ادعى القرضاوي في مقابلة مع الجزيرة عام 1999 أن أحدا من الصحابة ولا من التابعين ولا واحد من الأئمة كان يقرأ الفاتحة على الأموات وإنما كان يدعو ويستغفر للأموات.
الجواب: اتفق أهل السنة على أن الأموات ينتفعون بدعاء المسلمين واستغفارهم لهم، وكذلك قراءة القرءان على القبر تنفع الميت، وقد استدل على قراءة القرءان على القبر بحديث العسيب الرطب الذي شقه النبي صلى الله عليه وسلم اثنين ثم غرس على قبر نصفا وعلى قبر نصفا وقال: “لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا” –رواه الشيخان [1]. ويستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرءان على القبور، وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرءان. قال النووي [2]: استحب العلماء قراءة القرءان عند القبر لهذا الحديث، لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد فتلاوة القرءان أولى والله أعلم” اهـ. فإن قراءة القرءان من إنسان أعظم وأنفع من التسبيح من عود، وقد نفع القرءان بعض من حصل له ضرر في حال الحياة، فالميت كذلك.
ومما يشهد لنفع الميت بقراءة غيره حديث معقل بن يسار: “اقرءوا يس على موتاكم”، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه [3]، هذا الحديث ضعفه بعضهم لكن صححه ابن حبان وسكت عنه أبو داود فهو حسن، وحسنه الحافظ السيوطي أيضا [4]، وحديث: “يس قلب القرءان لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءواها على موتاكم”، رواه أحمد [5].
وقال أحمد بن محمد المروذي: سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: “إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم” اهـ.
وأخرج الخلال في الجامع عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا مات لهم ميت اختلفوا إلى قبره يقرءون له القرءان.
فماذا يقول القرضاوي في هذا بعد أن ادعى أن أحدا من الصحابة ولا من التابعين ولا الأئمة كان يقرأ الفاتحة على الأموات؟!
وكذلك حديث البخاري [6] أن عائشة رضي الله عنها قالت: وا رأساه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك”، ومحل الشاهد في هذا الحديث قوله: “وأدعو لك” فإن هذه الكلمة تشمل الدعاء بأنواعه، فدخل في ذلك دعاء الرجل بعد قراءة شئ من القرءان لإيصال الثواب للميت بنحو قول: اللهم أوصل ثواب ما قرأت إلى فلان، وكذلك حديث أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي، قال: “ما شئت” الخ، رواه الترمذي [7].
وما شهر من خلاف الشافعي من قول: إن القراءة لا تصل إلى الميت، فهو محمول على غير ما إذا كانت القراءة مع الدعاء بالإيصال وبغير ما إذا كانت القراءة على القبر، فإن الشافعي أقر ذلك.
وذهب بعض أهل البدع إلى عدم وصول شئ البتة، لا الدعاء ولا غيره وقولهم مردود بالكتاب والسنة، واستدلالهم بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [سورة النجم/39] مدفوع بأنه لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، كما استثنيت الصدقة والحج عن الميت وإنما نفى ملك غير سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لسعيه، فإن شاء ببذله لغيره وإن شاء يبقيه لنفسه، وهو سبحانه وتعالى لم يقل إنه لم ينتفع إلا بما سعى. وعموم الآية مخصوص بغير ما ورد النص باستثنائه مما مر ذكره من صدقة ودعاء ونحو ذلك.
وهؤلاء النافون على الإطلاق هم المعتزلة، وكان الإمام أحمد بن حنبل أنكر على من يقرأ على القبر، ثم أبلغه أصحابه أثرا عن بعض الصحابة وهو ابن عمر فرجع عن رأيه.
فإن قيل: أليس في حديث: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث” دلالة على أن الميت لا ينفع غيره؟.
فالجواب: أنه ليس في الحديث الذي رواه ابن حبان [8]: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له” دلالة على أن الميت لا ينفع غيره، إذ أن الحديث نفى استمرار العمل التكليفي الذي يتجدد به للميت ثواب، أما أن ينفع غيره فغير ممنوع بدليل أن سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم قال لمحمد عليه الصلاة والسلام في حديث المعراج: “ارجع فسل ربك التخفيف” [9]، وهذا نفع كبير لأمة محمد كان بعد موت موسى بسنين عديدة.
فإن احتج مانعو التوسل بالأموات بقولهم: إنهم لا يسمعون وكذلك الحي الغائب، فلا معنى للتوسل بهم بأن يقال: يا رسول الله أغثني، أو أتوجه بك إلى الله ليقضي لي حاجتي، لأنه لا يسمع، وأما الحي الحاضر فيسمع. فيجاب بأنه لا مانع شرعا ولا عقلا من أن يسمع النبي أو الولي كلام من يتوسل به وهو في القبر، أما النبي فلأنه حي أحياه الله بعد موته كما ثبت من حديث أنس عن رسول الله أنه قال: “الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون” صححه البيهقي في جزء حياة الأنبياء [10]، وأورده الحافظ ابن حجر على أنه ثابت في فتح الباري [11] وذلك لما التزمه أن ما يذكره من الأحاديث شرحا أو تتمة لحديث في متن البخاري فهو صحيح أو حسن، ذكر ذلك في مقدمة الفتح [12]. ولأنه ثبت حديث: “ما من رجل مسلم يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا عرفه ورد عليه السلام”. صححه الحافظ عبد الحق الإشبيلي [13].
قال المناوي [14] في الصغير تعليقا على هذا الحديث ما نصه: “قال ابن الجوزي: حديث لا يصح، وقد أجمعوا على تضعيف عبد الرحمن بن زيد أي أحد رواته، وقال ابن حبان: يقلب الأخبار ولا يعلم حتى كثر ذلك في روايته واستحق الترك، وأفاد الحافظ العراقي أن ابن عبد البر خرجه في التمهيد والاستذكار بإسناد صحيح من حديث ابن عباس، وممن صححه عبد الحق بلفظ: “ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام” قلت: بل قال الحافظ في تهذيب التهذيب عن عبد الرحمن بن زيد العدوي: “قال ابن عدي: له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم، وهو ممن كتب حديثه” اهـ.
وعبارة الحافظ في شرح البخاري [15] في باب أحاديث الأنبياء ما نصه: “وقد جمع البيهقي كتابا لطيفا في “حياة الانبياء في قبورهم”، أورد فيه حديث أنس: “الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون”، أخرجه من طريق يحيى بن أبي كثير وهو من رجال الصحيح عن المتسلم بن سعيد، وقد وثقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الأسود وهو ابن أبي زياد البصري، وقد وثقه أحمد وابن معين عن ثابت عنه، واخرجه أيضا أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه وأخرجه البزار لكن وقع عنده عن حجاج الصواف وهو وهم، والصواب الحجاج الأسود كما وقع التصريح به في رواية البيهقي وصححه البيهقي” اهـ.
ثم قال الحافظ [16]: “قال البيهقي: وشاهد الحديث الأول ما ثبت في صحيح مسلم [17] من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رفعه: “مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره”، وأخرجه أيضا من وجه ءاخر عن أنس. فإن قيل هذا خاص بموسى، قلنا: قد وجدنا له شاهدا من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم [18] أيضا من طريق عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: “لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي” الحديث، وفيه: “وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة” وفيه: “وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم، فحانت الصلاة فأممتهم”. قال البيهقي: وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه لقيهم ببيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم ثم اجتمعوا في بيت المقدس. وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة الإسراء أنه لقيهم بالسموات، وطرق ذلك صحيحة، فيحمل على أنه رأى موسى قائما يصلي في قبره، ثم عرج به وهو ذكر من الأنبياء إلى السموات فلقيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اجتمعوا في بيت المقدس فحضرت الصلاة فأمهم نبينا صلى الله عليه وسلم. قال: وصلاتهم في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يرده العقل، وقد ثبت به النقل فدل ذلك على حياتهم.
قلت: وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النقل فإنه يقويه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرءان، والأنبياء من الشهداء. ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود [19] من حديث أبي هريرة رفعه وقال فيه: “وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم” سنده صحيح. وأخرجه أبو الشيخ في “كتاب الثواب” بسند جيد بلفظ: “من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته”، وعند أبي داود [20] والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره عن أوس رفعه في فضل يوم الجمعة: “فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي”، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: “إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء”.
ومما يشكل على ما تقدم ما أخرجه أبو داود من وجه ءاخر عن أبي هريرة رفعه [21]: “ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام” ورواته ثقات. ووجه الإشكال فيه أن ظاهره أن عود الروح إلى الجسد يقتضي انفصالها عنه وهو الموت، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة أحدها: أن المراد بقوله: “رد الله علي روحي” أن رد روحه كانت سابقة عقب دفنه لا أنها تعاد ثم تنزع ثم تعاد. الثاني: سلمنا، لكن ليس هو نزع موت بل لا مشقة فيه، الثالث: أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك، الرابع: المراد بالروح النطق فتجوز فيه من جهة خطابنا بما نفهمه، الخامس: أنه يستغرق في أمور الملإ الأعلى، فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه ليجيب من سلم عليه. وقد استشكل ذلك من جهة أخرى، وهو أنه يستلزم الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة، وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة، والله أعلم” انتهى كلام الحافظ بحروفه.
وروى البزار [22] في مسنده قال: “حدثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام”. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم يعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم”. قال البزار: لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد” اهـ.
وفي الألفاظ الواردة في السلام على أهل القبور دلالة على ذلك، وذلك في نحو قول الزائر: “السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر”، أخرجه الترمذي وحسنه [23]، وفي صحيح مسلم بلفظ [24]: “السلام عليكم دار قوم مؤمنين” الحديث، فلولا صحة سماع الميت لم يكن لهذا الخطاب معنى. ولا حجة في استدلال نفاة التوسل بقول الله تعالى: {وما أنت بمسمع من في القبور} [سورة فاطر/22]، فإنه مؤول لا يحمل على الظاهر والمراد به تشبيه الكفار بمن في القبور في عدم انتفاعهم بكلامه وهم أحياء، وليس المعنى أنه لا يحصل لأهل القبور سماع شئ من كلام الأحياء على الإطلاق للأخبار الصحيحة.
وكذلك يؤيد صحة سماع الموتى للأحياء ما قاله الحافظ اللغوي مرتضى الزبيدي في شرح الأحياء [25] ونصه: “وقال سعيد بن عبد الله الأودي من بني أود بن سعد العشيرة وفي بعض النسخ الأزدي، فإن كان كذلك فهو سعيد بن عبد الله بن ضرار بن الأزور، وضرار بن الأزور أسدي، ويقال في الأزدي الأسدي، وسعيد ضعيف كما تقدم: شهدت أبا أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه وهو في النزع فقال: يا سعيد إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “إذا ما مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب” –أي لا يستطيع الجواب- “ثم ليقل يا فلان ابن فلانة المرة الثانية فإنه يستوي قاعدا، ثم ليقل يا فلان ابن فلانة المرة الثالثة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تسمعون”، وفي لفظ: “لا تشعرون، فيقول” وفي لفظ: “فليقل له: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرءان إماما، فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما”، وفي لفظ: “يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه فيقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون الله عز وجل حجيجه دونهما”، وفي لفظ: “ولكن الله حجته دونهم”، فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه قال: “فلينسبه إلى حواء” أي فليقل: يا فلان ابن حواء. قال العراقي رواه الطبراني بسند ضعيف. اهـ. قلت: لعله لمكان سعيد بن عبد الله إن كان هو ابن ضرار فقد قال أبو حاتم إنه ليس بقوي نقله الذهبي، هكذا رواه الطبراني في الكبير وفي كتاب الدعاء وابن منده في كتاب الروح وابن عساكر والديلمي، ورواه ابن منده من وجه ءاخر عن أبي أمامة قال: إذا مت فدفنتموني فليقم إنسان عند رأسي فليقل يا صدي بن عجلان اذكر ما كنت عليه في الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ورواه ابن عساكر من وجه ءاخر عن أبي أمامة رفعه: “إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعدا، فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول له: أرشدني يرحمك الله، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله باعث من في القبور، فإن منكرا ونكيرا عند ذلك يأخذ كل واحد بيد صاحبه ويقول ثم ما تصنع عند رجل لقن حجته فيكون الله تعالى حجيجهما دونه” انتهى كلام الزبيدي.
وقال الحافظ الزبيدي في موضع ءاخر [26] ما نصه: “فصل: اتفق أهل السنة على أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته، والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع فيما يصل من ثواب الحج، فعن محمد بن الحسن أنه إنما يصل للميت ثواب النفقة والحج للحاج، وعند عامة أصحابنا ثواب الحج للمحجوج عنه وهو الصحيح، واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرءان والذكر فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها، وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شئ البتة لا الدعاء ولا غيره، وقوله مردود بالكتاب والسنة، واستدلاله بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [سورة النجم/39] مدفوع بأنه لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما نفى ملك غير سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه وتعالى لم يقل أنه لا ينتفع إلا بما سعى، ثم قراءة القرءان وإهداؤه له تطوعا بغير أجرة يصل إليه، أما لو أوصى بأن يعطى شئ من ماله لمن يقرأ القرءان على قبره فالوصية باطلة لأنه في معنى الأجرة كذا في الاختيار، والعمل الآن على خلافه فالأولى أن يوصي بنية التعلم والتعليم ليكون معونة لأهل القرءان فيكون من جنس الصدقة عنه فيجوز. ثم القراءة عند القبور مكروهة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية لأنه لم ترد به السنة. وقال محمد بن الحسن وأحمد في رواية لا تكره لما روي عن ابن عمر أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها” اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير [27] ما نصه: “قوله: ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن، فيقال: يا عبد الله يا ابن أمة الله، اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق، وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرءان إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، ورد به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. الطبراني عن أبي أمامة: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصنع بموتانا، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرءان إماما، فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته”، قال: فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال: “ينسبه إلى أمه حواء، يا فلان ابن حواء”، وإسناده صالح، وقد قواه الضياء في أحكامه” اهـ.
ومما يؤيد صحة سماع الموتى ما رواه البخاري [28] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب –قليب بدر- وفيه قتلى المشركين، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء ءابائهم: يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان، قال: “فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا”. قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم”. وروى البخاري أيضا عن أنس عن النبي [29] صلى الله عليه وسلم: “إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم”. فيقال للنفاة: النبي هو أفهم منكم ومن سائر الخلق بمعاني كتاب الله، فبعد هذا فقد انتسف تمويه ابن تيمية بقوله لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر.
وروى الترمذي [30] في سننه أن رجلا ضرب خباءه ليلا على قبر فسمع من القبر قراءة تبارك الذي بيده الملك إلى ءاخرها، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “هي المانعة هي المنجية”. حسنه السيوطي [31]. فإذا كان من على وجه الأرض عند القبر يسمع قراءة صاحب القبر، فأي مانع من أن يسمع صاحب القبر كلام من على وجه الأرض ولو كان في مسافة بعيدة من صاحب القبر بالنسبة لعباد الله الذين منحهم الله الكرامات.
الهوامش:
[1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوضوء: باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، ومسلم في صحيحه: كتاب الطهارة: باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه.
[2] شرح مسلم [3/202].
[3] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الجنائز: باب القراءة على الميت، والنسائي في عمل اليوم والليلة [ص/308]، وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر، وابن حبان في صحيحه انظر الإحسان [5/3].
[4] الجامع الصغير [1/200].
[5] أخرجه أحمد في مسنده [5/26].
[6] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المرضى والطب: باب قول المريض إني وجع.
[7] أخرجه الترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة: باب 23.
[8] صحيح ابن حبان، فصل في الموت وما يتعلق به من راحة المؤمن وبشراه وروحه وعمله والثناء عليه، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان [5/9].
[9] صحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات.
[10] حياة الأنبياء بعد وفاتهم رقم/15.
[11] فتح الباري [6/487].
[12] مقدمة فتح الباري [ص/4].
[13] إتحاف السادة المتقين [10/365]، فيض القدير [5/487]، العاقبة [ص/118].
[14] فيض القدير [5/487].
[15] فتح الباري [6/487].
[16] المصدر السابق.
[17] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب من فضائل موسى عليه السلام.
[18] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال.
[19] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب المناسك: باب زيارة القبور.
[20] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب في فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، والنسائي في سننه: كتاب الجمعة: باب إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وابن خزيمة في صحيحه [3/118].
[21] أخرجه أبو داود في سننه: كتاب المناسك: باب زيارة القبور.
[22] كشف الأستار [1/397]، وقال الحافظ الهيثمي في المجمع [9/24]: “رواه البزار ورجاله رجال الصحيح”.
[23] أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الجنائز: باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر.
[24] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها.
[25] إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين [10/368].
[26] إتحاف السادة المتقين [2/284].
[27] التلخيص الحبير [2/135].
[28] صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب قتل أبي جهل.
[29] رواه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم في صحيحه: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه.
[30] جامع الترمذي: كتاب فضائل القرءان: باب ما جاء في فضل سورة الملك.
[31] الجامع الصغير [2/56].