بيان معنى العبادة وأن مجرد التوسل والاستعانة والنداء وطلب ما لم تجر به العادة ليس شركا، وكذلك التبرك بآثار النبي ﷺ
بيان معنى العبادة وأن مجرد التوسل والاستعانة والنداء وطلب ما لم تجر به العادة ليس شركا، وكذلك التبرك آثار النبي ﷺ
اعلم أنه لا دليل حقيقي يدلّ على عدم جواز التوسّل بالأنبياء والأولياء في حال الغيبة أو بعد وفاتهم بدعوى أن ذلك عبادة لغير الله لأنه ليس عبادة لغير الله مجرد النداء لحيّ أو ميّت ولا مجرد الاستغاثة بغير الله ولا مجرد قصد قبر وليّ للتبرّك ولا مجرد طلب ما لم تجرِ به العادة بين الناس، ولا مجرد صيغة الاستعانة بغير الله تعالى، أي ليس ذلك شركًا لأنه لا ينطبق عليه تعريف العبادة عند اللغويين لأن العبادة عندهم الطاعة مع الخضوع.
وليس مجرد التذلّل عبادة لغير الله وإلا لكفر كلّ مَن يتذلّل للملوك والعظماء، فهؤلاء الذين يكفّرون الشخص لأنه قصد قبر الرسول أو غيره من الأولياء للتبرّك فهم جهلوا معنى العبادة وخالفوا ما عليه المسلمون لأن المسلمين سلفًا وخلفًا لم يزالوا يزورون قبر النبيّ، وليس معنى الزيارة للتبرّك أن الرسول يخلق لهم البركة بل المعنى أنهم يرجون أن يخلق الله لهم البركة بزيارتهم لقبره.
والدليل على جواز ما قدمنا ما أخرجه البزار([1]) من حديث عبد الله بن عبّاس عن رسول الله ﷺ قال: «إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض سوى الحَفَظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فلينادِ: أعينوا عباد الله». قال الحافظ الهيثمي([2]): «رواه الطبراني ورجاله ثقات»، وحسّنه الحافظ ابن حجر في أماليه([3]) مرفوعًا وأخرجه الحافظ البيهقي([4]) موقوفًا على ابن عباس بلفظ قريب، وروى البيهقي([5]) أيضًا بإسناد صحيح عن مالك الدار – وكان خازن عمر – قال: «أصاب الناس قحط في زمان عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال يا رسول الله استسقِ لأمّتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسولُ الله ﷺ في المنام فقال ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبره أنهم يُسْقَون وقل له عليك بالكيس الكيس([6])، فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: «يا ربُّ ما ءالوا إلا ما عَجَزْتُ([7])». اهـ. وهذا الرجل هو بلال بن الحـٰرث المزني الصحابي، فهذا الصحابيُّ قد قصد قبر الرّسول للتبرّك فلم ينكر عليه عمر ولا غيره.
وقال ابن كثير([8]) ما نصّه: «وقد روينا أن عمر عسَّ المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد أحدًا يضحكُ ولا يتحدثُ الناسُ في منازلهم على العادة ولم يرَ سائلًا يسأل، فسأل عن سبب ذلك فقيل له يا أمير المؤمنين إنَّ السُّؤَال سألوا فلم يُعْطَوا فقطعوا السؤال والنّاسُ في همّ وضيق فهم لا يتحدَّثون ولا يضحكون. فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمّة محمّد، فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تَحمِلُ البُرَّ وسائرَ الأطعمات، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدّة ومن جدّة إلى مكة. وهذا الأثر جيّد الإِسناد» اهـ. وهذا فيه الردُّ على ابن تيمية لقوله إنه لا يجوز التوسّل إلا بالحيّ الحاضر، فهذا عمر بن الخطّاب استغاث بأبي موسى وعمرو بن العاص وهما غائبان».
وابن تيمية هو أوّل من منع التوسّل بالنبي عليه السلام كما ذكر ذلك الفقيه علي السبكي في كتابه شفاء السَّقام([9]) ونص عبارته: «اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستعانة والتشفّع بالنبي ﷺ إلى ربّه سبحانه وتعالى، وجوازُ ذلك وحُسْنُهُ من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان حتى جاء ابنُ تيمية فتكلّم في ذلك بكلام يُلَبّسُ فيه على الضعفاء الأغمار وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار» اهـ.
ومن الدليل أيضًا على جواز التوسل بالأنبياء والصالحين حديث أبي سعيد الخدري الذي حسّنه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار([10]) وغيرُه([11])، قال: «قال رسول الله ﷺ: «إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال اللَّهُمَّ إني أسألكَ بحق السائلين عليكَ وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بَطَرًا ولا رياءً ولا سُمعَةً، خرجتُ اتقاءَ سَخَطِكَ وابتغاء مَرضَاتِكَ أسألكَ أن تُنقذني من النار وأن تغفرَ لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وَكَّلَ الله به سبعين ألفَ ملك يستغفرون له وأقبَلَ الله عليه بوجهه حتى يقضيَ صلاتَهُ».
وروى البخاري في كتاب الأدب المفرد([12]) عن عبد الرحمٰن بن سعد قال: «خَدِرَتْ رِجْلُ ابن عمر فقال له رجل اذكر أحبَّ الناس إليك فقال يا محمدُ فذهب خَدَرُ رجله» اهـ.
وأخرج الطبراني في معجميه الكبير([13]) والصغير([14]) عن عثمان بن حُنَيْف أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفّان في حاة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان ابن حُنَيْف فشكى ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: «اللَّهُمَّ إني أسألكَ وأتوجَّهُ إليكَ بنبيّنا محمدٍ نبيّ الرحمةِ يا محمّدُ إني أتوجهُ بكَ إلى ربّي عز وجل لتقضى لي حاجتي» وتذكر حاجتك ورح إليّ حتى أروحَ معكَ فانطلق الرجل فصنع ما قال عثمان له ثم أتى عثمان بن عفان، فجاء البوّابُ حتى أخذه بيده فأدخله على عثمان بن عفّان فأجلسه معه على الطنفسة وقال ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة وقال له: ما كان لك حاجة فأتنا، ثم عن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حُنَيْف فقال له: جزاك الله خيرًا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيّ، فقال عثمان بن حُنَيْف: والله ما كلّمته ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي ﷺ: «أو تصبر» فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق عليّ، فقال له النبي: «ائتِ الميضأة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات»، قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرٌّ قط. قال الطبراني: والحديث صحيح.
ففيه دليل على أن الأعمى توسّل بالنبي ﷺ في غير حضرته، بل ذهب إلى الميضأة فتوضأ وصلّى ودعا باللفظ الذي علّمه رسول الله، ثم دخل على النبي ﷺ والنبي لم يفارق مجلسه لقول راوي الحديث عثمان بن حُنَيْف فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرٌّ قط([15]).
فإن قيل إن الطبراني لم يصحح بقوله: «والحديث صحيح» إلا الأصل وهو ما حصل بين النبيّ والأعمى ويسمى مرفوعًا، وأمّا ما حصل بين عثمان بن حُنَيْف وذلك الرجل فلا يسمى حديثًا لأنه حصل بعد النبيّ ﷺ وإنما يسمى موقوفًا.
فالجواب أن علماء الحديث يطلقون الحديث على المرفوع والموقوف، فدعوى الألباني وبعض تلامذته وحملهم قول الطبراني: «والحديث صحيح» على ما حصل للأعمى مع رسول الله دون ما حصل للرجل مع عثمان ابن حُنَيْف دعوى باطلة مخالفة لقواعد الاصطلاح.
([1]) كشف الأستار عن زوائد البزار (4/34).
([5]) دلائل النبوة (7/47)، وانظر البداية والنهاية (7/91، 92)، تاريخ مدينة دمشق (44/345 و56/489).
([6]) أي: بالاجتهاد بالسعي لخدمة الأمة. انتهى من المؤلف.
([7]) أي لا أقصر إلا ما عجزتُ عنه أي سأفعل ما في وُسعي لخدمة الأمة. انتهى من المؤلف.
([8]) البداية والنهاية (7/90).
([10]) نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (1/272).
([11]) حسّن إسناده الحافظ العراقي كما في المغني عن حمل الأسفار (1/289).
([13]) المعجم الكبير (9/17 – 18).
([14]) المعجم الصغير (ص201، 202).
([15]) المعجم الكبير للطبراني (9/17، 18)، والمعجم الصغير (ص201، 202). قال الطبراني: والحديث صحيح.
- كتب الشيخ جيل صادق
- كتب للتحميل
- بغية الطالب
- نُور العُيون في تلخيص سيرة الأمِين الـمَأمُونِ
- جامع الخيرات – الجزء الرابع
- الجزء الأول – الفرقان في تصحيح ما حُرّفَ تفسيره من ءايات القرءان
- الجزء الثاني – الفرقان في تصحيح ما حُرّفَ تفسيره من ءايات القرءان
- البحوث الحسان من صريح البيان في الرد على من خالف القرءان
- مقصد الراغبيـن فـى تعلم العقيدة وأحكام الدين
- أنس المجالس- الجزء الأول
- مختصر المطالب الوفية
- بهجة النظر
- عمدة الراغب
- الجزء الأول – قبسات نورانية على ألفية السيرة النبوية
- الجزء الثاني – قبسات نورانية على ألفية السيرة النبوية
- أنس الذاكرين
- الأَدَبُ الـمُفرد
- الأربعون الهررية
- المزيد+
