الخميس يناير 29, 2026

تتمة

يحصل كثيرًا من كثير من الناس الاعتراض على تكفير من يتكلم بكلمة كفرٍ من سب الله وغيره محتجين بدعوى التأويل في الألفاظ الصريحة، وهؤلاء يجرئون الناس على التمادي في التورط ولا يدرون أن الصريح لا يؤوَّل كما نص عليه الحافظ تقي الدين السبكي وغيره [(916)] وذكر ابن حجر [(917)] عن القاضي عياض [(918)] أن محمد ابن سحنون قال في رجلٍ قيل له لا وَحَقّ رسول الله فقال فعل الله برسول الله كذا وكذا وذكر كلامًا قبيحًا ثم قال أردت برسول الله العقرب إنه لا يقبل دعواه، ثم وافق ابن حجر ذلك بقوله: «ومذهبنا لا يأبى ذلك» اهـ.

ونقل ابن حجر [(919)] أيضًا ما قدمناه عن إمام الحرمين أنه قال «اتفق الأصوليون على أن من نطق بكلمة الردة وزعم أنه أضمر تورية كُفّر ظاهرًا وباطنًا، وأقرهم على ذلك» ونقل أيضًا [(920)] عن العزّ ابن عبد السلام أنه قال: «يُعَزَّرُ وليٌّ قال «أنا الله» ولا ينافي ذلك ولايته لأنه غير معصوم»، يعني ابن عبد السلام أن الولي إذا قال بلسانه في حال ارتفاع التكليف عنه ذلك لغيبة عقله كالمجنون العادي يُعزَّر لأنه ينكف عن قوله بالتعزير لأن التعزير يؤثر في المجنون كما تؤثر العقوبة بالضرب في البهائم ولم يُرِدْ أن الوليَّ يتكلم بكلمة كفر في صحوه بإرادةٍ لأن الوليّ معصومٌ عن أن يتكلم بكفرٍ ما دام بحالة التكليفِ كما دلَّ على ذلك الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا فقد ءاذنته بالحرب وما تقرب إليّ عبدي بشىء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه ولا يزال يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمع به» الحديث [(921)].
فينبغي أن يستحضر طالب الحق هذه القاعدة «إن الصريح لا يؤول» فلا يلقها من يده فإنها تنفعه وتمنعه من التسليم لما يراه في الفتوحات المكية للشيخ محيي الدين بن عربي من العبارات التي هي صريحة في الكفر. ورأيُنا في ذلك أنها مدسوسة عليه لأمرين: أحدهما أنَّ الشعراني قال [(922)] إنه اطلع على النسخة الأصلية فوجدها خالية من هذه الكفريات وأن صاحب «المعروضات المزبورة» أحد الفقهاء المشهورين في أهل المذهب الحنفي قال: تَيَقَّنَّا أن اليهود دسوا عليه في «فصوص الحكم».

والثاني أن الحافظ ابن حجر قال في «لسان الميزان» في ترجمة ابن عربي [(923)] اعتدَّ به أهل حفاظ عصره كابن النجار في ذيل تاريخ بغداد [(924)]، وابن النقطة في تكملة الإكمال، وابن العديم في تاريخ حلب، والزكي المنذري في الوفيات [(925)] واعتد به أيضًا الحافظ ابن الدُّبَيْثي [(926)]، ويؤيد ذلك أن في «الفتوحات المكية» عبارات صريحة في إبطال القول بعقيدة الحلول والاتحاد، والتنزيه الصريح لله تعالى عما ينزهه أهل الحق ففيها الكثير من هذا والكثير من ذاك. وإني أبرأ إلى الله مما يقول كثير من المولعين بمطالعتها إن كلّ تلك الكلمات تؤول تصحيحًا لها مع صراحتها في الكفر ومنها أن الله خلق الخلق من أصلٍ هو عينه كالحبة الواحدة تخرج منها الحبوب فليت شعري ماذا يصنعون بهذه العبارة وأمثالها فإن قَبِلَت هذه التأويل عندهم فأين الكلمة الكفرية التي لا تقبل التأويل حتى يُرتَّب عليها أحكام الردة التي وضعها الأئمة جزاهم الله خيرًا فإذا علم ذلك فحذار مما يخالف القاعدة المقررة أنَّ التأويل في اللفظ الصريح لا يقبل فإن ابن حجر قال [(927)] بعد أن نقل قول إمام الحرمين السابق الذكر «من نطق بكلمة الردة» إلخ: «فتأمله يَنْفَعْكَ في كثيرٍ من المسائل» اهـ والعجب أن ابن حجر خالفها في أشياء ولا سيما فيما ينقل عمن ينتسب إلى التصوف.
والعجب العجاب أن يَستنكر القول بقبول إيمان فرعون مع نسبته له إلى محي الدين بن عربي جازمًا بذلك قائلاً وإن كنا نعتقد جلالة قائله ثم قال [(928)]: «على أنه قد نقل عن بعض كتب ذلك الإمام أنه صرح فيها بأن فرعون مع هامان وقارون في النار». هذا والشعراني يجزم بأنه مدسوس عليه لكونه غير موجود في النسخة التي بخط محي الدين.

واعجَب له أيضًا حيث ردَّ هذا ولم يردّ ما هو أشد من ذلك بل مشاه بالتأويل [(929)] كقول الشخص «أنا الله» فإنه قال: «وقول ابن عبد السلام: «يعزّر وليّ قال أنا الله ولا ينافي ذلك ولايته لأنه غير معصوم فيه نظر» لأنه إن كان غائبًا فهو غير مكلف لا يعزر كما لو أوَّلَ بمقبولٍ وإلا فهو كافر. ويمكن حمل كلامه على ما إذا شككنا في حاله فيعزر قطعًا له ولا يحكم عليه بالكفر لاحتمال عذره ولا بعدم الولاية فإنه غير معصومٍ انتهى كلامه أي عن النطق بالكفر في حال الغيبة. وأكبر العجب من كلامه هذا في قوله: «كما لو أول بمقبول» فليعلم أنه مخالف لكلامِ نَقَلَةِ المذهب أصحاب الوجوه قبله كإمام الحرمين وأهل الترجيح [(930)] فالعبرة بكلامهم لا بكلامه.

ـ[916] التكملة لوفيات النقلة (3/ 555).
ـ[917] ذيل تاريخ بغداد (15/ 58).ـ[918] الإعلام بقواطع الإسلام (ص/348).
ـ[919] الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 35).
ـ[920] تقدم تخريجه.

ـ[921] فالطبقة العليا من أهل المذهب هم الذين بلغوا درجة الاجتهاد المطلق لكنهم وافق= = اجتهادهم اجتهاد الشافعي فانتسبوا إليه. والثانية طبقة أصحاب الوجوه كالمتولي وإمام الحرمين والثالثة من حفظوا المذهب وحصلت لهم قوة الترجيح لبعض أقوال الشافعي على بعضٍ كالرافعي والنووي. ثم بعدهم طبقة رابعة وظيفتهم نقل نصوص الإمام ونصوص من قبلهم من أهل المذهب وهم من جاء بعد الحافظ سراج الدين البلقيني فإنه كان متمكنًا في الترجيح فابن حجر الهيتمي لم يعد من الثلاث فإذا قال قولاً غيرَ منقول عن المذهب لا يلتفت إليه فكيف إذا خالف قوله منقول المذهب كهذه المسألة.
ـ[922] الإعلام بقواطع الإسلام (ص/397).
ـ[923] يعتقد أنه ينفعه بدون مشيئة الله.
ـ[924] حاشية ابن عابدين المعروفة باسم رد المحتار (1/ 210).
ـ[925] عزاه له ابن عابدين لكتابه التجنيس.
ـ[926] عقود اللآلي (ص187).
ـ[927] الفتح الرباني (ص/190 – 191).
ـ[928] انظر أصول الدين (ص/77 – 78) للبغدادي.
ـ[929] الفقه الأكبر (ص/47) لأبي حنيفة مع شرحه لملا علي القاري.
ـ[930] رواه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، وأبو داود في سننه بنحوه: كتاب الفتن والملاحم: باب ذكر الفتن ودلائلها.