الإثنين فبراير 23, 2026

الدرس الثامن والعشرون

بسم الله الرحمٰن الرحيم

بيان عدم التسرع في التكفير

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى وهو في بيان عدم التسرع في التكفير.

قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين.

أما بعد، فهناك مسائل عديدة يطلقها([i]) بعض الناس مجمعا عليها عند كل علماء الإسلام والأمر ليس كذلك، الأكل في رمضان ينتهي بالفجر جمهور علماء الإسلام على هذا وهو الحق، وفيهم من هو من أهل الاجتهاد قال يجوز الأكل إلى طلوع الشمس، والعلماء ما كفروا القائل بذلك إنما قالوا غلط، والذي قال هذا هو من التابعين الذين أدركوا الصحابة وأخذوا منهم علما لهذا لا يجوز التسرع في التفكير.

معرفة المجمع عليه ليس كل أحد يستطيع ذلك، العلماء الذين مضوا اختلفوا في مسائل كثيرة، قراءة القرءان في الصلاة من السلف من أهل الاجتهاد من قال من أتم ركوعه وسجوده صلاته صحيحة عن لم يقرأ شيئا في القيام، ومنهم من قال الله أكبر ليس شرطا ليس ركنا للدخول في الصلاة، النية تكفي بدون تكبير إذا نوى أنه يصلي صلاة كذا يكفي للصحة، وهناك أمثال هذا، فلا ينبغي التسرع، لا ينبغي أن يبنى الشخص التحليل والتحريم والتكفير على حسب ما وصل إليه فهمه، ينبغي أن يبنيه على الاحتياط مع النظر في حال المسألة هل هي مجمع عليها أم لا، ثم هل هي معلومة من الدين بالضرورة أم لا، بعد ذلك ينبغي القول بتكفير مخالفها إن كان في مخالفته تكذيب لما جاء في الشرع وعلم من الدين بالضرورة.

أما ما كان استخفافا بالله أو رسوله أو ملائكته أو دينه أو شعائر الإسلام أو ما كان نوعا من أنواع تشبيه الله بالعالم أو كان نفيا للصفات الثلاث عشرة فلا ينبغي التوقف في تكفير المخالف فيها لأن أهل الحق من علماء الإسلام لم يختلفوا في ذلك أي في تكفير المخالف في ذلك.

فالقائل والعياذ بالله بأن الله جسم لطيف أو كثيف لا يتوقف في تكفيره مهما كان غارقا في الجهل، لأن ثبوت الصفات الثلاث عشرة لله تعالى يدل عليه العقل لو لم يسمع ذكره في علم الدين، من سمع ومن لم يسمع في هذا سواء.

ولا ينظر إلى كثرة الجاهلين المخالفين لأهل الحق في أن الله تعالى منزه عن أضداد هذه الصفات الثلاث عشرة، لأن من اعتقد أن الله جسم فهو جاهل بخالقه لم يعرفه، وكيف يعد مسلما وهو جاهل بخالقه وقول لا إله إلا الله والعبادات لا تنفع إلا بعد معرفة الخالق، فالمشبه الذي يعتقد أن الله جسم ملأ العرش ليس عابدا لله بل هو عابد لشيء غير موجود والحق أنه ليس على العرش جسم يملأ قدر العرش أو زيادة على مساحة العرش.

وكذلك الذي يعتقد والعياذ بالله أن الله جسم حال في الفراغ فوق العرش لأنه شبه الله بالشمس والقمر والنجوم فإن هؤلاء واقفات في الفراغ فكلا الفريقين جاهل بخالقه كافر.

ويكفي دليلا على بطلان عقيدة الذي يعتقد الله جسما ءاية {ليس كمثله شيء}([ii]) لأنه لو كان الله جسما لكان له أمثال كثير، لا فرق بين من يقول إن الله جسم وعابد الشمس، عابد الشمس يعبد جسما كثيفا محقق الوجود، أما هؤلاء الذين يعتقدون أن الله جسم ملأ العرش أو واقف في الفراغ فوق العرش أشد سخافة عقل من عابد الشمس لأن عابد الشمس وإن كان كافرا جاهلا بخالقه لكنه يعبد شيئا موجودا مشاهدا ومنفعته محققة مشاهدة فإذا كانت الشمس لا تستحق أن تعبد فكيف يستحق ذلك الجسم المتوهم أن يعبد!

فتبين وظهر أن هؤلاء الذين يقولون إن الله قاعد على العرش أو فوق العرش في الفراغ أسخف عقلا من عباد الشمس ولا ينفعهم احتجاجهم بآية {الرحمٰن على العر استوى}([iii]) حيث فسروا استواء الله بالجلوس، والجلوس صفة مشتركة بين البشر والملائكة والجن والبهائم فليس مدحا لله بل هو شتم لله، والجلوس لا يكون إلا من جسم مركب من نصفين أعلى ونصف أسفل، أين غاب عنهم تفسير الاستواء بالقهر والقهر كمال في حق الله ومن أسمائه القهار والقاهر، فليس في هذا التفسير أي تفسير الاستواء بالقهر تشبيه لله تعالى بخلقه بل هذا هو الحق. أما تفسير المشبهة الآية {الرحمٰن على العرش استوى} بجلس أو استقر فهذا ضلال مبين حيث إنه تكذيب لمحكم القرءان قال تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقال سبحانه تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال}([iv]) وقال: {وكل شيء عنده بمقدار}([v])، وقال: {ولم يكن له كفوا أحد}([vi]).

انتهى والله تعالى أعلم.

([i]) أي: يظنها.

([ii]) سورة الشورى، الآية: (11).

([iii]) سورة طه، الآية: (5).

([iv]) سورة النحل، الآية: (74).

([v]) سورة الرعد، الآية: (8).

([vi]) سورة الإخلاص، الآية (4).