن يغفر الله له. وقال أبو علي بن أبي هريرة فيما حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه وهذا دليل على بطلان قول من زعم أن الشافعي يرى مذهب الاعتزال ولنا ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ … *} [سورة النساء] يعني مع عدم التوبة  ﴿… وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَآءُ … *﴾ [سورة النساء] يجب أن يكون مع عدم التوبة أيضًا بظاهر التفريق بين الشرك وغيره فأفاد ذلك جواز غفرانه لكل معصية دون الشرك وقوله ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ … *﴾ [سورة الشورى] وقوله  ﴿… إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا …*﴾ [سورة الزمر] وقوله صلى الله عليه وسلم «أتاني جبريل فقال من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق» رواه البخاري ومسلم [(735)]» انتهى.
ومن حقق معرفة هذه المسألة علم أنَّ الله تعالى هو المتفضل على المؤمن بإقداره على الإيمان والعمل الصالح في الدنيا ثم إثابته على ذلك في العقبى. فوضح أن الأعمال الصالحة علامات على السعادة ليست موجبات عقلًا للثواب وعلم أيضًا أن المعاصي أمارات على العقاب ليست موجباتٍ له عقلًا.
وبذلك يظهر معنى حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله لو عذب أهل أرضه وسمواته لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم». وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه [(736)] وهو حقيقة عقيدة أهل السنة المبني على موافقة قوله تعالى ﴿… وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا … *﴾ [سورة النور]. فأقبِح بعقلٍ يرى وجوب ثواب المطيع على الله عقلاً.

ـ[730] رواه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان.
ـ[731] رواه الطبراني في المعجم الكبير (7/ 207)، قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 326): «رواه الطبراني وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف».
ـ[732] رواه البخاري في صحيحه: كتاب الاستسقاء: باب ما قيل في الزلازل والآيات.
ـ[733] رواه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام.
ـ[734] عزاه في فتح الباري (7/ 200) للطبراني والبزار من حديث أبي هريرة.
ـ[735] رواه مسلم في صحيحه: كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام.

[736] رواه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن: باب ظهور الفتن.