266- …………………………..
|
| حـتـى ابتنى مسـجده الرحيبا
|
ولم يزل رسول الله ﷺ مقيما عند أبي أيوب ينزل عليه القرءان ويأتيه فيه جبريل([1]) عليه السلام (حتى) أي إلى أوان (ابتنى) أي بنى فيه ﷺ والمهاجرون والأنصار (مسجده) الشريف (الرحيبا) أي الواسع ، فطفق ﷺ ينقل معهم اللبن ترغيبا لهم في العمل ويقول: «اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والـمهاجرة»، وفي رواية: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة([2])، فأصلح الأنصار والـمهاجرة»، وفي غيرهما: «فأكرم الأنصار والـمهاجرة».
وروى محمد بن الحسن المخزومي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: «بنى رسول الله ﷺ مسجده فقرب اللبن وما يحتاجون إليه، فقام رسول الله ﷺ فوضع رداءه، فلما رأى ذلك المهاجرون الأولون والأنصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون([3]) ويعملون ويقولون: [الرجز]
لئن قعدنا والنبي يعمل | لذاك منا العمل المضلل |
وروى البيهقي عن الحسن قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد أعانه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، وكان عثمان بن مظعون رضي الله عنه رجلا متنطعا([4]) وكان يحمل اللبنة فيجافي بها ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه ونظر إلى ثوبه، فإن أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنشد: [الرجز]
لا يستوي من يعمر المساجدا | يدأب فيها قائما وقاعـدا | |
ومن يرى عن الغبار حائدا | ||
فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها وهو لا يدري من يعنى بها، فمر بعثمان بن مظعون فقال عثمان: يا ابن سمية، ما أعرفني بمن تعرض – وكان عثمان معه جريدة نخل – فقال: لتكفن أو لأعترضن بها وجهك([5]).
فسمعه رسول الله ﷺ فغضب، فكف الناس عن عمار ثم قالوا لعمار: إن النبي ﷺ قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا قرءان، فقال: أنا أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله ما لي ولأصحابك؟ قال: «ما لك ولهم؟» قال: يريدون قتلي، يحملون لبنة لبنة ويحملون علي لبنتين لبنتين، فأخذ بيده وطاف به في المسجد وجعل يمسح وفرته([6]) بيده من التراب – وكان عمار رجلا جعدا – وهو يقول: «يا ابن سمية، ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار»، فقال عمار: أعوذ بالله من الفتن.
فبنى رسول الله ﷺ مسجده وجعل عضادتيه الحجارة، وسواريه جذوع النخل، وسقفه جريدها بعد أن نبش قبور المشركين وسواها، وسوى الخرب([7]) وقطع النخل، وجعل النخل قبلة الـمسجد.
وكان بناء مسجده ﷺ بالسميط([8]) لبنة على لبنة، ثم بالسعيد([9]) لبنة ونصف أخرى، ثم كثر الناس فقالوا: «يا رسول الله، لو زيد فيه»، ففعل، فبنى بالذكر والأنثى وهي لبنتان مختلفتان، وكانوا رفعوا أساس الـمسجد قريبا من ثلاثة أذرع بالحجارة وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع وكذا في العرض، وكان مربعا. ولم يكن له سطح فشكوا الحر فجعلوا خشبه وسواريه جذوعا وظللوه بالجريد ثم بالخصف([10])، فلما وكف عليهم([11]) طينوه بالطين وجعلوا وسطه رحبة([12])، وكان جداره قبل أن يسقف قامة وشيئا.
وجعل ﷺ قبلة مسجده إلى بيت الـمقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره من جهة الجنوب وهو باب أبي بكر وهو في جهة القبلة اليوم، وباب عاتكة ويقال له: باب الرحمة في جهة المغرب، والباب الذي كان يدخل منه رسول الله ﷺ وهو باب عثمان ويسمى الآن باب جبريل، ولما تحولت القبلة للكعبة في السنة الثانية من الهجرة سد الباب الذي كان في المؤخرة وفتح باب في مواجهة المسجد بالجهة الشمالية.
لم يبن النبي ﷺ وأصحابه سائر الأساطين أي الأعمدة الموجودة في المسجد النبوي الشريف اليوم، فإن بها الآن ما يزيد على خمسمائة أسطوانة، وقد بلغت ثلاثمائة وسبعة وعشرين في عهد السلطان العثماني عبد الـمجيد (ت1277هـ)، عدد منها مجتمع إلى بعضه وءاخر متباعد. أما الـمجتمع منها فلا يعرف لجميعها أسماء خاصة، لكن أثر لبعضها أسماء هي:
وروى ابن شبة في «تاريخ المدينة» عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «أول من خلق الـمسجد ورزق الـمؤذنين([15]) عثمان بن عفان رضي الله عنه».
وقال القاضي عياض: «وفي «العتبية»([16]) يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي ﷺ، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي حيث العمود الـمخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف»([17]) اهـ. وقال التلمساني: «كان مقعد النبي ﷺ عند العمود الـمخلق، وكان لأصحابه مواضع فيه معروفة الأماكن».
وقد جرى في إحدى التوسعات تقديم هذه الأسطوانة إلى جهة القبلة قليلا وإدخال بعضها في الـمحراب النبوي الشريف.
وأما تسميتها بأسطوانة القرعة فلما روى الطبراني في «الأوسط» عن عروة بن الزبير رضي الله عنه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن في المسجد لبقعة قبل هذه الأسطوانة لو يعلم الناس ما صلوا فيها إلا أن يطير لهم فيها قرعة»، وتسمى أسطوانة عائشة رضي الله عنها لأجل ذلك أيضا.
وتعرف بأسطوانة الـمهاجرين وذلك لأن أكابرهم أو القرشيين منهم كانوا يجلسون إليها ويصلون عندها.
267- وحوله منازلا لأهله
|
| وحوله أصحابه في ظـله
|
(و)بنى ﷺ (حوله) أي حول مسجده حجرا لتكون (منازلا) بالتنوين للضرورة جمع منزل (لأهله) أي أزواجه أمهات الـمؤمنين ومواليه.
ولما رجع عبد الله بن أريقط إلى مكة بعث معه رسول الله ﷺ وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليا رسول الله ﷺ ليأتوا بأهاليهم من مكة، وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم ليشتروا بها إبلا من قديد([23])، فذهبوا فجاءوا ببنتي النبي ﷺ فاطمة وأم كلثوم وزوجتيه سودة وعائشة وأمها أم رومان، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبيه([24]).
وقد شرد بعائشة وأمها الجمل في أثناء الطريق، فجعلت أم رومان تقول: وا عروساه، وا بنتاه، قالت عائشة: فسمعت قائلا يقول: أرسلي خطامه([25])، فأرسلت خطامه فوقف بإذن الله وسلمنا الله عز وجل.
فلما قدموا المدينة أنزلوا في بيت حارثة بن النعمان، كل ذلك والنبي ﷺ في بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
فانتقل ﷺ إلى حجر أزواجه، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء، قال الحسن البصري: لقد كنت أنال أطول سقف في حجرة النبي ﷺ بيدي، وقيل: كان الحسن البصري ضخما طويلا. وفي «تاريخ البخاري» أن بابه ﷺ كان يقرع بالأظافير، قال أهل السير: فدل على أنه لم يكن لأبوابه حلق.
(و)سكن (حوله) ﷺ (أصحابه في ظله) أي في كنفه حتى إن من الأنصار من ترك مسكنه البعيد وسكن بقربه ﷺ.
268- طابت به طيبة من بعد الردى
|
| أشرق ما قد كان منها أسودا
|
(طابت) أي حسنت (به) أي بالنبي ﷺ (طيبة) أي المدينة المنورة وزالت مكارهها (من بعد) أن كان بها (الردى) أي كانت ردية و(أشرق) أي أضاء كل (ما قد كان منها أسودا) منذ دخوله إليها ﷺ.
وقد (كانت) المدينة قبل ذلك (لمن أوبإ) أي أكثر الـمدن وباء من بين (أرض الله) أي التي هي خلق لله وملك له، والوباء مقصور بهمز وغيره هو المرض العام، واقتبس ذلك الناظم من حديث عائشة رضي الله عنه في «صحيح البخاري»: «وقدمنا الـمدينة وهي أوبأ أرض الله». وهذا مما يؤيد أن الوباء أعم من الطاعون([26])، فإن وباء المدينة ما كان إلا بالحمى (فزال داؤها) هذا (بـ)ـبركة (هذا) النبي العظيم (الجاه) أي القدر والـمنزلة عند الله (ونقل الله) تعالى (بفضل) منه و(رحمة) عميمة (ما كان من حمى بها) أي بالـمدينة (للجحفة) بدعوة من النبي ﷺ، فقد ثبت في الصحيح أنه قال: «اللهم حبب إلينا الـمدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة» أي انقل اللهم الحمى التي بالمدينة إلى الجحفة وهي ميقات أهل مصر والشام والمغرب الآن، وكان اسم الجحفة «مهيعة»([27]) فجاءها سيل اجتحف من كان بها وخرب أبنيتها فلم يبق منها شيئا فسميت الجحفة.
وفي الحديث بيان جواز الدعاء على الكفار بالأسقام والجوع والجهد والهلاك([28])، والدعاء للمسلمين بالصحة وطيب بلادهم والبركة فيها وكشف الضر والشدائد عنهم.
ولما استجاب الله دعاء نبيه ﷺ بنقل الحمى إلى الجحفة كان إذا شرب من مائها أحد حم، بل لو مر الطير في هوائها حم([29]).
وقيل: إنما خص الجحفة لأنها كانت يومئذ دار شرك، وقال الخطابي: «وكان أهل الجحفة إذ ذاك يهودا، وكان ﷺ كثيرا ما يدعو على من لم يجبه إلى دار الإسلام إذا خاف منهم معونة أهل الكفر، ويسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه، وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئس منهم» اهـ.
271- وليس دجال ولا طاعون
|
| يدخلها فحرزها حصين
|
(وليس دجال) أي الأعور (ولا طاعون يدخلها) فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «على أنقاب الـمدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» صدق رسول الله ﷺ (فـ)ـإن المدينة ءامنة ولها من الدجال والطاعون (حرزها) الـ(ـحصين) الذي يمنع عنها ذلك بمشيئة الله تعالى.
272- أقام شهرا ثم بعد نزلت
|
| عليه إتمـام الصلاة أكملت
|
وقد (أقام) ﷺ (شهرا) عند أبي أيوب (ثم بعد) أي بعد هذه الفترة من إقامته ﷺ (نزلت عليه إتمام الصلاة) الـمكتوبة في الحضر فـ(ـأكملت) الظهر والعصر والعشاء أربعا، وتركت صلاة الفجر اثنتين لطول القراءة والمغرب ثلاثة لأنها وتر النهار.
ولم يزل رسول الله ﷺ ساكنا سبعة أشهر عند أبي أيوب، وقيل: (أقام من شهر ربيع لصفر) من السنة الثانية وهو (يبنى له مسجده) النبوي الشريف (والمستقر) أي مساكنه التي استقر فيها حول مسجده.
فائدة: لم تكن المدينة المنورة تسمى بهذا الاسم قبل وصول النبي إليها بل كنت تدعى يثرب وغير ذلك، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «كانوا يسمون المدينة يثرب فسماها رسول الله ﷺ طيبة». وقد روى ابن أبي شيبة في «تاريخ المدينة» مرفوعا: «للمدينة عشرة أسماء هي: الـمدينة وطيبة وطابة والـمطيبة والـمسكينة والـمدرى والجابرة والـمجبورة والـمحببة والـمحبوبة»، ورواه الزبير في «أخبار الـمدينة» من طريق ابن أبي يحيى مثله وزاد «والقاصمة»، وكذلك «القرية».
وقد اختلف في سبب تسميتها بيثرب قبل ذلك، فقيل: سميت بيثرب بن قابل بن إرم ابن سام بن نوح لأنه أول من نزلها، وقيل: سميت بيثرب بن قانية بن مهلاييل بن إرم ابن عبيل بن عوص بن إرم بن سام لأنه أول من سكنها وبناها ونزل أخوه خيبر بن قانية بخيبر، ونقل كثير أن تسميتها بيثرب هو الذي كان سائدا عند المشركين في الجاهلية مشتقا من التثريب أي الـملامة والتوبيخ فغيرها رسول الله ﷺ إلى طيبة وسماها الله في كتابه الـمبين المدينة. وأما النهي الوارد عن تسميتها بيثرب فمفيد للكراهة التنزيهية ولا يفيد التحريم.
قال الحافظ العسقلاني: «وسبب هذه الكراهة لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والـملامة أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح، وكان ﷺ يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح»([30]).
فإن قيل: قد ذكرها الله تعالى في القرءان بهذا {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا} [الأحزاب: 13]، فالجواب أن ذلك باعتبار أنه إخبار عن مقالة الكفار.
274- ووادع اليـهـود فـي كـتـابـه
|
| ما بـيـنـهـم وبين ما أصـحابه
|
(ووادع) النبي ﷺ (اليهود) أي أجرى معهم صلحا ومعاهدة إلى مدة، وأما معنى قول الفقهاء: «وأقرهم على دينهم» فليس معناه أنه رضي لهم بالكفر أو أذن لهم فيه أو أشار لهم بالبقاء على دينهم الباطل، إنما الإقرار هنا معناه أنه لم يجبرهم على ترك دينهم بالقوة ولم يقاتلهم لأنهم التزموا دفع الجزية مع تطبيق شروط الصلح التي وضعها عليهم إلى مدة، وحاشا لرسول الله ﷺ أن يكون قد رضي لهم البقاء على دينهم أو أشار لهم بذلك أو سمح لهم بالكفر، بل من اعتقد ذلك فهو كافر بالله العظيم مكذب لقول الله تعالى: {ولا يرضىٰ لعباده الكفر} [الزمر: 7] ولقوله عز وجل: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] ومناقض لمعنى الدعوة التي جاء بها الرسول ﷺ وهي إخراج الناس من الكفر إلى الإيمان.
وقد شرط لهم ﷺ شروطا واشترط عليهم (في كتابه) الذي كتبه فيـ(ـما بينهم وبين ما أصحابه) من المهاجرين والأنصار:
«هذا الكتاب من محمد النبي رسول الله بين الـمؤمنين والـمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم فحل معهم وجاهد معهم:
275- وكان بدء الأمر بالأذان
|
| رؤيا ابن زيد أو لعام ثان
|
(و)في هذا العام الذي حصلت فيه موادعة اليهود (كان بدء الأمر بالأذان) للصلاة، وسبب ذلك (رؤيا) عبد الله أي (ابن زيد) ابن عبد ربه أحد بني الحارث بن الخزرج، فقد روى ابن خزيمة في «صحيحه» قال: كان رسول الله ﷺ حين قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلاة بحين مواقيتها بغير دعوة، فهم رسول الله ﷺ أن يجعل بوقا كبوق اليهود الذي يدعون به لصلواتهم ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس([46]) فنحت ليضرب به للمسلمين إلى الصلاة، فبينما هم على ذلك أري عبد الله بن زيد بن عبد ربه أخو الحارث بن الخزرج النداء([47])، فأتى رسول الله ﷺ فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بي هذه الليلة طائف مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قلت ندعو به إلى الصلاة، فقال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخر غير كثير ثم قال مثل ما قال، وجعلها وترا([48]) إلا «قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله». فلما خبرتها رسول الله ﷺ قال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فإنه أندى صوتا منك»، فلما أذن بها بلال سمع بها عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج إلى رسول الله ﷺ وهو يجر رداءه وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله ﷺ: «فلله الحمد فذاك أثبت».
(أو) كان بدء الأذان (لعام ثان) من الهجرة الـمباركة، وذلك من بعدما كانوا يجتمعون إلى الصلاة بنداء مناد «الصلاة جامعة».
فائدة: قال الشيخ محمد بن يوسف الصالحي في «سبل الهدى»: «استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، ورؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي، وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك ويؤيده حديث عبيد بن عمير أحد كبار التابعين أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي ﷺ فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي ﷺ: «سبقك بذلك الوحي»»([49]).
ثم إنه لا حجة إلى تكلف تأويل في ذلك لأن النبي ﷺ أقر ذلك وأمر به، والله عز وجل يقول: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النور: 54]. وللأفعال التي ابتدأها الصحابة ثم أقرها النبي ﷺ أمثلة كثيرة، منها: قول الصحابي رافع بن عفراء في الصلاة: «ربنا لك الحمد» حين رفع النبي ﷺ من الركوع، وكسن خبيب ركعتين عند القتل، فلما بلغ النبي ﷺ أقر فعله، وسن بلال الحبشي صلاة ركعتين عقب الوضوء من حدث فإنه ﷺ بشره بالجنة وأقره على ذلك، وكذلك أقره ﷺ على زيادة «الصلاة خير من النوم»، والأمثلة في ذلك كثيرة جدا، وكل ذلك دليل على أنه ليس كل إحداث في الدين ضلالة ومردودا بل ما وافق الشرع مما سن فيه فمقبول، ودليله قوله ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء»، وأما حديث: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» فقد قال الحافظ النووي: «هذا عام مخصوص، والمراد غالب البدع»([50]).
وممن نص على ذلك أيضا الطيبي في «شرح المشكاة»([51]) والسيوطي الشافعي في «شرح سنن النسائي»([52]) وشرحه على «صحيح مسلم»([53]) وشرحه على «سنن ابن ماجه»([54]) وزكريا الأنصاري الشافعي في «فتح العلام»([55]) وعبد الرؤوف الـمناوي الشافعي في شرح «الجامع الصغير»([56]) وعبد الحق الدهلوي الحنفي في «شرح المشكاة»([57]) وابن علان البكري الشافعي([58]) وقاضي صنعاء الحسين المغربي اللاعي([59]) وعبد الباقي الزرقاني المالكي في «شرح الموطأ»([60]) وغيرهم.
276- ففيه فرض الصوم والزكاة
|
| للفطر والعيدين بالصلاة
|
كان العام الثاني مباركا بنزول كثير من أحكام الشريعة فيه (ففيه) كان (فرض الصوم) أي صوم رمضان لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183].
(و)في هذا العام كان فرض (الزكاة) التي (للفطر) قبل فرض زكاة المال (و)فيه نزل ندب القيام في (العيدين) الفطر والأضحى (بالصلاة) لهما (بخطبتين بعد) أي بعد كل من الصلاتين ولكل كيفيتها المعروفة.
(و)في هذا العام شرعت (الأضحية) أي الذبح في الأضحى إلى ءاخر أيام التشريق، وضحى رسول الله ﷺ في هذا العام، فقد روى الإمام أحمد والترمذي عن نافع عن ابن عمر قال: «أقام رسول الله ﷺ بالـمدينة عشر سنين يضحي كل سنة».
(كذا) فرض في هذه السنة (زكاة مالهم) قبل فرض صوم رمضان، وأما قول من ذهب إلى أن فرضية الزكاة كانت السنة التاسعة فمحجوج بحديث ضماد بن ثعلبة وحديث وفد عبد القيس وكان ذلك في أول السابعة.
(و)حولت (القبلة) من بيت الـمقدس (للمسجد الحرام) أي إلى الكعبة يوم الثلاثاء نصف شعبان أو رجب على رأس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر من الهجرة. وقد روى الشيخان ومالك وابن حبان وأحمد وغيرهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم ءات، فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرءان وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم([61]) فاستداروا إلى الكعبة».
وكان يعجب اليهود توجه رسول الله ﷺ في الصلاة إلى بيت المقدس، فلما ولى وجهه قبل الكعبة أنكروا ذلك وقالوا للمؤمنين: «ما صرفكم عن قبلة موسى ويعقوب وقبلة الأنبياء، والله إن أنتم إلا قوم تفتنون»، فأنزل الله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142]، وقال المنافقون: «خر محمد إلى أرضه»، وقال المشركون: «أراد محمد أن يجعلنا قبلة له ووسيلة، وعرف أن ديننا أهدى من دينه، ويوشك أن يكون على ديننا».
قال الحافظ العسقلاني في «الفتح»([62]): «ووقع بيان كيفية التحول في حديث ثويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم وقد ذكرت بعضه قريبا وقالت فيه: «فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام»، قلت: وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم الـمسجد إلى مؤخر المسجد لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت الـمقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال».
وقد تعقب السيوطي البيضاوي في قوله: «وقد صلى ﷺ بأصحابه في مسجد بني سلمة([63]) ركعتين من الظهر فتحول في الصلاة» فقال([64]): «هذا تحريف للحديث، فإن قصة بني سلمة لم يكن فيها النبي ﷺ إماما ولا هو الذي تحول في الصلاة. أخرج النسائي عن أبي سعيد الـمعلى قال: «كنا نغدوا للسوق على عهد رسول الله ﷺ فنمر على الـمسجد فنصلي فيه، فمررنا يوما ورسول الله ﷺ قاعد على الـمنبر فقلت: لقد حدث أمر فجلست فقرأ رسول الله ﷺ {قد نرىٰ تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] حتى فرغ من الآية، قلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ فنكون أول من صلى، فتوارينا فصلينا، ثم نزل رسول الله ﷺ فصلى للناس الظهر يومئذ». وأخرج أبو داود في «الناسخ» عن أنس أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت الـمقدس إلا أن القبلة قد تحولت إلى الكعبة فمالوا كما هم ركوع إلى الكعبة. وأخرج الشيخان عن ابن عمر قال: «بينا الناس بقباء في صلاة الصبح» إلخ» اهـ. كلام السيوطي.
ومن الحكم في كون القبلة إلى الكعبة ابتداء ثم إلى بيت المقدس ثم إلى الكعبة ابتلاء الله عباده، فقد قال تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم}، أي: لنظهر {من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم} [البقرة: 143] فالله تعالى لا يخفى عليه قبل تحويل القبلة من يثبت على الإيمان ومن يطعن في الدين، فهو تعالى يعلم بعلمه الأزلي كل شيء، يعلم ما كان وما يكون الآن وما سيكون فيما بعد وما لا يكون أن لو كان كيف يكون فقال عز وجل: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28]، وقال أيضا: {ولو أننا نزلنا إليهم الملآئكة وكلمهم الموتىٰ وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا} [الأنعام: 111]، وعلم الله تعالى لا يتغير.
(و)كان في شوال من السنة الثانية (البناء) أي دخول النبي ﷺ (بعائش) أي بعائشة رضي الله عنها، وهو القول الذي اختاره الناظم، وقال غيره([65]): بنى بها في السنة الأولى على رأس ثمانية أشهر أو تسعة أشهر من الهجرة، وكانت عائشة وقتها بنت تسع سنين، وكان عقد النبي ﷺ عليها بمكة قبل ذلك وهي بنت ست([66])، وقيل([67]): سبع.
ودليل القائلين بالأول ما جاء في «صحيح مسلم» عن عائشة رضي الله عنها قالت: «تزوجني رسول الله ﷺ في شوال وبنى بي في شوال»، وأما القائلون بالثاني فدليلهم ما رواه ابن حبان في «صحيحه» عنها رضي الله عنها قالت: «تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين، فقدم الـمدينة، ووعكت([68]) فوفى شعري جميمة([69])، فأتتني أم رومان([70])، وأنا على أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي، فأتيتها ما أدري ماذا تريد، فأخذت بيدي وأوقفتني على الباب، فقلت: هه هه، شبه الـمنبهرة، فأدخلتني بيتا فإذا نسوة من الأنصار فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر([71])، فأسلمتني إليهن، فغسلن رأسي وأصلحنني([72])، فلم يرعني([73]) إلا ورسول الله ﷺ ضحى، فأسلمنني إليه».
([1]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (2/501).
([2]) أي: لا عيش باق أو لا عيش مطلوب. ينظر: شرح صحيح مسلم، محيي الدين النووي، (12/172).
([3]) أي ينشدون الرجز تنشيطا لنفوسهم ليسهل عليهم العمل. والرجز ضرب موزون من الكلام قصير الفصول، اختلف أهل اللسان هل هو من ضروب الشعر أو من ضروب السجع وليس بشعر، وقال الخليل: الذي ليس بشعر منه ضربان الـمشطور والـمنهوك.
([5]) لكن عثمان بن مظعون رضي الله عنه نال في حياته الدرجات العالية والمقامات الرفيعة وكان من الصالحين، وقد ءاخى النبي r بين عثمان وعمار رضي الله عنهما. ولما ماتت رقية بنت النبي r قال r: «الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون».
([6]) أي: ما نزل من شعره على الأذنين.
([7]) قال الحافظ النووي: «وخرب هكذا ضبطناه بفتح الخاء الـمعجمة وكسر الراء. قال القاضي عياض: رويناه هكذا ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو ما تخرب من البناء».
([8]) أي: على لبنة واحدة أي طاق واحد.
([9]) على وزن فعيل، وهو كيفية للبناء.
([10]) أصل الخصف الضم والجمع، والمراد هنا جعله منسوجا واحدا.
([13]) قال شيخنا الحافظ الهرري رحمه الله: «وأما حديث: «البصاق في الـمسجد خطيئة وكفارتها دفنها» فمحمول على ما إذا بصق في المسجد المفروش بالحصى لا السجاجيد ولم يكن في نيته دفنها. ويختلف الحال بين المسجد المفروش بالحصى ونحوه وبين المسجد المفروش بالحجارة المملسة التي عليها بسط ونحوها، فالأولى يجوز البصق عليها بنية أن يدفنها فيما بعد» اهـ. أي بحيث إذا دفنها لا يبقى منها شيء ظاهر ولا يؤذي ذلك الـمصلين، أما المفروش بالحصر أو السجاجيد ونحوها فلا يجوز البصق فيه فوقها».
([16]) يعني عن الإمام مالك رضي الله عنه.
([17]) وفي ذلك دليل لأهل السنة والجماعة على جواز التبرك بآثار الأنبياء والأولياء والصالحين.
([18]) بفتح الزاي وتخفيف الباء وهو محمد بن الحسن بن زبالة (ت199هـ) المؤرخ صاحب كتاب «أخبار المدينة» من أقدم ما ألف في تاريخ المدينة المنورة.
([19]) وكان هذا الأمر قبل نزول قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس}، فقد روى الترمذي في «السنن» والحاكم في «الـمستدرك» والبيهقي في «الكبرى» عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي r يحرس حتى نزلت هذه الآية: {والله يعصمك من الناس} فأخرج رسول الله r رأسه من القبة فقال لهم: «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله».
([22]) هي محلة في ناحية تعرف اليوم بباب الـمصري وهو طريق فسيح يبدأ من الـمناخة غربي المسجد النبوي، وهو بعيد نحو ثلاثمائة متر من باب السلام. ويقال إنه سمي بذلك نسبة إلى الوالي محمد علي باشا الذي أعاد إعمار الطريق وما فيه.
([23]) هو موضع بين مكة والمدينة.
([24]) أي: من يعولهم وينفق عليهم.
([26]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (10/133).
([27]) بفتح الـميم وسكون الهاء، وقيل: بكسر الهاء
([28]) شرح صحيح البخاري، ابن بطال المالكي، (3/6).
([29]) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري، (5/1878).
([30]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (4/87).
([31]) أي على شأنهم وعادتهم من أحكام الديات.
([34]) هو الذي أفرحه الدين أي أثقله.
([36]) أي: ابتغى دفعا بظلم، والدسيعة في الأصل الشيء الضخم.
([38]) أي: قتله ظلما لا عن قصاص.
([42]) أي: أنهم للعهد الذي بينهم لا يقتلون الذي بينهم لا يقتلون أحدا من المعاهدين ما دام منصاعا ملتزما بشروط العهد ولا يؤذونهم أذى ظاهرا، قال تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلىٰ مدتهم} [التوبة: 4] وليس معنى ذلك أنهم في حكم الإيمان وحرمة الدين والأحكام سواء، فاليهود كفار بنص القرءان والحديث والإجماع.
([43]) وهذا كقوله تعالى في سورة الكافرون: {لكم دينكم ولي دين}، مع كونه سماهم كفارا، وهذا تصريح بأنهم غير مؤمنين بل من أهل النار يخلدون فيها إن ماتوا على ذلك ولا عذر لهم إن لم يسلموا، ومعنى قوله: {لكم دينكم} أي الباطل الفاسد الذي إن بقيتم عليه إلى الـممات فأنتم حطب ووقود النار، ومعنى قوله: {ولي دين} أي الحق الصحيح السماوي الـمقدس الـمعظم الـمبارك الـمقبول وهو الإسلام دين جميع الأنبياء الذي لا يصح غيره.
([45]) مع كونهم على عقيدة كفرية تكذب الله والقرآن والأنبياء والإسلام فإنهم لا يقتلون ولا يؤذون أذى ظاهرا ما داموا على هذه الشروط، فقوله: «إلا من حارب الدين» أي إلا من نقض العهد وخالف فليس له تلك الذمة.
([46]) ءالة من النحاس يضرب فيصوت.
([47]) أي رؤيا في كيفية الأذان والإقامة
([49]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (3/361)، مختصرا.
([50]) شرح صحيح مسلم، محيي الدين النذووي، (7/104).
([51]) الكاشف عن حقائق السنن، شرف الدين الطيبي، (2/605).
([52]) شرح سنن النسائي، جلال الدين السيوطي، (3/189).
([53]) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، جلال الدين السيوطي، (2/445).
([54]) مصباح الزجاجة، جلال الدين السيوطي، (ص6).
([55]) فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام، زكريا الأنصاري، (ص266).
([56]) فيض القدير، عبد الرؤوف الـمناوي، (2/171).
([57]) لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح، عبد الحق الدهلوي، (1/446).
([58]) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، ابن علان البكري، (2/442).
([59]) البدر التمام شرح بلوغ المرام، الحسين اللاعي الـمغربي، (3/416).
([60]) شرح مختصر خليل، عبد الباقي الزرقاني، (1/418).
([62]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (1/506).
([64]) نواهد الأبكار وشوارد الأفكار، جلال الدين السيوطي، (2/341).
([65]) السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، أبو حاتم بن حبان، (1/151).
([67]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (2/368).
([69]) أي طال شعرها وصار نازلا إلى حد الأذنين.
([70]) بضم الراء وهي أم عائشة.
([71]) قال النووي: «والطائر الحظ، يطلق على الحظ من الخير والشر، والمراد هنا: على أفضل حظ وبركة» اهـ.