477- وثابت بعيشه سعيدا
|
| حياته وموته شهيدا
|
(و)من معجزاته ﷺ تبشيره لـ(ـثابت) ابن قيس الأنصاري رضي الله عنه (بعيشه سعيدا) أي على الإسلام (حياته) أي مدة حياته في الدنيا (و)بـ(ـموته شهيدا) في سبيل الله تعالى، (فكان ذا) الأمر كما قال ﷺ.
روى ابن حبان في «صحيحه» ومالك في «الموطأ» وغيرهما أن ثابت بن قيس الأنصاري، قال: يا رسول الله، والله لقد خشيت أن أكون قد هلكت، قال: «لم؟» قال: قد نهانا الله عن أن نحب أن نحمد بما لم نفعل وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال رسول الله ﷺ: «يا ثابت، ألا ترضى أن تعيش حميدا([1])، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: فعاش حميدا، وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب.
478- فكان ذا وأنس بكثرة
|
| المال والولد وطول المدة
|
(و)من معجزاته ﷺ دعاؤه لـ(ـأنس) ابن مالك رضي الله عنه (بكثرة المال) له (والولد) بضم الواو وسكون اللام لغة في الولد (و)بـ(ـطول المدة في عمره) بالعيش في الدنيا، فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ (فعاش) أنس (نحو المائة) من السنين، قيل: عاش تسعة وتسعين سنة، وقيل: مائة وثلاثين سنة، وقيل: مائة وعشرين، وقيل مائة وسبعا([2]).
(و)قد بارك الله عز وجل في مال أنس فـ(ـكان) له بستان كبير بالبصرة (يؤتي) أي يثمر (نخله) ببساتينه (في السنة حملين) متلاحقين، وكان له فيه ريحان يجيء منه ريح الـمسك، (و)جعل الله عز وجل البركة في ذريته فـ(ـالولد) الذين ولدهم (لصلب) أي من صلبه (مائة من بعد عشرين ذكورا) على قول كما (أثبتوا) أي أهل الحديث والسير في شأنه رضي الله عنه، وقيل كان له من الأولاد أكثر من ذلك.
روى البخاري في «الأدب الـمفرد» وأبو يعلى في «مسنده» عن أنس رضي الله عنه قال: انطلقت بي أمي إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، خويدمك فادع الله له، فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر له»، قال: فكثر مالي حتى صار يطعم في السنة مرتين، وكثر ولدي حتى قد دفنت من صلبي أكثر من مائة، وطال عمري.
481- وقال فيمن ادعى الإسلاما
|
| وقد غزا معه العدا وحامـا
|
(و)من معجزاته ﷺ أنه (قال فيمن) أي في شأن رجل يدعى أبا الغيداق قزمان بن الحارث الظفري إنه في النار، وكان أبو الغيداق قد (ادعى الإسلاما) أي ظاهرا وهو في الحقيقة منافق كما ذكر بعض أهل الحديث والسير([3])، (وقد غزا) أي قاتل أبو الغيداق في خيبر (معه) أي مع النبي ﷺ محاربا (العدا) يهود (وحامى) أي دافع عن المسلمين (مع) إظهار (شدة) في (القتال للكفار) اليهود (معه) أي مع النبي ﷺ وأصحابه، وكان إخبار رسول الله ﷺ (بأنه) أي أبا الغيداق يموت منافقا حقيقيا (من أهل النار) مخلدا فيها من قبل وفاة أبي الغيداق (فصدق الله) أي حقق الله تعالى (مقال) أي قول (السيد) النبي ﷺ وإخباره عن حال هذا الرجل، وكان تحقق ذلك (بنحره) أي بقتل أبي الغيداق (لنفسه) قتلا (عمد اليد) منتحرا من بعد أن أصابته جراحة في الـمعركة.
روى الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ التقى هو والـمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة([4]) إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقيل: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان([5])، فقال رسول الله ﷺ: «أما إنه من أهل النار»، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه، كلما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحا شديدا فاستعجل الـموت، فوضع سيفه بالأرض وذبابه([6]) بين ثدييه ثم تحامل([7]) على سيفه فقتل نفسه.
فخرج الرجل إلى النبي ﷺ فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: «وما ذاك؟» قال: الرجل الذي ذكرت ءانفا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحا شديدا، فاستعجل الـموت فوضع نصل سيفه([8]) في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة».
484- وكان من عتبة ابن أبي لهب 485- يسلط الله عليه كلبـا
|
| أذى له دعا عليه فوجب
|
(و)من معجزاته ﷺ أنه لما (كان من) الصنديد الـمشرك (عتيبة) مصغرا وقيل: مكبر (ابن أبي) بتسهيل الهمزة في النظم (لهب) ما كان من (أذى له) أي للنبي ﷺ (دعا عليه) ﷺ (فوجب) أي فتحقق دعاؤه فيه أنه (يسلط الله عليه) أي على عتيبة بن أبي لهب (كلبا) أي عقورا وهو شامل للأسد والنمر ونحوها فـ(ـقتله الأسد) بعد أن ألهمه الله أن يختاره من بين الحاضرين وكان مقتله (قتلا صعبا) حيث هشم له رأسه. وعتبة غير عتيبة وكلاهما ابن لأبي لهب، فالمشهور أن عتبة أسلم يوم الفتح وأن عتيبة هو الذي هلك بدعاء النبي عليه، وقيل: عتبة هو الذي هلك وعتيبة الذي أسلم([9]).
روى أبو نعيم في «الدلائل» أن رقية بنت رسول الله ﷺ كانت قبل عثمان بن عفان عند عتبة بن أبي لهب وأم كلثوم عند عتيبة بن أبي لهب من قبل البعثة، فلما أنزل الله عز وجل تبت يدا أبي لهب قال أبو لهب وزوجه أم جميل لعتبة وعتيبة: وجهنا من وجهكما حرام إن لم تطلقاهما، فطلقها عتبة، وأما عتيبة فلما أراد الطلاق والخروج إلى الشام بعد ذلك مع أبي لهب فقال: لآتين محمدا وأوذينه في ربه([10])، فأتى يكفر بالله ويسب النبي والعياذ بالله، ثم رد على النبي ﷺ ابنته، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم سلط» أو «ابعث عليه كلبا([11]) من كلابك»، ثم انصرف عتيبة عنه فرجع إلى أبيه، فقال أبو لهب: أي بني ما قلت له؟ قال: كفرت بإلهه الذي يعبد، قال: فماذا قال لك؟ قال: قال: «اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك»، قال: أي بني والله ما ءامن عليك دعوة محمد. وكان هبار بن الأسود([12]) خارجا معهم في الرحلة إلى الشام فقال: فسرنا حتى نزلنا الشراة – وهي مأسدة([13]) – فنزلنا إلى صومعة راهب فقال: يا معشر العرب ما أنزلكم هذه البلاد وإنها مسرح الضيغم([14])؟ فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم سني وحقي، قلنا: أجل، فقال: إن محمدا قد دعا على ابني دعوة، والله لا ءامنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ثم افترشوا لابني عتيبة عليه ثم افترشوا حوله. قال هبار: ففعلنا، جمعنا الـمتاع حتى ارتفع، ثم فرشنا له عليه وفرشنا حوله فبتنا نحن حوله وأبو لهب معنا أسفل، وبات هو فوق الـمتاع، فجاء الأسد فشم وجوهنا، فلما لم يجد ما يريد تقبض ثم وثب فإذا هو فوق الـمتاع، فشم وجهه ثم هزمه هزمة ففضخ رأسه فقال: سيفي يا كلب، ولم يقدر على غير ذلك، ووثبنا فانطلق الأسد وقد فضخ رأسه([15])، فقال له أبو لهب: قد عرفت والله ما كان لينفلت من دعوة محمد.
486- وقد شكا له قحوط المطر
|
| شاك أتاه وهو فوق المنبر
|
(و)من معجزاته ﷺ أنه (قد شكا له قحوط) أي احتباس (المطر) وقت الحاجة إليه (شاك) من الصحابة حين (أتاه وهو) أي والحال أنه ﷺ (فوق المنبر) يخطب الجمعة، وفي حديث ءاخر أنه لم يكن على الـمنبر ولعلهما حادثتان، فلما شكي له ذلك قعد على الـمنبر (فـ)ـكبر وحمد الله و(رفع اليدين) أي يديه الشريفتين إلى السماء متضرعا (لله) أي إليه عز وجل، وما رفعها إلى السماء إلا لأنها قبلة الدعاء ومهبط الرحمات لا أن الله تعالى يسكنها، تنزه الله عن أن يكون في جهة أو مكان، كما أن البيت العتيق قبلة للصلاة، وكما أن جهة الأرض محل للسجود، فكما لا يدل التوجه في الصلاة إلى الكعبة على أن الله تعالى في جهة البيت ولا يدل السجود ووضع الجبهة على الأرض على أن الله تعالى في جهة الأرض، فكذلك رفع الأيدي إلى السماء، والله تعالى له تخصيص بعض الأماكن وبعض الأزمان ببعض العبادات دون بعض، وكذلك له تخصيص بعض الجهات بالتوجه عند أداء العبادات دون بعض.
وأما مد اليدين عند الدعاء فمعناه استنزال الرحمة، والله لا يخيب القاصدين بحق، فهذا الداعي الذي دعا الله تعالى وكان مادا يديه إلى السماء ليستنزل الرحمات إذا مسح بعد إنهاء الدعاء باليدين وجهه كان معنى ذلك أن هذه اليد نزلت فيها رحمات وبمسحه وجهه بهما أصابت هذه الرحمات وجهه.
وقال بعض الفقهاء: فإن قلت: ما السر في رفع الطرف إلى السماء والمدعو سبحانه ليس في جهة ولا مستقر على مكان؟ قلت: يحتمل – والله أعلم – أن يكون سر ذلك شغل نظر الداعي بأعظم([16]) المخلوقات المرئية لنا في الدنيا وهي السماوات، والإعراض بقلبه وقالبه عن الدنيا، فهو([17]) أدعى لحضور قلبه وموافقة لسانه لما يشاهده ويستحضره من ءاثار قدرة الله، وقد بدئ بالسماوات في ءاية التفكر في قوله تعالى: {إن في خلق السمـٰـوات والأرض} [البقرة: 164]، قاله العدوي([18]).
(و)لما رفع رسول الله ﷺ يديه ودعا الله تعالى راجيا منه الـمن عليهم بنزول المطر (ما) كان في السماء (قزعة) أي قطعة من الغيم (ولا سحاب) أي غيم – لفظ أتي به للتنويع – مرئيا (في) جو (السما)ء (فـ)ـلما صلى ركعتين بالناس (طلعت) في الجو (سحابة) مطيرة (وانتشرت) في الأفق فوق أرضهم (فأمطروا) أي نزل بالناس المطر حتى إنهم ما كادوا أن يصلوا إلى منازلهم، فما زالوا يمطرون (جمعة) إلى جمعة قابلة أمطارا (تواترت) أي تتابعت واتصل نزولها سبعة أو ثمانية أيام (حتى) قام ذلك الرجل أو غيره فـ(ـشكا له) أي لرسول الله ﷺ تهدم البيوت و(انقطاع السبل) أي الطرق بسبب السيول وهلاك الـمواشي، وسأله أن يدعو الله تعالى أن تمسك السماء ماءها، (فأقلعت) السماء أي أمسكت ماءها (لما دعا) رسول الله ﷺ (الله) عز وجل (العلي) أي عالي القدر الـمتعالي أي الـمتنزه عن كل ما لا يليق به([19])، وكان دعاء النبي ﷺ: «اللهم على الآكام([20]) والظراب([21]) والأودية([22]) ومنابت الشجر([23])» فانجابت عن المدينة انجياب الثوب([24]).
روى الشيخان وبعض أصحاب السنن عن أنس رضي الله عنه قال: قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ، فبينا رسول الله ﷺ يخطب على الـمنبر يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا أن يسقينا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه وما في السماء قزعة، فثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت الـمطر يتحادر([25]) على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك وفي الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو رجل غيره فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه، وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا»، فما جعل رسول الله ﷺ يشير بيده إلى ناحية من السماء([26]) إلا تفرجت([27])، حتى صارت الـمدينة في مثل الجوبة([28]) حتى سال الوادي، وادي قناة([29])، شهرا فلم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود([30]).
490- وأطعم الألف زمان الخندق
|
| من دون صاع وبهيمة بقي
|
(و) من معجزاته الباهرة ﷺ أنه (أطعم الألف) الذي كانوا معه (زمان) أي وقت غزوة (الخندق من) صاع شعير أو (دون صاع) منه (و)من (بهيمة) أي بهمة صغيرة ذبحت لهم وهي غنمة داجن، فأكلوا جميعهم و(بقي) أي فضل (بعد انصرافهم عن الطعام) الذي أكلوا منه قدر ما كان أو (أكثر مما كان من طعام) قبل أن يأكلوا منه.
روى الشيخان من حديث جابر رضي الله عنه قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصا شديدا([31])، فانكفأت([32]) إلى امرأتي([33]) فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصا شديدا، فأخرجت إلي جرابا([34]) فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن([35]) فذبحتها وطحنت الشعير([36])، ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها([37]) ثم وليت إلى رسول الله ﷺ، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح النبي ﷺ فقال: «يا أهل الخندق، إن جابرا قد صنع سورا([38])، فحي هلا([39]) بكم». فقال رسول الله ﷺ: «لا تنزلن برمتكم([40]) ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء». فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس([41]) حتى جئت امرأتي فقالت: بك وبك([42])، فقلت: قد فعلت الذي قلت، فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك([43])، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال: «ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي([44]) من برمتكم ولا تنزلوها» وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا([45]) وإن برمتنا لتغط([46]) كما هي وإن عجيننا ليخبز كما هو.
492- كذاك قد أطعمهم من تمر
|
| أتت به جارية في صغر
|
(كذاك) من معجزاته ﷺ أنه (قد أطعمهم) أي صحابته في غزوة الخندق (من تمر) يسير جدا كانت قد (أتت به جارية) أي فتاة – وهي أخت النعمان بن بشير – تحمله إلى أبيها وخالها والتمر (في صغر) أي قلة من الكم، ولما كان النبي ﷺ يعلم منهما أنه مأذون في ذلك وأنهما يرضيان بذلك أخذه وبورك لأجله فيه وأكل منه أهل الخندق.
روى أبو نعيم في «الدلائل» أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر ثم قالت: اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله ابن رواحة بغدائهما، قالت: فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي فقال لها: «تعالي أي بنية، ما هذا معك؟» قلت: يا رسول الله هذا تمر بعثت بي أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديان به، قال: «هاتيه»، قالت فصببته في كفي رسول الله ﷺ فما ملأهما، ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا([47]) بالتمر عليه وتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان: «اصرخ في أهل الخندق أن هلموا إلى الغداء»، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر عنه([48]) أهل الخندق وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
493- وأمر الفاروق أن يزودا
|
| مئين أربعا أتـوا فزودا
|
(و)من معجزاته ﷺ أنه (أمر) عمر (الفاروق) رضي الله عنه (أن يزودا) والألف للإطلاق أي أن يكفيهم الطعام وكانوا (مئين أربعا) أي أربعمائة فـ(ـأتوا) عمر (فزودا) أي فأعطى الكل من التمر (والتمر كان) وقتها كومة([49]) (كـ)ـحجم (الفصيل الرابض) أي ولد الناقة الجالس الـمقيم([50])، فلما أخذوا حاجتهم بقي التمر (كأنه ما مس) منـ(ـه من قابض) أي ءاخذ شيئا.
روى البيهقي وأبو نعيم في «الدلائل» عن دكين بن سعيد قال: أتينا رسول الله ﷺ في أربعمائة راكب نسأله الطعام فقال: «يا عمر اذهب فأطعمهم وأعطهم» فقال: يا رسول الله ما عندي إلا ءاصع تمر مما يقتات عيالي، فقال أبو بكر: اسمع وأطع، فقال عمر: سمعا وطاعة، فانطلق حتى أتى علية([51]) فأخرج مفتاحا من حجزته([52]) فقال للقوم: ادخلوا، فدخلوا وكنت ءاخر القوم دخولا فقال: خذوا فأخذ كل رجل منهم ما أحب ثم التفت إليه وإني لمن ءاخر القوم وكأنا لم نرزأ([53]) تمرة.
495- كذاك أقراص شعير جعلت
|
| من تحت إبـط أنس فأكلت
|
(كذاك) أي مثل الـمعجزة السابقة في الذكر حصل له ﷺ مع أنس رضي الله عنه، فـ(ـأقراص شعير) مخبوزة قليلة العدد (جعلت) أي جعلتها أم أنس في خمار من قلتها (من تحت إبط أنس) وهو إذ ذاك صغير وأرسلته بها إلى النبي ﷺ (فأكلت جماعة) من الصحابة (منها) وهم سبعون أو (ثمانون) رجلا (وهم) أي جميعهم بأكلهم منها (قد شبعوا) وانصرفوا من عنده ﷺ (وهو) خبز الشعير لم يزل بعد (كما) أي كحاله التي (أتي) بالإسكان للوزن (لهم) أي لم ينقص عما جيء به إلى النبي ﷺ.
روى البخاري في «صحيحه» عن أنس قال: قال أبو طلحة لأم سليم لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه([54])، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ، قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في الـمسجد ومعه الناس، فقمت عليهم فقال لي رسول الله ﷺ: «ءارسلك أبو طلحة؟» فقلت: نعم، قال: «بطعام؟» فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: «قوموا»، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ، فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ: «هلمي يا أم سليم ما عندك»، فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت
أم سليم عكة([55]) فأدمته([56])، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم([57])، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا.
497- وأطعم الجيش فكل شبعا
|
| من مـزود وما بقي فيه دعا
|
(و)من معجزاته ﷺ ظهور البركة في تمرات يسيرة بمزود أبي هريرة رضي الله عنه حتى إنه حمل منها عدة أوساق فـ(ـأطعم) رسول الله ﷺ (الجيش) الذي كان معه في سفر غزو (فكل) أي جميع الجيش (شبعا) والألف للإطلاق (من مزود) أي وعاء لأبي هريرة (وما) أي وأما الذي (بقي فيه) من التمر فقد (دعا) ﷺ (لصاحب المزود) أبي هريرة بالبركة (فيه) فطرح الله تعالى البركة في التمر (فأكل منه) أبو هريرة (حياته) أي مدة عيشه (إلى حين) أي وقت (قتل عثمان) بن عفان رضي الله عنه فإن الـمزود (ضاع) بعد ذلك، (و)مما (رووا) في عجيب أمر هذا الـمزود أن أبا هريرة لم يدخل يده فيه إلا أخذ منه و(أنـ)ـه حمل (حملا) على دواب عدلت (خمسين وسقا) بفتح الواو على المشهور وكسرها (منه) أي من التمر، والوسق ستون صاعا، والصاع ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والـمد([58])، كان حمل أبي هريرة ذلك وإخراجه له (لله) أي في سبيل الله جل و(علا) علو قدر لا علو مكان، فالله تعالى منزه عن التحيز في مكان وجهة، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11].
روى ابن ماجه في «سننه» والبيهقي في «الدلائل» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أصبت بثلاث مصائب في الإسلام لم أصب بمثلهن: بموت النبي ﷺ وكنت صويحبه، وقتل عثمان، والـمزود، قالوا: وما الـمزود يا أبا هريرة؟ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقال: «يا أبا هريرة أمعك شيء؟»، قال: قلت تمرا في مزود معي، قال: «جيء به» فأخرجت منه تمرا فأتيته فمسه فدعا فيه ثم قال: «ادع عشرة» ، فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا، ثم كذلك حتى أكل الجيش كله وبقي من تمر الـمزود، قال: «يا أبا هريرة إذا أردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل يدك ولا تكبه»، قال: فأكلت منه حياة النبي ﷺ، وأكلت منه حياة أبي بكر كلها، وأكلت منه حياة عمر كلها، وأكلت منه حياة عثمان كلها، فلما قتل عثمان انتهب ما في بيتي وانتهب الـمزود، ألا أخبركم أكلت منه أكثر من مائتي وسق.
500- وفي بنائه بزينب اطعما
|
| خلقا كثيرا من طعام قدما
|
(و)من معجزاته ﷺ أنه (في) وليمة (بنائه) أي دخوله (بزينب) بنت جحش رضي الله عنها (أطعما) ﷺ – والألف للإطلاق – يومئذ (خلقا كثيرا) دعاهم (من طعام) حيس([59]) فيه قدر مد تمر (قدما) إليه ﷺ – والألف للإطلاق – وكانت التي (أهدتـ)ـه (له) والدة أنس (أم سليم) رضي الله عنهما فـ(ـرفعا) الحيس – والألف للإطلاق – (من بينهم) أي الآكلين منه (وهو) أي الحيس بعد (كما قد وضعا) أي فيه قدر مد تمر.
روى أبو يعلى في «الـمسند» وأبو نعيم في «الدلائل» عن ثابت البناني قال: قلت لأنس ابن مالك: أخبرني بأعجب شيء رأيته قال: نعم يا ثابت، خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فلم يعير علي في شيء أسأت فيه قال: فأعجب شيء رأيت منه ما هو؟ قال: إن نبي الله ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش قالت لي أمي: يا أنس إن رسول الله ﷺ أصبح عروسا ولا أرى أصبح له غداء فهلم تلك العكة وتمرا قد رمد، فجعلت له حيسا فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ وامرأته فلما أتيت النبي ﷺ بتور([60]) من حجارة فيه ذلك الحيس قال: «ضعه في ناحية البيت واذهب فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ونفرا من أصحابه، ثم ادع لي أهل الـمسجد ومن رأيت في الطريق»، فجعلت أتعجب من قلة الطعام وكثرة من يأمرني أن أدعو من الناس، فكرهت أن أعصيه فدعوتهم حتى امتلأ البيت والحجرة، فقال: «يا أنيس هل ترى من أحد»؟ فقلت: لا يا نبي الله، قال: «هلم ذلك»، فجئت بذلك التور إليه فجعلته قدامه فغمس ثلاثة أصابعه في التور فجعل التور يربو([61]) ويرتفع فجعلوا يتغدون ويخرجون، حتى إذا فرغوا أجمعون وبقي في التور نحو ما جئت به قال: «ضعه قدام زينب»، فخرجت وأسفقت بابا من جريد. قال ثابت: فقلت: يا أبا حمزة كم ترى كان الذين يأكلون من ذلك التور؟ قال أحسبه قال: واحد وسبعون أو اثنان وسبعون.
502- والجيـش في يوم حنين إذ رموا
|
| مـنـه بقبضـة تـرابا هـزمـوا
|
(و)من معجزاته ﷺ ما أصيب به (الجيش) جيش الكفار وكانوا أربعة ءالاف (في يوم) غزوة (حنين) بفعل خفيف منه ﷺ (إذ رموا) أي الكفار (منه) ﷺ (بقبضة) أي مقبوض بكفه الشريفة (ترابا) من الأرض أصابهم به في وجوههم وقال: «شاهت الوجوه» و(هزموا) أي الكفار يومها. (وأنزل الله) تعالى (به) أي في شأن ذلك (كتابا) أي قرءانا: {وما رميت} خلقا {إذ رميت} كسبا {ولكن الله رمىٰ} أي خلق فيهم ما أصابهم (و)كان من سبب هزيمتهم أنه من رمي النبي ﷺ لهم بالتراب (امتلأت أعينهم ترابا) فولوا مدبرين.
روى مسلم في «صحيحه» عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية([62])، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي ﷺ فولى صحابة النبي ﷺ وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا ومررت على رسول الله ﷺ منهزما وهو على بغلته الشهباء([63])، فقال رسول الله ﷺ: «لقد رأى ابن الأكوع فزعا([64])».
فلما غشوا رسول الله([65]) ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال ﷺ: «شاهت الوجوه([66])»، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله عز وجل، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين الـمسلمين.
تتمة: ذهب الناظم إلى القول بأن {وما رميت} الآية نزلت يوم حنين، وهو خلاف ما عليه جمهور المفسرين من أنها نزلت يوم بدر، لكن رمي الكفار أو التراب فعله رسول الله ﷺ في حنين كما فعله في بدر، وفي ذلك قال ابن عطية المفسر: «وهذه الفعلة أيضا كانت يوم حنين بلا خلاف»([67])، أما ما ذهب إليه الناظم من نزول هذه الآية يوم حنين هو الذي روي رواه ابن وهب عن مالك كما قال القرطبي([68]).
504- كذا التراب في رؤوس القوم قد
|
| وضعه ولم يره منهم أحد
|
(كذا) أي مثل الـمعجزة السابقة في الذكر حصل له ﷺ مما فيه إذلال للكافرين وهزيمة لهم، وكانوا قد أجمعوا على قتله ﷺ فخرج من باب البيت من بينهم و(التراب في) أي فوق (رؤوس) هؤلاء كفار (القوم) قريش (قد وضعه) ﷺ، فلم يخطئ التراب رأسا من رؤوس الصناديد (ولم يره) ﷺ (منهم أحد) مع أنه مر من بينهم.
روى أبو نعيم في «الدلائل» بسندين إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد كانت له شيعة وأصحاب من غير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من الـمهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا أصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول الله ﷺ فاجتمعوا له في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها فيتشاورون فيها ما يصنعون من أمر رسول الله ﷺ حين خافوه.
فلما اجتمعوا لذلك في ذلك اليوم الذي اتعدوا([69]) له وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة – اعترض لهم إبليس في هيئة رجل شيخ جليل([70]) عليه بت([71]) له فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأي ونصح، قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش([72]) من كل قبيلة، من بني عبد شمس عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، ومن بني نوفل بن عبد مناف طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر بن نوفل، ومن بني عبد الدار بن قصي النضر بن الحارث بن كلدة، ومن بني أسد بن عبد العزى أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن الـمطلب وحكيم بن حزام، ومن بني مخزوم أبو جهل بن هشام، ومن بني سهم منبه ونبيه ابنا الحجاج، ومن بني جمح أمية بن خلف، ومن لا يعد من قريش.
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله لا نأمنه من الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا، فأجمعوا رأيا، فتشاوروا فقال قائل منهم: احبسوه بالحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الـموت حتى يصيبه منه ما أصابهم، فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون لخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتم عليه دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكابرونكم حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره. ثم تشاوروا فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا فإذا خرج عنا فما نبالي أين يذهب ولا حيث وقع، غاب عنا أذاه وفرغنا منه وأصلحنا أمرنا، قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما أتى به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من أحياء العرب فيغلب بذلك من قوله عليهم وبحديثه حتى يتابعوه عليه ثم يسير إليكم حتى يطأكم به فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيا غير هذا، فقال أبو جهل: إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هذا يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابا جلدا([73]) خليلا([74]) نسيبا وسيطا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما([75]) ثم يعمدون إليه ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه جميعا ونستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه على القبائل كلها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، وإن رضوا بالعقل([76]) عقلناه لهم، قال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا أرى لكم غيره.
فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له، فأتاه جبريل فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كان عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي: «نم على فراشي وتسج ببردي([77]) هذا الأخضر الحضرمي فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم».
فاجتمعوا له ﷺ وفيهم أبو جهل فقال وهم على بابه: إن محمدا زعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم يبعثكم من بعد موتكم لكم جنان، وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها. فخرج رسول الله ﷺ وأخذ حفنة من تراب في يده، فأخذ الله على أبصارهم فلم يروه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: {يسٓ* والقرءان الحكيم} إلى قوله تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 1-9] حتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاء الآيات فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
فأتاهم ءات ممن لم يكن معهم فقال: ما ينتظر هؤلاء؟ قالوا: محمدا، قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفلا ترون إلى ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائم عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش فقالوا: والله لقد صدقنا الذي حدثنا، فكان مما نزل من القرءان في ذلك اليوم: {إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}([78]) [الأنفال: 30].
([2]) إرشاد الساري، شهاب الدين القسطلاني، (9/195).
([3]) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني، (5/335).
([4]) يقال: «فلان لا يدع شاذة ولا فاذة» إذا كان شجاعا لا يلقاه أحد إلا قتله.
([5]) معناه: ما أغنى وكفى أحد غناءه وكفايته.
([6]) هو طرفه الأسفل، وأما طرفه الأعلى فمقبضه، وقيل غير ذلك.
([9]) مزيل الخفا على ألفاظ الشفا، أحمد بن محمد الشمني (1/329).
([10]) أراد أنه ليشتمن الله، والعياذ بالله تعالى.
([12]) هو هبار بن الأسود بن الـمطلب بن أسد بن عبد العزى، صحابي أسلم بالجعرانة بعد الفـتح.
([17]) أي: الدعاء على هذه الصفة.
([18]) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، أبو الحسن العدوي، (1/202).
([19]) قال الشيخ مصطفى نجا الشافعي (ت1350هـ) مفتي بيروت: «ومعنى العلي الـمتعالي في جلاله وكبريائه إلى غير غاية ولا نهاية، والـمراد به علو القدر والـمنزلة لا علو الـمكان، لأنه تعالى منزه عن التحيز والجهة». ينظر: كشف الأسرار لتنوير الأفكار، المفتي مصطفى نجا، (ص85).
([20]) اجعلها عليها، والآكام جمع الأكمة وهي التل والرابية.
([22]) أي: بطونها الخالية عن الأبنية.
([24]) أي: خرجت السحب الـممطرة كخروج الثوب عن لابسه أو تقطعت كتقطع الثوب قطعا متفرقة.
([28]) أي: انكشف الغيم عما يحاذيهم وأحاط بما حولهم بحيث صار جو المدينة خاليا عن السحاب وكأن جوبة أي فرجة خرقت الغيوم.
([29]) اسم واد من أودية المدينة.
([30]) بفتح الجيم المطر الغزير.
([33]) واسمها سهيلة بنت مسعود الأنصارية.
([35]) وهو ما يربى في البيت من الغنم.
([37]) وهي القدر الـمتخذة في الأصل من حجر باليمن والحجاز ثم صارت تطلق على القدر مطلقا.
([38]) بالواو المهموز وبدونه، وهو الطعام الذي يدعى إليه أو الطعام مطلقا.
([42]) أي: عتبا، وقد ظنت أنه لم يخبر رسول الله r بقدر الطعام فخافت أن لا يكفي الطعام الناس.
([45]) أي: مالوا وخرجوا من عندنا.
([46]) أي: ممتلئة تفور بحيث يسمع لها غطيط.
([49]) بفتح الكاف وضمها أي صبرة.
([50]) النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين بن الأثير، (2/184).
([51]) بكسر العين وضمها وكسر اللام المشددة، قاله الجوهري وفسرها بالغرفة.
([54]) أي: لفت علي بعض خمارها.
([55]) وعاء صغير من جلد للسمن خاصة.
([56]) بمد الهمزة وقصرها أي جعلت فيه إداما.
([57]) وإنما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم، فإن القصعة التي فت فيها تلك الأقراض لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بتزاحم وتضايق يلحقهم لبعدها عنهم.
([58]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (10/188).
([59]) هو طعام متخذ من تمر وأقط وسمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت.
([64]) قال الحافظ النووي في «شرح صحيح مسلم» (12/122): «حال من ابن الأكوع، كما صرح أولا بانهزامه، ولم يرد أن النبي r انهزم، وقد قالت الصحابة كلهم رضي الله عنهم: إنه r ما انهزم ولم ينقل أحد قط أنه انهزم r في موطن من الـمواطن، وقد نقلوا إجماع الـمسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه r ولا يجوز ذلك عليه».
([65]) بتخفيف الشين من «غشوا» أي قاربوا غشيانه أي الإحاطة به.
([66]) أي: قبحت وجوه الكافرين.
([67]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية الأندلسي، (2/511).
([68]) الجامع لأحكام القرءان، شمس الدين القرطبي، (7/384).
([69]) أي: تواعدوا. قال الجوهري في «الصحاح» (2/522): «تواعد القوم أي وعد بعضهم بعضا، هذا في الخير، وأما في الشر فيقال: اتعدوا».
([70]) أي: مسن، قاله في «النهاية في غريب الحديث» (1/288).
([77]) أي: غط وجهك وجسدك بردائي.
([78]) قال شيخنا الإمام الهرري رحمه الله تعالى: «الـمكر من الخلق خبث وخداع لإيصال الضرر إلى الغير باستعمال حيلة، وأما من الله تعالى فهو مجازاة الماكرين بالعقوبة من حيث لا يدرون. وبعبارة أخرى: إن الله أقوى في إيصال الضرر إلى الماكرين من كل ماكر جزاء لهم على مكرهم، أما الـمكر بمعنى الاحتيال فمستحيل على الله تعالى. فمكر العبد مذموم، أما مكر الله فلا يذم لأن الله عز وجل لا يجوز عليه الظلم أي لا يكون ظالما إن انتقم من عباده الظالـمين بما شاء».