وأما الغائب الحي فإنه يدل على صحة سماعه خطاب من يناديه من بعيد قصة عمر رضي الله عنه في ندائه جيشه الذي بأرض العجم بقوله: يا سارية الجبل الجبل فسمعه سارية بن زنيم، وكان سارية قائد الجيش فانحاز بجيشه إلى الجبل فانتصروا، صححها الحافظ الدمياطي في جزء ألفه لهذه القصة، ووافقه الحافظ السيوطي على ذلك وحسنها الحافظ ابن حجر في الإصابة [1] وأوردها الحافظ الزبيدي في شرح القاموس [2] وقد أفرد القطب الحلبي لطرقه جزءا ووثق رجال هذا الطريق [3].
ونص الحافظ الزبيدي هو: “وسارية بن زنيم بن عمرو بن عبد الله بن جابر بن محمية بن عبد بن عدي بن الديل الخلجي الكناني الذي ناداه عمر رضي الله عنه على المنبر وسارية بنهاوند فقال يا سارية الجبل الجبل، فسمع صوته وكان يقاتل العدو فانحاز بهم إلى الجبل، فسلم من مكيدتهم، وهذه الكرامة ذكرها غير واحد من أصحاب السير، وقد ذكره ابن سعد وأبو موسى ولم يذكرا ما يدل له على صحبته لكنه أدرك، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. اهـ.
ومن الدليل على صحة سماع الغائب النداء من بعيد ما رواه الفاكهي أن ابن عباس قال: “قام إبراهيم على الحجر فقال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الآباء وأرحام النساء فأجابه من ءامن ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك”، صححه الحافظ ابن حجر [4]. وهذا الذي ثبت عن ابن عباس مما لا يقال بالرأي إلا بالتوقيف وهو مما عرف وانتشر عند المفسرين لمعنى قول الله تعالى: {وأذن في الناس بالحج} [سورة الحج/27]، فما أبعد عن الحق من يقول من هؤلاء نفاة التوسل عن الأنبياء والأولياء بعد موتهم إنهم كالجماد وقد بلغ بعضهم في الوقاحة إلى أن قال: النبي لا ينفع بعد موته، ومنهم من يقول لقاصد زيارة الرسول: ما تفعل بالعظم الرميم؟، حمانا الله تعالى من صنيع هؤلاء الذين ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يزعمون أنهم بهذا يكونون أقوى من غيرهم في توحيد الله، وكفاهم خزيا اعتقادهم في الرسول أنه عظم رميم لم يبق له إحساس ولا شعور.
الهوامش:
[1] الإصابة في تمييز الصحابة [2/2]، وأسد الغابة [2/244].
[2] تاج العروس في شرح القاموس فصل السين من باب الواو والياء.
[3] كشف الخفا [2/515].
[4] فتح الباري [3/406].