الخميس يناير 29, 2026

بيان صفة الأولياء

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على نبينا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله الطيبين الطاهرين.

     أما بعد فقد روينا بالإسناد المتصل الصحيح فى كتاب المستدرك أن رسول الله ﷺ قال «إن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة».

     هذا الحديث فيه بيان صفة الأولياء وفيه بيان أن أكثرهم لا يعرفون لا يميزون فيما بين الناس، ثم الرسول عليه السلام وصفهم بهذه الصفات وهى أنهم أخفياء أى لا يعرفون بما هم عليه من علو الدرجة عند الله وذلك لأنهم يخفون أعمالهم الصالحة التى يعملونها زلفى وقربة إلى الله خوفا من أن يفتنوا لأن الأولياء يخافون على أنفسهم، يتهمون أنفسهم بالرياء ولو لم يكن فيهم رياء لكن من شدة الخوف وشدة مراقبة النفس يخافون أنه دخل عليهم رياء ويخافون أيضا من أن يدخلهم العجب إذا عرفوا بين الناس بما فيهم من الأعمال الحميدة. ووصفهم رسول الله عليه الصلاة والسلام أيضا بأنهم إذا حضروا لم يعرفوا إما لرثاثة هيأتهم، أى مظهرهم من حيث اللباس غير معجب فقد كان أويس ابن عامر القرنى الذى شهد له الرسول بأنه أفضل التابعين وكان رضى الله عنه لم يشهد مجلس رسول الله لأنه كان باليمن، ما تمكن من أن يأتى إلى المدينة ليلقى الرسول، ثم جاء بعد أن توفى الرسول إلى المدينة، وكان سيدنا عمر حفظ من رسول الله حديثا فى شأن أويس بن عامر، قال له ولمن كان معه فى ذلك المجلس «إن خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر من مراد ثم من قرن» إلى أن قال «فإذا لقيتموه فمروه فليستغفر لكم» وفى هذا تعليم لأمته وحض وحث أكيد للتواضع لأن سيدنا عمر عند الله تبارك وتعالى له من المنزلة ما يزيد على منزلة أويس بن عامر ءالاف المرات، مع ذلك قال له إذا لقيتم أويس بن عامر فاطلبوا منه الاستغفار، أن يستغفر الله لكم، هذا شأن المؤمن أنه يكون متواضعا ويحسن الظن بالمسلم، يقول إذا رأى مسلما، لعل هذا عند الله أفضل منى، إلى أن يظهر له فيه ما يؤكد حسن ظنه به أو ما يؤكد خلاف ذلك، فإن وجد منه ما يؤكد حسن ظنه زاد تحسين ظن به وإلا أنزله فى منزلته التى يستحقها.

     ثم قسم من الأولياء الله أعطاهم حظا من الشهرة [الأولياء يخفون كراماتهم حتى لا ينفتن بهم الناس، حتى نفوسهم أيضا لا يدخلها شىء، الأولياء يخشون على أنفسهم أن يدخلهم عجب وفخر]، شهروا بين الناس بالولاية فعرفهم القريب والبعيد فكثر الانتفاع بهم وذلك كسيدنا الجنيد بن محمد البغدادى شيخ الصوفية، الصوفية يعتبرونه مقدما بالتصوف، وكان رضى الله عنه من أهل القرن الثالث الهجرى، توفى رضى الله عنه فى أوائل القرن الرابع، ثم أيضا الشيخ عبد القادر الجيلانى الحنبلى والشيخ أحمد الرفاعى الشافعى رضى الله عنهما، فنال هذان من بين أولياء الله شهرة كبيرة فكثر الانتفاع بهما كما كثر الانتفاع بالجنيد رضى الله عنه. فالتصوف الحقيقى كان فى الصدر الأول فى عصر الصحابة. الخلفاء الأربعة كانوا صوفية لأن معنى الصوفى من كان عاملا بشريعة الله تبارك وتعالى وخالف هواه، من لا يتبع نفسه الهوى فى المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك يقتصر على القدر الذى يحفظ صحة جسده من المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك مع بذل الجهد فى عبادة الله تبارك وتعالى فى أداء الفرائض والإكثار من النوافل، هذا معنى الصوفى وهذا حال أكابر الصحابة الخلفاء الأربعة ومن سواهم، لذلك ألف الحافظ أبو نعيم الأصبهانى أحد المشاهير بين المحدثين أصحاب التأليف كتابه حلية الأولياء فبدأ بصوفية الصحابة ثم أتبعهم بصوفية التابعين ثم أتبعهم بصوفية أتباع التابعين إلى صوفية القرن الرابع الهجرى، وكان هو أى أبو نعيم توفى بعد انتهاء القرن الرابع ترجم الصوفية الذين هم من الصدر الأول والذين تبعوهم فى القرون التى بعدهم وذكر أن أناسا تظاهروا بمظهر الصوفية وليسوا منهم، بل قال إن منهم من هم من أهل عقيدة الحلول وذلك كما ذكر أبو نعيم ليس كل من انتسب إلى التصوف فى القديم والحديث ذلك الصوفى الذى هو من خيار عباد الله، ثم وجود هؤلاء الذين هم غير متحققين بالتصوف إنما يتشبهون بالصوفية لمآرب فى أنفسهم، وجود هؤلاء فيما بينهم لا ينقص من مرتبة أولئك الصادقين المتحققين فى التصوف، فحال الصوفية فى ذلك كحال العلماء، ليس كل واحد منهم تقيا بل منهم أتقياء ومنهم غير أتقياء، أما اسم الصوفى فلم يكن فى الصدر الأول لكن المعنى كان موجودا بل كان قبل ذلك موجودا، سيدنا عيسى عليه السلام تواتر أنه كان بعيدا من التنعم إلى حد كبير، عرف بأنه كان يأكل الشجر ويلبس الشعر ولم يتخذ مسكنا بل كان يبيت حيث يدركه المساء إما فى مسجد أو فى مكان غير ذلك، الزهد فى الدنيا هذه شيمة الصوفية المتحققين لأن الأنبياء كانوا هكذا، التنعم حلال إن كان بالمال الحلال ليس حراما لكن تركه أفضل.

     هكذا كان الأنبياء ثم تبعهم الأولياء على ذلك، ثم ثبت عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال اخشوشنوا وتمعددوا. معنى اخشوشنوا الزموا خشونة العيش أى لا تتنعموا، هذا معنى اخشوشنوا، وأما قوله وتمعددوا فهو التشبه بمعد بن عدنان أحد أجداد الرسول، كان من أجداد رسول الله الذين كانوا على الإسلام وكان ذا شهامة وملازمة لخشونة العيش.

     وسبحان الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وءاله وأصحابه الطيبين.