بَدْءُ الْخَلْقِ وَخَلْقُ ءَادَمَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحَابَتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنْ بَدْءِ الأَمْرِ »كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ« رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالسَّائِلُ هُمْ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ بَدْءِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ فَأَجَابَهُمْ وَأَفَادَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهَمَّ مِمَّا سَأَلُوا عَنْهُ. فَقَوْلُهُ »كَانَ اللَّهُ« أَيْ فِي الأَزَلِ مَعْنَاهُ اللَّهُ أَزَلِيٌّ لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، وَقَوْلُهُ »وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ« أَيْ أَنَّهُ لا أَزَلِيَّ سِوَاهُ لِأَنَّهُ فِي الأَزَلِ لَمْ يَكُنْ مَاءٌ وَلا هَوَاءٌ وَلا نُورٌ وَلا ظَلامٌ وَلا لَيْلٌ وَلا نَهَارٌ وَلا زَمَانٌ وَلا مَكَانٌ وَلا شَىْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَقَوْلُهُ »وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ« أَيْ وُجِدَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ أي أَنَّ الْمَاءَ خُلِقَ قَبْلَ الْعَرْشِ وَبِوُجُودِ الْمَاءِ وُجِدَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ زَمَانٌ وَلا مَكَانٌ، فَكَانَ هُنَا لِلْحُدُوثِ أَيِ الْوُجُودِ بَعْدَ عَدَمٍ أَمَّا كَانَ الأُولَى »كَانَ اللَّهُ« فَهِيَ لِلأَزَلِيَّةِ. فَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ »وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ« أَنَّ الْمَاءَ وَالْعَرْشَ هُمَا أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ، أَمَّا الْمَاءُ فَعَلَى وَجْهِ الإِطْلاقِ وَأَمَّا الْعَرْشُ فَبِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَهُ. فَالْمَاءُ أَصْلٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ »وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ« أَيْ أَمَرَ اللَّهُ الْقَلَمَ الأَعْلَى بِأَنْ يَكُتْبَ عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْقَلَمُ وَاللَّوْحُ جِرْمَانِ عَظِيمَانِ عُلْوِيَّانِ لَيْسَا كَأَقْلامِنَا وَأَلْوَاحِنَا، وَاللَّوْحُ وَرَدَ فِي وَصْفِهِ أَنَّهُ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ وَمِسَاحَتُهُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ.
وَقَوْلُهُ »ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ« مَعْنَاهُ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ خُلِقَتْ بَعْدَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الأَرْبَعَةِ الْمَاءِ وَالْعَرْشِ وَالْقَلَمِ وَاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَذَلِكَ بَعْدَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ »إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة«، وَالسَّمَوَاتُ سَبْعٌ وَالأَرَضُونَ سَبْعٌ وَكُلُّ سَمَاءٍ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُخْرَى بِفَرَاغٍ وَاسِعٍ وَكُلُّ أَرْضٍ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُخْرَى بِفَرَاغٍ وَاسِعٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ فَوْقَ الأُخْرَى. فَالسَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ خُلِقَتْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكُلُّ يَوْمٍ مِنْ تِلْكَ الأَيَّامِ قَدْرُ أَلْفِ سَنَةٍ بِتَقْدِيرِ أَيَّامِنَا هَذِهِ. فَلا يُقَالُ خَلَقَ اللَّهُ الْعَالَمَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إِنَّمَا يُقَالُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْءَانِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وَكَانَ خَلْقُ الأَرْضِ فِي الْيَوْمَيْنِ الأَوَّلَيْنِ وَهُمَا يَوْمَا الأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ فِي الْيَوْمَيْنِ التَّالِيَيْنِ وَهُمَا الثُّلاثَاءُ وَالأَرْبِعَاءُ، وَأَمَّا فِي الْيَوْمَيْنِ الأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الْخَمِيسُ وَالْجُمُعَةُ فَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مَرَافِقَ الأَرْضِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الإِنْسَانُ مِنْ جِبَالٍ وَأَنْهَارٍ وَوِدْيَانٍ وَأَشْجَارٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هُوَ أَبُو الْبَشَرِ وَأَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ فَقَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ءَاخِرِ الْيَوْمِ السَّادِسِ مِنَ الأَيَّامِ السِّتِّ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الأُسْبُوعِ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ ءَادَمُ». وَكَانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي الْجَنَّةِ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَكًا مِنْ مَلائِكَتِهِ الْكِرَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ تُرَابِ الأَرْضِ الَّتِي نَعِيشُ عَلَيْهَا لِيَخْلُقَ مِنْهُ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ ءَادَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». أَخَذَ هَذَا الْمَلَكُ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ تُرَابِ الأَرْضِ مِنْ أَبْيَضِهَا وَأَسْوَدِهَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمِنْ سَهْلِهَا وَحَزْنِهَا أَيْ قَاسِيهَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَجَاءَتْ أَحْوَالُ وَأَلْوَانُ ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ مُخْتَلِفَةً بِسَبَبِ اخْتِلافِ التُّرَابِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَجِدُ فِيهِمُ الأَبْيَضَ وَالأَسْوَدَ وَمَنْ هُوَ بَيْنَ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ وَتَجِدُ فِيهِمُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ءَادَمَ سُمِّيَّ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّهُ مِنْ أَدِيمِ الأَرْضِ أيْ مِنْ وَجْهِ الأَرْضِ. أَخَذَ هَذَا الْمَلَكُ التُّرَابَ وَصَعِدَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَعَجَنَهُ بِمَاءٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَصَارَ طِينًا وَجَعَلَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِنَا ءَادَمَ. بَعْدَ فَتْرَةٍ صَارَ الطِّينُ صَلْصَالًا أَيْ طِينًا يَابِسًا ثُمَّ حَوَّلَهُ اللَّهُ عَظْمًا وَلَحْمًا وَدَمًا ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِي﴾. اللَّهُ تَعَالَى أَضَافَ رُوحَ ءَادَمَ فِي هَذِهِ الآيَةِ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَى الْمِلْكِ وَالتَّشْرِيفِ لا عَلَى مَعْنَى الْجُزْئِيَّةِ فَلَيْسَ مَعْنَى الآيَةِ أَنَّ اللَّهَ رُوحٌ وَأَنَّهُ قَطَعَ قِطْعَةً مِنْ نَفْسِهِ فَنَفَخَهَا فِي ءَادَمَ بِوَاسِطَةِ النَّفَسِ، مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ.
وَبَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ تَكَلَّمَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَكَانَ أَوَّلَ مَا قَالَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ. اللَّهُ تَعَالَى عَلَّمَهُ اللُّغَاتِ كُلَّهَا مِنْ دُونِ دِرَاسَةٍ فَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ فَصِيحٍ وَلَيْسَ بِالإِشَارَةِ. فَكَيْفَ يُنْسَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ءَادَمَ أَنَّهُ كَانَ لا يُحْسِنُ الْكَلامَ، أَيُّ دَوْلَةٍ فِي الأَرْضِ تُرْسِلُ أَحَدَ سُفَرَائِهَا وَيَكُونُ أَخْرَسَ؟ أَيُّ دَوْلَةٍ تَرْضَى أَنْ تَبْعَثَ أَحَدَ سُفَرَائِهَا فِي الْمُفَاوَضَاتِ وَهُوَ لا يُحْسِنُ النُّطْقَ؟ لا، بَلْ يُرْسِلُونَ مَنْ هُوَ طَلِيقُ اللِّسَانِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَاطِبَ النَّاسَ بِلُغَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. إِذًا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ فَصِيحَ اللِّسَانِ وَيَتَكَلَّمُ كُلَّ اللُّغَاتِ وَيَعْرِفُ أَسْمَاءَ الأَشْيَاءِ كَاسْمِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْبَحْرِ وَالْهَوَاءِ، اللَّهُ تَعَالَى عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالأَسْمَاءِ هُنَا أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى. فَالأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ فُصَحَاءُ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ وَاضِحٍ مَفْهُومٍ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ لا يُحْسِنُ النُّطْقَ وَلَيْسَ فِيهِمْ أَرَتُّ وَهُوَ الَّذِي يَعْجَلُ فِي كَلامِهِ فَلا يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ. وَأَمَّا نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي تَأَثَّرَ لِسَانُهُ بِالْجَمْرَةِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا وَوَضَعَهَا فِي فَمِهِ حِينَ كَانَ طِفْلًا أَمَامَ فِرْعَوْنَ لِحِكْمَةٍ لَمْ تُأَثِّرِ الْجَمْرَةُ عَلَى فَصَاحَتِهِ بَلْ كَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّوَابِ وَكَانَ كَلامُهُ مُفْهِمًا لا يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، لَكِنْ كَانَ فِيهِ عُقْدَةٌ خَفِيفَةٌ أَيْ بُطْءٌ مِنْ أَثَرِ تِلْكَ الْجَمْرَةِ وَلَمْ تَكُنِ الْعُقْدَةُ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعِيبًا عِنْدَ النَّاسِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَأَذْهَبَهَا اللَّهُ عَنْهُ.
وَخَلَقَ اللَّهُ فِي ءَادَمَ الْمَعْرِفَةَ وَالإِيمَانَ وَعَلَّمَهُ بِأَنَّ لَهُ رَبًّا خَالِقًا خَلَقَهُ وَخَلَقَ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ وَأَنَّ هَذَا الرَّبَّ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَلا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ غَيْرُهُ الْعِبَادَةَ. فَكَانَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ يُحِبُّ اللَّهَ وَيَعْبُدُ اللَّهَ وَكَانَ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَحُجُّ وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا رَسُولًا وَأَرْسَلَهُ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَزَوْجَتِهِ لِيُعَلِّمَهُمْ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَعَدَمَ الإِشْرَاكِ بِهِ شَيْئًا فَكَانَ ءَادَمُ يُعَلِّمُ ذُرِّيَّتَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلاةَ وَالأَمَانَةَ وَالصِّدْقَ فِي الْمُعَامَلَةِ وَنَهَاهُمْ عَنِ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ وَعَلَّمَهُمُ الإِخْلاصَ لِلَّهِ وَهُوَ الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ رَجَاءَ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ. كَمَا أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَ ءَادَمَ زَرْعَ الْقَمْحِ وَصِنَاعَةَ الثَّوْبِ وَصُنْعَ الْعُمْلَةِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ.
سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ أَوَّلُ الْبَشَرِ وَأَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ. قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ كَمَا يَشْهَدُ لِنُبُوَّتِهِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ «ءَادَمُ فَمَنْ سِوَاهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ نَفَى نُبُوَّتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ كَمَا فِي كِتَابِ مَرَاتِبِ الإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ رِسَالَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كَمَا فَعَلَتِ الْوَهَّابِيَّةُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ زُورًا وَكَذِبًا أَنَّهُمْ سَلَفِيَّةٌ وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ الَّذِي سَمُّوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لِيُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّهُمْ عَلَى عَقِيدَةِ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى «الإِيمَانُ بِالأَنْبِيَاءِ جُمْلَةً» إِنَّ ءَادَمَ لَيْسَ نَبِيًّا وَلا رَسُولًا. فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا يَظُنُّ هَؤُلاءِ أَنَّ ءَادَمَ لَمْ يَكْنْ رَسُولًا لَسَاوَى الْبَشَرُ الْبَهَائِمَ وَلَكَانَتْ ذُرِّيَّتُهُ كَذُرِّيَّةِ الْبَهَائِمِ. هَؤُلاءِ الْوَهَّابِيَّةُ عِنْدَهُمْ إِثْبَاتُ أَصْلِ الْجُلُوسِ لِلَّهِ لَيْسَ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَلْقِهِ فَيَقُولُونَ اللَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ يَقُولُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كَجُلُوسِنَا فَأَيْنَ عُقُولُهُمْ؟ الْجُلُوسُ كَيْفَمَا كَانَ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ كَيْفَ يُقَالُ اللَّهُ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ هَذَا شَتْمٌ لِلَّهِ، عَلَى زَعْمِهِمْ عَظَّمُوا اللَّهَ هَذَا لَيْسَ تَعْظِيمًا، جَعَلُوهُ كَخَلْقِهِ لَهُ نِصْفٌ أَعْلَى وَنِصْفٌ أَسْفَل، خَلْقُهُ يَجْلِسُونَ الْبَقَرُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْبَشَرُ وَالْجِنُّ وَالْمَلائِكَةُ يَجْلِسُونَ، جَعَلُوهُ كَخَلْقِهِ مَا مَدَحُوهُ.
وَكَانَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيلَ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ حَسَنَ الصَّوْتِ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ وَكَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ لَمْ يَكُنْ عَارِيًا وَلَمْ يَكُنْ كَالْبَهَائِمِ الَّتِي تَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ. وَلَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ حِينَ قَالَ: أَوَّلُ الْبَشَرِ اعْلِمْ يَا غُلامُ أَنَّهُ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَكُنْ مُخِيفًا يُشْبِهُ الْقُرُودَ بَلْ جَمِيلَ الشَكْلِ أَحْلَى مِنَ الْوُرُودِ، يَرْتَدِي الثِّيَابَ وَيَصُكُّ النُّقُودَ وَهُوَ أَيْضًا يَتَكَلَّمُ كُلَّ اللُّغَاتِ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ كَانُوا عَلَى صُورَةٍ جَمِيلَةٍ وَشَكْلٍ حَسَنٍ وَصَوْتٍ جَمِيلٍ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ وَإِنَّ نَبِيَّكُمْ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنُهُمْ صَوْتًا». وَءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَعِيشُ عِيشَةَ الْبَهَائِمِ بَلْ كَانَ لَهُ شَرِيعَةٌ يَعْمَلُ بِهَا وَيُعَلِّمُهَا لِلنَّاسِ وَكَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الأَخُ مِنْ أُخْتِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَوْأَمًا لَهُ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الْحُكْمُ بَعْدَ مَوْتِ ءَادَمَ. وَالْمُسْلِمُ لا يَعْتَقِدُ أَنَّ أَصْلَ الْبَشَرِ قِرْدٌ كَمَا يَدَّعِي دَارْوِين الْيَهُودِيُّ فِي نَظَرِيَّتِهِ لِأَنَّ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُوَ أَوَّلُ الْبَشَرِ لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ قِرْدًا ثُمَّ تَرَقَّى حَتَّى صَارَ إِنْسَانًا فَهَذِهِ النَّظَرِيَّةُ بَاطِلَةٌ لا تَقُومُ عَلَى أَسَاسٍ عِلْمِيٍّ وَتَرُدُّهَا دَلائِلُ النَّقْلِ. فَقَوْلُ بَعْضِ الْمُلْحِدِينَ فِي الْعُصُورِ الأَخِيرَةِ إِنَّ أَوَّلَ الْبَشَرِ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْقِرْدِ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ. اللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَنَا أَنَّهُ خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيـمٍ قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيـمٍ﴾ أَيْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ أَيْ أَنَّهُ مُنْتَصِبٌ يَمْشِي بِرِجْلَيْهِ وَيَأْكُلُ بَيَدَيْهِ، حَسَنُ التَّرْكِيبِ لَيْسَ مَعْنَاهُ حَسَنَ الْوَجْهِ. فَالَّذِي يَقُولُ إِنَّ ءَادَمَ كَانَ مُتَوَحِّشًا قَصِيرَ الْقَامَةِ شَبِيهًا بِالْقِرْدِ فَهُوَ كَافِرٌ.
خَلَقَ اللَّهُ لِسَيِّدِنَا ءَادَمَ زَوْجَةً اسْمُهَا حَوَّاءُ، خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلَعِ ءَادَمَ الأَيْسَرِ الأَقْصَرِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «وَلَأَمَ مَكَانَهُ لَحْمًا». وَقَدْ قِيلَ إِنَّ حَوَّاءَ سُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَىْءٍ حَيٍّ، وَلَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ حَوَّاءَ طِفْلَةً صَغِيرَةً بَلْ خَلَقَهَا عَلَى هَيْئَتِهَا الَّتِي عَاشَتْ عَلَيْهَا كَبِيرَةً طَوِيلَةً مُنَاسِبَةً لِطُولِ سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ كَانَ طُولُهُ سِتِّينَ ذِرَاعًا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ »كَانَ طُولُ ءَادَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا طُولًا فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا« رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
وَسَكَنَ ءَادَمُ وَزَوْجَتُهُ حَوَّاءُ الْجَنَّةَ وَصَارَا يَتَمَتَّعَانِ بِمَا فِيهَا مِنْ نَعِيمٍ فَكَانَ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ أَشْجَارِهَا وَيَقْطِفُ مِنْ ثِمَارِهَا وَيَتَنَعَّمُ بِفَاكِهَتِهَا وَيَشْرَبُ مِنْ عَذْبِ أَنْهَارِهَا وَمِيَاهِهَا. وَقَدْ عَاشَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ فِي الْجَنَّةِ مِائَةً وَثَلاثِينَ سَنَةً يَتَنَعَّمُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْرَضَ وَلا يَتْعَبَ وَلا يَحْزَنَ وَنَهَاهُ اللَّهُ عَنِ الأَكْلِ مِنْ شَجَرَةٍ وَأَبَاحَ لَهُ مَا سِوَاهَا فَوَسْوَسَ الشَّيْطَانُ لَهُ وَلِحَوَّاءَ بِعِصْيَانِ اللَّهِ تَعَالَى لِيَكُونَ سَبَبًا فِي إِخْرَاجِهِمَا مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا ءَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾. وَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطَانُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِي جَسَدِهِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لا يَسْتَطِيعُ وَلَوْ كَانَ قَرِينًا أَنْ يَدْخُلَ فِي جِسْمِ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّمَا الشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ لَهُمْ مِنْ خَارِجٍ لَكِنْ لا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ أَيْ لا يَتَمَكَّنُ مِنْهُمْ، الْجِنِّيُّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ فِي جِسْمِ الإِنْسَانِ غَيْرِ الأَنْبِيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ كَالْقَرِينِ الَّذِي يُوَسْوِسُ لِلإِنْسَانِ لِيَأْمُرَهُ بِالشَّرِّ يَدْخُلُ إِلَى صَدْرِ الإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ الشَّخْصُ.
أَكَلَ ءَادَمُ وَحَوَّاءُ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فَوَقَعَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ﴾ وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةُ ذَنْبًا كَبِيرًا لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ أَيْ مَحْفُظُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ أَيِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةِ النَّفْسِ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا وَهَذِهِ هِيَ الْعِصْمَةُ الْوَاجِبَةُ لَهُمْ، وَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي لَكِنْ يُنَبَّهُونَ فَوْرًا لِلتَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَلَيْسَ سُجُودَ عِبَادَةٍ لِأَنَّ السُّجُودَ لإِنْسَانٍ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ شِرْكٌ وَكُفْرٌ وَاللَّهُ تَعَالَى لا يَأْمُرُ بِالْكُفْرِ بَلْ يَنْهَى عَنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ وَأَكْبَرُ الْمُنْكَرَاتِ هُوَ الْكُفْرُ. فَلا يُقَالُ »كُلُّ شَىْءٍ بِأَمْرِهِ« عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُوهِمُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالشَّرِّ لِأَنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. وَكَانَ جَائِزًا فِي الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ أَنْ يَسْجُدَ الْمُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ لِلتَّحِيَّةِ لَكِنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي شَرْعِنَا، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ أَهْلَ الشَّامِ يَسْجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ وَأَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَالْبِطْرِيقُ مِنَ الرُّومِ كَالْقَائِدِ مِنَ الْعَرَبِ أَمَّا الأَسَاقِفَةُ فَهُمْ عُلَمَاءُ النَّصَارَى، قَالَ: «لا تَفْعَلْ، لَوْ كُنْتُ ءَامُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا. إِذًا أَمَرَ اللَّهُ الْمَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَامْتَثَلَ الْمَلائِكَةُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَسَجَدُوا كُلُّهُمْ لِأَنَّ الْمَلائِكَةَ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وَأَمَّا إِبْلِيسُ فَقَدِ اسْتَكْبَرَ وَاعْتَرَضَ عَلَى اللَّهِ وَلَمْ يَمْتَثِلْ لِأَمْرِهِ فَكَفَرَ باللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ وَرَدَ فِي الأَثَرِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ كُفْرِهِ يُسَمَّى عَزَازِيل.
ثُمَّ إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا اعْتَرَضَ وَكَفَرَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَقَدْ كَانَ إِبْلِيسُ قَبْلَ أَنْ يَكْفُرَ بِاللَّهِ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا يَعْبُدُ اللَّهَ مَعَ الْمَلائِكَةِ، وَكَانَ مِنَ الْجِنِّ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَلَيْسَ صَحِيحًا أَنَّهُ كَانَ طَاوُوسَ الْمَلائِكَةِ وَلا رَئِيسًا لَهُمْ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ الْجُهَّالِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ فَلَوْ كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلائِكَةِ لَمْ يَعْصِ رَبَّهُ لِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْمَلائِكَةَ فِي الْقُرْءَانِ بِقَوْلِهِ ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ بِخِلافِ الْمَلائِكَةِ فَإِنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ ءَادَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سَيِّدَنَا ءَادَمَ وَحَوَّاءَ بِالْهُبُوطِ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ وَأَمَرَ إِبْلِيسَ بِالْهُبُوطِ إِلَيْهَا أَيْضًا فَيُرْوَى أَنَّ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ فِي سَرَنْدِيب وَهِيَ أَرْضٌ بِالْهِنْدِ، وَنَزَلَتْ حَوَّاءُ عَلَيْهَا السَّلامُ فِي أَرْضٍ أُخْرَى قِيلَ إِنَّهَا جُدَّةُ، وَأَمَّا إِبْلِيسُ فَقِيلَ إِنَّهُ نَزَلَ بِالأُبُلَّةِ بِأَرْضٍ فِي الْعِرَاقِ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي أُخْرِجَ فِيهِ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهَبَطَ فِيهِ إِلَى الأَرْضِ هُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ ءَادَمُ وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلا يُقَالُ طُرِدَ ءَادَمُ مِنَ الْجَنَّةِ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِيهِ تَحْقِيرٌ لِسَيِّدِنَا ءَادَمَ بَلْ يُقَالُ أُهْبِطَ كَمَا يُفِيدُ نَصُّ الْقُرْءَانِ.
عَاشَ سَيِّدُنَا ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَلْفَ سَنَةٍ قِيلَ قَضَى مِنْهَا مِائَةً وَثَلاثِينَ سَنَةً فِي الْجَنَّةِ وَبَقِيَّةُ الأَلْفِ عَاشَهَا عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ، وَلَمَّا مَاتَ بَقِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَلَى دِينِ الإِسْلامِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَعَاشَ الْبَشَرُ أَلْفَ سَنَةٍ أُخْرَى عَلَى دِينِ الإِسْلامِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كُفْرٌ وَلا شِرْكٌ وَإِنَّمَا حَصَلَ الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ إِدْرِيسَ فَكَانَ نُوحٌ أَوَّلَ نَبِيٍّ أُرْسِلَ إِلَى الْكُفَّارِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الأَثَرِ أَنَّ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُفِنَ فِي مَكَّةَ أَوْ فِي مِنًى قُرْبَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ حَيْثُ دُفِنَ سَبْعُونَ نَبِيًّا، وَقُبُورُهُمْ مُخْفَاةٌ وَلا يُوجَدُ عَلامَاتٌ تَدُلُّ عَلَيْهَا. وَيُرْوَى أَنَّ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ عَلَيْهَا السَّلامُ عَاشَتْ بَعْدَ سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَنَةً ثُمَّ مَاتَتْ وَيُقَالُ إِنَّهَا دُفِنَتْ فِي جُدَّةَ.