باب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر
261- عن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، وسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم، أخرجه السبعة، وهذا اللفظ للبخاري، وفي رواية لمسلم: يكبر في كل سجدة وهو جالس ويسجد ويسجد الناس معه مكان ما نسي من الجلوس.
262- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس فقالوا: أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي صلى الله عليه وسلم ذا اليدين، فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة فقال: «لم أنس ولم تقصر» قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
وفي رواية لمسلم: صلاة العصر ولأبي داود: فقال: «أصدق ذو اليدين؟» فأومئوا أي نعم، وهي في الصحيحين، لكن بلفظ: فقالوا، وفي رواية له: ولم يسجد حتى يقنه الله تعالى ذلك.
263- وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه.
264- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له، وإن كان صلى تماما كانتا ترغيما للشيطان» رواه مسلم.
265- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شىء قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فثنى رجليه واستقبل القبلة، فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: «إنه لو حدث في الصلاة شىء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين» متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: «فليتم ثم يسلم ثم يسجد» ولمسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام.
ولأحمد وأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن جعفر مرفوعا: «من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم» وصححه ابن خزيمة.
266- وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شك أحدكم فقام في الركعتين فاستتم قائما فليمض ولا يعود، وليسجد سجدتين، فإن لم يستتم قائما فليجلس، ولا سهو عليه» رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني، واللفظ له، بسند ضعيف.
267- وعن عمر رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه» رواه الترمذي والبيهقي بسند ضعيف.
268- وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لكل سهو سجدتان بعدما يسلم» رواه أبو داود وابن ماجه بسند ضعيف.
269- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ﴿إذا السماء انشقت﴾ و ﴿اقرأ بسم ربك الذي خلق﴾ رواه مسلم.
270- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها، رواه البخاري.
271- وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم، رواه البخاري.
272- وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد فيها، متفق عليه.
273- وعن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: فضلت سورة الحج بسجدتين، رواه أبو داود في المراسيل، ورواه أحمد والترمذي موصولا من حديث عقبة بن عامر، وزاد: فمن لم يسجدهما فلا يقرأها، وسنده ضعيف.
274- وعن عمر رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، رواه البخاري.
وفيه: إن الله تعالى لم يفرض السجود إلا أن نشاء، وهو في الموطإ.
275- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرءان، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه، رواه أبو داود بسند فيه لين.
276- وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يسره خر ساجدا لله، رواه الخمسة إلا النسائي.
277- وعن عبد الرحمٰن بن عوف رضي الله عنه قال: سجد النبي صلى الله عليه وسلم فأطال السجود ثم رفع رأسه فقال: «إن جبريل أتاني فبشرني، فسجدت لله شكرا» رواه أحمد، وصححه الحاكم.
278- وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا إلى اليمن، فذكر الحديث قال: فكتب علي بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا شكرا لله تعالى على ذلك، رواه البيهقي، وأصله في البخاري.
الدرس الرابع والخمسون
شرح حديث إن الله حرم
عقوق الأمهات
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم.
أما بعد فقد ورد فى الصحيحين البخارى ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله ﷺ إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال اهـ فالأشياء الثلاثة الأولى أى عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات محرمة من غير تفصيل وأما الثلاثة الأخرى ففيها تفصيل.
وعقوق الأمهات من المحرمات الكبائر وكذلك عقوق الآباء لكن عقوق الأمهات أشد ذنبا كما أن بر الأمهات أعظم ثوابا من بر الآباء وكلا الأمرين أمر عظيم عند الله تعالى.
ومعنى العقوق إيذاؤهما أذى ليس بهين كشتم الأم وشتم الأب أو ضرب الأم أو الأب أو كأن يهين أمه أو أباه أمام الناس. وعذاب عقوق الوالدين المسلمين عند الله تعالى عظيم حيث إن عاقهما لا يدخل الجنة مع المسلمين الأولين بل يدخلها بعد عذاب شديد مع الآخرين، وهذا معنى كلام رسول الله ﷺ ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والديوث [وهو الذى يعلم الزنى فى أهله ويسكت عليه مع القدرة على منعه] ورجلة النساء [أى النساء المتشبهات بالرجال فى اللباس وغيره] اهـ [رواه الطبرى فى تهذيب الآثار].
وإذا كان الأبوان كافرين أصليين فالله تعالى أمرنا بالإحسان إليهما لكن لا يطيعهما فى كفرهما ولا معاصيهما وهذا معنى قول الله تعالى فى سورة لقمان ﴿وصاحبهما فى الدنيا معروفا﴾.
وإن كان الأبوان مسلمين فقيرين محتاجين ففرض على الابن أن يدفع إليهما نفقتهما ويكسوهما ويسكنهما ولا طاعة لهما فى معصية الله. ويجب على الابن المسلم أن يزوج أباه المسلم الفقير إن كان محتاجا للزواج.
ومن جملة العقوق أن يطيع الولد أمه على ظلم أبيه أو بالعكس ولا ينفعه عند الله تبارك وتعالى إن أطاع أمه فى ظلم أبيه. قال أحد الصحابة من أحق بحسن صحابتى يا رسول الله قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك اهـ [رواه البخارى] ولا يجوز أن تعين أى إنسان على ظلم إنسان ءاخر.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام ووأد البنات فمعناه دفن البنات فى التراب وهن أحياء وهذا الشىء كان فى الجاهلية وأول من فعل هذا قيس بن عاصم.
وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق أشد الذنوب بعد الكفر وخاصة قتل المحارم كالأب أو الأم أو البنت فهو أشد إثما من قتل غير المحرم.
وأما قوله ﷺ ومنعا وهات فالمراد به منع الواجبات مثل الزكاة فإذا إنسان منعها فهو عاص معصية من الكبائر، كذلك إذا كان لإنسان دين على ءاخر فمنعه بعد حلول الأجل فهو عاص معصية كبيرة إن كان قادرا على دفعه، كذلك الإنسان المسلم الذى له أبوان مسلمان محتاجان فمنعهما النفقة فقد عصى الله، ومنع النفقة عن من يجب عليه الإنفاق عليه كبيرة، ولو لم يكن عنده غير هذا الذنب لكفاه.
والنفقة للزوجة تكون بحسب ما يسعه مال الزوج. والذى يعرف من نفسه أنه لا يعدل بين نسائه إن كن اثنتين فأكثر فحرام عليه الزواج بأكثر من واحدة. ومن يعدل فى المبيت ولا يسوى فى عدد الجماع بينهن لا يكون ظالما، وتسوية المحبة فى القلب ليست فرضا لأن الميل القلبى ليس بيده، قال تعالى فى سورة النساء ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا﴾ معناه لن تستطيعوا من جميع الوجوه فى الميل القلبى. وفى الأمور الظاهرة مثل الكسوة والنفقة والمبيت ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾ فاعدلوا فى ما يجب العدل فيه أى من الأمور الظاهرة.
ومن جملة ما يدل عليه قول رسول الله ﷺ ومنعا وهات أن الله حرم أن يطلب الشخص ما لا يحل له فمن يطلب من مال الزكاة وليس من المستحقين ومن يطلب من مال الوقف وليس هو من أهله فقد عصى الله.
وكره لكم قيل وقال المقصود بهذا الكلام الذى لا فائدة فيه وقد يكون حراما أو مكروها.
وكثرة السؤال معناه أن الإنسان لا ينبغى له أن يسأل عن مسائل لا حاجة له فيها فهذا شىء مكروه عند الله، أما ما يحتاج إليه فى الدين فالسؤال عنه فرض.
وإضاعة المال أى صرفه فى غير أوجه البر فإن صرفه لزيادة التنعم بالحلال فلا معصية عليه ولكن هذا أى الإكثار من التنعم ليس من شيمة [أى خلق] المتقين، أما إن صرفه فى غير طاعة الله بل فى معصيته كالذى يشترى به ءالات اللهو المحرمة ليلهو بها فهذا إضاعة للمال.