بيان حكم من يتلفظ بلفظ الكفر بغير سبق لسان وأنه يخرج من الإسلام إن كان غير مكره بالقتل ونحوه
اعلم أن الألفاظ قسمان: صريح ليس له إلا وجه واحد، وظاهر يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر أو هما متساويان؛ فمن نطق بالكفر الصريح وهو عامد أي بغير سبق اللسان وغير مكره وعالم بمعنى اللفظ فهذا يكفر سواء كان نطقه من باب السب لله أو للرسول أو لغيره من الأنبياء أو الملائكة أو سب شريعة الإسلام، أو من باب إنكار ما علم من الدين بالضرورة؛ ولا يدخله التأويل لأنه لو كان يدخله التأويل لتعطل تطبيق أحكام الردة وتلفظ من يشاء بما يشاء من الصريح ثم يقول كلامي له تأويل، وهذا باب من الفوضى كبير؛ فلا ينظر بعد كون اللفظ صريحا إلى قصد الشخص ولا إلى معرفته بحكم تلك الكلمة أنها تخرج من الإسلام.
أما أن الصريح لا يؤول، فقد ذكر ذلك غير واحد من الأصوليين، كما نقل ذلك عنهم إمام الحرمين الجويني وأقرهم على ذلك، ففي كتاب نهاية المحتاج ما نصه: “ونقل الإمام عن الأصوليين أن إضمار التورية أي فيما لا يحتملها كما هو واضح لا يفيد، فيكفر باطنا أيضا لحصول التهاون منه” اهــ.
وفي تفسير القرطبي عند تفسير قوله تعالى: يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى {70} [سورة الأنفال] إلى ءاخر الآية ما نصه: “قال علماؤنا إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا، وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا، إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر على دفعها فإن الله قد عفا عنها وأسقطها”اهــ.
وقال أيضا عند شرح قوله تعالى: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وءاياته ورسوله كنتم تستهزؤون {65} [سورة التوبة] ما نصه: “قال القاضي أبو بكر ابن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة”اهــ.
وقال الإمام حبيب بن الربيع وهو أحد كبار المالكية المتوسطين بين المتقدمين منهم والمتأخرين، وهو من أصحاب الوجوه الذين يستخرجون الأحكام بالاستنباط من نصوص الإمام مالك رضي الله عنه: “ادعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل”اهــ.
وفي الفتاوى الهندية ما نصه: “رجل كفر بلسانه طائعا وقلبه مطمئن بالإيمان يكون كافرا ولا يكون عند الله مؤمنا، كذا في فتاوى قاضيخان”اهــ.
وأما من نطق بكلام له معنيان أحدهما كفري والآخر ليس بكفري فهذا إذا لم يرد المعنى الكفري فلا يكفر، مثال ذلك أن يقول شخص: هذا خير من الله إذا رأى نعمة، كأن رأى عالما جليلا تقيا ناصحا للناس شفوقا عليهم، فإنه إن أراد أنه خير من عند الله فلا يكفر ولا بأس بذلك، وهذا فهم من ينطق بها غالبا، وإن أراد به أن ذلك العالم هو أفضل من الله فيكفر. ومثاله أيضا أن يقول الشخص: تكره الصلاة على النبي، فإن هذا اللفظ يحتمل من حيث اللغة أن قول اللهم صل على محمد مكروه وهذا كفر، ويحتمل أن الصلاة الشرعية مكروهة على الأرض المرتفعة المحدودبة، لأن النبي يطلق على الأرض المرتفعة المحدودبة فلا يكون كفرا ولو قال: تكره الصلاة على النبي محمد كفر كفرا صريحا لا يقبل التأويل لتعين المعنى الأول.
ثم إن الكفر الصريح يخرج قائله من الإسلام، سواء كان الشخص عالما بالحكم أم لا، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة وحسنه، وأقر الحافظ ابن حجر تحسينه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها في النار سبعين خريفا”. فأفهمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “لا يرى بها بأسا” أنه لا يشترط أن يكون الشخص عالما بحكم تلك الكلمة أنها تخرج من الإسلام. وروى البخاري ومسلم هذا الحديث عن أبي هريرة أيضا بلفظ: “إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب”.
فكلا الحديثين معناه أن العبد قد يتكلم بالكلمة الخبيثة المخرجة من الإسلام وهو لا يعرف أنها تخرج من الإسلام بل ولا يرى أنها معصية، وهذه المسافة المذكورة في الحديث نهاية قعر جهنم كما جاء في مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمعنا وجبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أتدرون ما هذا؟” قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: “هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها”.
فبعد هذا البيان الصريح من صاحب الشرع لا يعول على أي خلاف يخالفه، فقد قال الإمام المجتهد أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر: “إذا جاء الخبر ارتفع النظر”اهــ ومعناه إذا ثبت الحديث بطل الاجتهاد والرأي.
قال ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر ما نصه: “قال القونوي: ولو تلفظ بكلمة الكفر طائعا غير معتقد له يكفر لأنه راض بمباشرته وإن لم يرض بحكمه كالهازل به فإنه يكفر وإن لم يرض بحكمه ولا يعذر بالجهل”اهــ.
فالقول بالتكفير هو القول الصحيح الذي عليه الجمهور الموافق للنصوص الشرعية الصحيحة، وأما من خالف هذا فليس من أصحاب الوجوه أهل التخريج وليس من المحققين، واعتبار أي قول ممن ينسب إلى العلم إن خالف الصواب يؤدي إلى الفوضى، ودين الله ينزه عن الفوضى.
فمن قال إنه يعذر بجهله فقوله غير معتبر فاسد لأن العبرة بالدليل، وقائل هذا القول لم يأخذ كلامه هذا من أصول أئمة المذاهب، ولم ينقل عن أحد من حكام المسلمين الذين كانوا يحكمون بالردة على من تلفظوا بالألفاظ الكفرية ثم يجرون عليهم الحكم بالقتل أنهم كانوا يقولون للواحد من أولئك الأشخاص هل كنت عالما بالحكم أن هذا الكلام كفر أم لا، بل كانوا يطبقون عليه حكم الردة بمجرد اعترافه أو شهادة عدلين، فهذا القول مخالف للإجماع الفعلي فلا يعطى أدنى التفات، الله يعصمنا من الزلل المؤدي إلى مثل هذا الشذوذ. فلتحذف تلك المقالة التي يفهم منها المطالع الذي لا بصيرة له التعميم والإطلاق أي توهم أن الإنسان يعذر في كل كلمة كفرية إن كان يجهل أنها كفر، وهذا هدم للدين، وقد نص القاضي عياض وابن حجر وغيرهما على أنه لا يعذر بالجهل في الكفر.
وكذلك طوائف عديدة خرجوا من الإسلام وهم يزعمون أنهم مسلمون، وكفرهم الذي كفروا به صريح لا يتردد اثنان من أهل الحق أنهم كفار مع ظنهم بأنفسهم أنهم مسلمون، وهم طوائف عدة ذكروا بالتفصيل في كتب الفرق، كالحلاجية زعيمهم الحلاج الذي كان يكتب لأحدهم من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان، ويعتبرون ذلك حقا كما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في ترجمة الحلاج في تاريخ بغداد، ونقلوا عنه ألفاظ الوحدة المطلقة معتقدين بها، فأي حظ في الإسلام لأمثال هؤلاء. فيلزم على قول هؤلاء المتقولين أن كل هؤلاء الفرق لم يخرجوا من الإسلام، لأنهم لم يقصدوا الخروج منه إلى دين غيره، وإنما اجتهدوا فأخطئوا كما زعم سيد سابق في كتابه فقه السنة.
قال الإمام تقي الدين السبكي في فتاويه بعد ذكره لحديث: “من قال لأخيه المسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما، ومن رمى رجلا بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه” ما نصه: “أقول: هذا الحديث الصحيح الذي ذكرته قائم على الحكم على مكفر هؤلاء المؤمنين بالكفر وإن كان المكفر معتقدا – أي للإسلام – كاعتقاد الساجد للصنم أو ملقي المصحف في القاذورات ونحوه، لا ينجيه اعتقاده للإسلام من الحكم بكفره”اهــ.
وأما بعض الحنفية المنقول عنهم خلاف هذا ممن هم ليسوا من أهل التخريج بل هم من المتأخرين الذين لا ينظر إليهم في الإجماع والخلاف، ولا يؤخذ بقولهم إلا أن يكونوا نقلوا عن الإمام أو أصحاب الوجوه في المذهب فلا عبرة برأيهم هذا، فمنهم من قال مخالفا للإجماع: “إنه لا يجوز أن يتزوج من ليس حسنيا أو حسينيا من هي حسنية أو حسينية إلا إذا خشي عليها مفسدة” قلنا: إن الصحابة أجمعوا على تصويب عمر بن الخطاب في تزوجه ابنة علي الشريفة أم كلثوم، وقال بعضهم ممن هو أعلى منه مرتبة في العلم إنه يجوز الأكل في رمضان إلى طلوع الشمس، وهناك من قال بجواز وطء الجارية المملوكة بإباحة مالكها لغيره، فهل ينظر إلى مثل هذا الخلاف أم يقال هو خلاف كالعدم. فلا يدفع قول هؤلاء قول المجتهدين المنوط بهم الإجماع والاختلاف، كما قال أبو بكر الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه، فللعلماء مراتب والآراء والأقوال مراتب، وليس كل العلماء في مرتبة واحدة؛ فمن كان أسير التقليد في غير محله تاه في الحيرة.
ويكفي في رد هذا أنه مخالف لما قال الإمام المجتهد محمد بن الحسن فيمن قال لمن رءاه على معصية ظاهرة ألا تخاف الله فقال: لا أخافه. كفر ولا يمكن تأويله.اهــ. ولو كان جهل الشخص بحكم الكلمة أنها ردة عذرا لترك تكفيره ولم يقل هذا.
قال الحافظ تقي الدين السبكي في فتاويه: “ولا ينجيهم – أي الخوارج – اعتقاد الإسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك” نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ثم قال ابن حجر في الفتح ما نصه: “قلت وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب – يعني أحاديث الخوارج -: فيه الرد على قول من قال: لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما، فإنه مبطل لقوله في الحديث: “يقولون الحق ويقرءون القرءان ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشىء”، ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من ءاي القرءان على غير المراد منه”اهــ.
وقال أيضا: “وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام، وأن الخوارج شر الفرق المبتدعة من الأمة المحمدية ومن اليهود والنصارى. قلت: والأخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقا، وفيه منقبة عظيمة لعمر لشدته في الدين، وفيه أنه لا يكتفي في التعديل بظاهر الحال ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله”اهــ.
ثم قال الحافظ ما نصه: “قوله: وقول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان {106} [سورة النحل] وساق إلى {عظيم} هو وعيد شديد لمن ارتد مختارا، وأما من أكره على ذلك هو معذور بالآية لأن الاستثناء من الإثبات نفي فيقتضي أن لا يدخل الذي أكره على الكفر تحت الوعيد، والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر كما جاء من طريق أبي عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمارا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: “كيف تجد قلبك”؟ قال: مطمئنا بالإيمان، قال: “فإن عادوا فعد”، وهو مرسل ورجاله ثقات، أخرجه الطبري وقبله عبد الرزاق، وعنه عبد بن حميد، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في السند فقال عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار، عن أبيه وهو مرسل أيضا، وأخرج الطبري أيضا من طريق عطية العوفي عن ابن عباس نحوه مطولا وفي سنده ضعف، وفيه أن المشركين عذبوا عمارا وأباه وأمه وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما مولى أبي حذيفة فمات ياسر وامرأته في العذاب وصبر الآخرون، وفي رواية مجاهد، عن ابن عباس عند ابن المنذر أن الصحابة لما هاجروا إلى المدينة أخذ المشركون خبابا وبلالا وعمارا فأطاعهم عمار وأبى الآخرون فعذبوهما، وأخرجه الفاكهي من مرسل زيد بن أسلم، وأن ذلك وقع من عمار عند بيعة الأنصار في العقبة وأن الكفار أخذوا عمارا فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فجحدهم خبره فأرادوا أن يعذبوه فقال هو يكفر بمحمد وبما جاء به فأعجبهم وأطلقوه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وفي سنده ضعف أيضا.
وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن سيرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عمار بن ياسر وهو يبكي فجعل يمسح الدموع عنه ويقول: “أخذك المشركون فغطوك في الماء حتى قلت لهم كذا، إن عادوا فعد”، ورجاله ثقات مع إرساله أيضا، وهذه المراسيل تقوى بعضها ببعض، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق مسلم الأعور وهو ضعيف، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: “عذب المشركون عمارا حتى قال لهم كلاما تقية فاشتد عليه، الحديث، وقد أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان {106}، قال: أخبر الله أن من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله وأما من أكره بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه فلا حرج عليه إن الله إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم. قلت: وعلى هذا فالاستثناء مقدم من قوله فعليهم غضب {106} كأنه قيل فعليهم غضب من الله إلا من أكره لأن الكفر يكون بالقول والفعل من غير اعتقاد، وقد يكون باعتقاد فاستثني الأول وهو المكره”.اهــ.
ونقل الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي عن الإملاء على مشكلات الإحياء: “ومن كذب بقدرة الله تعالى وبما أوجد بها فقد كفر ولو لم يقصد الكفر، فإن أكثر اليهود والنصارى وسائر النحل ما قصدت الكفر إلا بظنها بأنفسها وهي كفار بلا ريب، وهذا وجه واضح قريب ولا يلتفت إلى ما مال إليه بعض من لا يعرف وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكم ولا الراسخين في العلم”اهــ.
وقال تقي الدين السبكي وهو ممن قيل ببلوغه درجة الاجتهاد: “إن إنكار القطعي كفر، ولا يشترط أن يعلم ذلك المنكر قطعيته ثم ينكر فيكون بذلك كافرا على ما يتوهمه الخائلون، بل يشترط قطعيته في الواقع”.اهــ.
وما أشاعه بعض الناس كسيد سابق عن مالك وبعض عن أبي حنيفة من أنه إذا كان في المسئلة تسعة وتسعون وجها بالتكفير ووجه واحد بترك التكفير فينبغي للمفتي ترك التكفير، ليس له مستند، والمذكور في بعض كتب الحنفية أن ذلك في اختلاف الروايات أي عن الإمام أو عن صاحبيه، لأن في الاصطلاح الفقهي أن الرواية هي ما كان عن صاحب المذهب، ثم من المعلوم عند الفقهاء أنه لا عبرة بكل خلاف إلا خلاف له حظ من النظر كما قال القائل:
وليس كل خلاف جاء معتبرا
إلا خلاف له حظ من النظر
وإلا لجاز للشخص ان يأكل ويشرب في رمضان إلى طلوع الشمس لوجود من قال به من المتقدمين، ولصح أيضا الأخذ بقول من قال: يجوز وطء الجارية المملوكة بإباحة مالكها لغيره، وكلا الأمرين لا شىء، ومن المعلوم أنه لا عبرة بالخلاف بعد الإجماع، فلا يظن ظان أن هذا من المسائل التي اختلف فيها.
أقول: المقرر في كتب الحنفية أن من تكلم بكلمة لها وجوه أي معان بعضها يقتضي الكفر وبعضها لا يقتضيه، حكم عليه بالوجه الذي لا يقتضي الكفر، إلا إذا قال أردت الوجه الآخر فليس للمفتي حينئذ أن يفتي إلا بالتكفير وأنه تبين منه امرأته. ومثل بعضهم لذلك بمن قال: “لا أريد الصلاة” قال: فإن أراد أنه لا يريد الصلاة لأنه قد صلى فلا يكفر، وكذلك إن أراد لا أصلي لقول من قال له صل يا فلان فلا يكفر أيضا، وإن قال لا أريد الصلاة لأنه متكاسل فلا يكفر أيضا، وإن أراد لا أصلي لأنها غير واجبة علي على وجه الإنكار لفرضيتها كفر، وعزا بعض الحنفية هذا إلى الإمام محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهما.
أقول: من جعل هذا الامر مطلقا فأراد أنه لا يكفر الشخص إذا تلفظ بألفاظ الكفر فقال واحد هذا كفر وقال ءاخر ليس بكفر وكان القائلون بتكفيره عددهم تسعة وتسعون وكان القائل بعدم تكفيره واحدا إنه يأخذ بقول الواحد مع كون الكلمة المختلف فيها لا تحتمل إلا معنى كفريا واحدا فقد افترى على دين الله وخرج من الإجماع.
وقد ذكر ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر ما نصه: “وقد ذكروا أن المسئلة المتعلقة بالكفر إذا كان لها تسعة وتسعون احتمالا للكفر واحتمال واحد في نفيه فالأولى للمفتي والقاضي أن يعمل بالاحتمال النافي” اهــ.
هذا هو المعروف الثابت عند الفقهاء وقد نقل معناه عن محمد بن الحسن في لفظ يحتمل أربعة معاني، وأما ما يقال إنه إذا كان في المسئلة تسعة وتسعون قولا بالتكفير وقول واحد بتركه أخذ بالقول الواحد فلا أصل له عن مالك ولا عن أبي حنيفة ولا عن واحد من الأئمة.