الخميس يناير 22, 2026

بيان حكم القتال الذي حصل بين الإمام علي ومعاوية وأن معاوية ومن معه بغوا

قال الله تعالى: يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم {59} [سورة النساء].

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية”، وفيه أيضا أنه جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: “إني لم ءاتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”.

وروى ابن حبان في صحيحه عن عرفجة بن صريح الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “سيكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد أن يفرق بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم جميع فاقتلوه كائنا من كان، فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يرتكض”.

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم”، قالوا: بلى، قال: “ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه”. قالوا: بلى، قال فأخذ بيد علي فقال: “من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه”. رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند.

الخارجون على الإمام علي بغاة:

ليعلم أن الذين قاتلوا عليا خرجوا عن طاعة الإمام، وهو أي سيدنا علي كان مأمورا بقتال من خرج عليه، فقد روى البزار والطبراني أنه قال: “أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين” .

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه التلخيص الحبير ما نصه: “قوله – أي الرافعي -: “ثبت أن أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة” هو كما قال، ويدل عليه حديث علي: “أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين” رواه النسائي في الخصائص، والبزار، والطبراني، والناكثين أهل الجمل لأنهم نكثوا بيعته، والقاسطين أهل الشام لأنهم جاروا عن الحق في عدم مبايعته، والمارقين أهل النهروان لثبوت الخبر الصحيح فيهم أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية” اهــ

وروى البيهقي في كتاب الاعتقاد بإسناده المتصل إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال: “وكل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في إمارته فهو باغ، على هذا عهدت مشايخنا وبه قال ابن إدريس  – يعني الشافعي – رحمه الله” اهــ

وفي كتاب أحكام القرءان للجصاص الحنفي تحت باب قتال أهل البغي ما نصه:

“وأيضا قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفئة الباغية بالسيف ومعه من كبراء الصحابة وأهل بدر من قد علم مكانهم، وكان محقا في قتاله لهم لم يخالف فيه أحد إلا الفئة الباغية التي قابلته وأتباعها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: “تقتلك الفئة الباغية”، وهذا خبر مقبول من طريق التواتر، حتى إن معاوية لم يقدر على جحده لما قال له عبد الله بن عمر، فقال: إنما قتله من جاء به فطرحه بين أسنتنا، رواه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الحجاز وأهل الشام، وهو علم من أعلام النبوة، لأنه خبر عن غيب لا يعلم إلا من جهة علام الغيوب” اهــ

ثم قال: “فإن قيل: قد جلس عن علي جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم سعد، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وابن عمر. قيل له: لم يقعدوا عنه لأنهم لم يروا قتال الفئة الباغية، وجائز أن يكون قعودهم عنه لأنهم رأوا الإمام مكتفيا بمن معه مستغنيا عنهم بأصحابه، فاستجازوا القعود عنه لذلك، ألا ترى أنهم قد قعدوا عن قتال الخوارج لا على أنهم لم يروا قتالهم واجبا لكنه لما وجدوا من كفاهم قتل الخوارج استغنوا عن مباشرة قتالهم؟.

فإن احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ستكون فتنة القائم فيها خير من الماشي والقاعد فيها خير من القائم” قيل له: إنما أراد به الفتنة التي يقتتل الناس فيها على طلب الدنيا وعلى جهة العصبية والحمية من غير قتال مع إمام تجب طاعته، فأما إذا ثبت أن إحدى الفئتين باغية والأخرى عادلة مع الإمام فإن قتال الباغية واجب مع الإمام ومع من قاتلهم محتسبا في قتالهم.

فإن قالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: “قتلته وهو قد قال لا إله إلا الله!” إنما يردد ذلك مرارا، فوجب أن لا يقاتل من قال لا إله إلا الله ولا يقتل.

قيل له: لأنهم كانوا يقاتلون وهم مشركون حتى يقولوا: لا إله إلا الله كما قال صلى الله عليه وسلم: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها”، فكانوا إذا أعطوا كلمة التوحيد أجابوا إلى ما دعوا إليه من خلع الأصنام واعتقاد التوحيد، ونظير ذلك أن يرجع البغاة إلى الحق فيزول عنهم القتال، لأنهم إنما يقاتلون على إقامتهم على قتال أهل العدل، فمتى كفوا عن القتال ترك قتالهم، كما يقاتل المشركون على إظهار الإسلام فمتى أظهروه زال عنهم، ألا ترى أن قطاع الطريق والمحاربين يقاتلون ويقتلون مع قولهم لا إله إلا الله؟.

باب ما يبدأ به أهل البغي

قال الله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما {9} [سورة الحجرات] قال أبو بكر: أمر الله عند ظهور القتال منهم بالإصلاح بينهما، وهو أن يدعو إلى الصلاح والحق وما يوجبه الكتاب والسنة والرجوع عن البغي. وقوله تعالى: فإن بغت إحداهما على الأخرى {9} [سورة الحجرات] يعني والله أعلم: إن رجعت إحداهما إلى الحق وأرادت الصلاح وأقامت الأخرى على بغيها وامتنعت من الرجوع فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله. فأمر تعالى بالدعاء إلى الحق قبل القتال، ثم إن أبت الرجوع قوتلت، وكذا فعل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بدأ بدعاء الفئة الباغية إلى الحق واحتج عليهم، فلما أبوا القبول قاتلهم” انتهى كلام الجصاص.

واعلم أن الشافعي أخذ مسائل البغاة من قتال علي رضي الله عنه، ففي كتاب مناقب الشافعي للبيهقي ما نصه: “قال يحيى: إني نظرت في كتابه – يعني الشافعي – في قتال أهل البغي فإذا قد احتج من أوله إلى ءاخره بعلي بن أبي طالب”. انتهى. أي بقتال علي لأهل البغي.

وفي فتح الجواد لابن حجر الهيتمي الشافعي ما نصه: “وقد قال الشافعي رضي الله عنه: أخذت أحكام البغاة من قتال علي لمعاوية” اهــ

ذكر ندم بعض من لم يشارك عليا في القتال:

وقد ورد عن بعض ممن هم من أكابر الصحابة ممن قاتلوا عليا وممن لم ينصروه في قتاله الرجوع عن ذلك. فقد صح عن ابن عمر أنه ندم لعدم خروجه للقتال مع علي، قال القرطبي في التذكرة: “وربما ندم بعضهم على ترك ذلك كعبد الله بن عمر فإنه ندم على تخلفه عن نصرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال عند موته: “ما ءاسى على شىء ما ءاسى على تركي قتال الفئة الباغية” يعني فئة معاوية، وهذا هو الصحيح أن الفئة الباغية إذا علم منها البغي قوتلت” اهــ

 صاحب العقد الثمين: “وقد ندم على التخلف عن علي رضي الله عنه في حروبه غير واحد من كبار السلف، كما روي من وجوه عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر أنه قال: “ما ءاسى على شىء إلا أني لم أقاتل مع أهلي مع علي أهل الفئة الباغية” اهــ

وقال الشعبي: “ما مات مسروق حتى تاب إلى الله تعالى عن تخلفه عن القتال مع علي” اهــ

قال ابن عبد البر بعد ذكره لهذين الأثرين: “ولهذه الأخبار طرق صحاح قد ذكرناها في موضعها” اهــ

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: “ما وجدت في نفسي من شىء من أمر هذه الآية – يعني وإن طائفتان {9} [سورة الحجرات] –  إلا ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى”، قال الحاكم: “هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه” ووافقه الذهبي.

ندم طلحة وعائشة والزبير رضي الله عنهم:

ذكر الحافظ ابن حجر في المطالب العالية أن صاحبي علي رضي الله عنه عبد الله بن الكواء وابن عباد سألاه عن طلحة والزبير قالا: “فأخبرنا عن ملك هذين الرجلين (يعنيان طلحة والزبير) صاحباك في الهجرة وصاحباك في بيعة الرضوان وصاحباك في المشورة: فقال: بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة”. اهــ وعزاه لإسحاق بن راهويه، قال الحافظ البوصيري: “رواه إسحاق بسند صحيح” اهــ

وروى الحاكم في المستدرك عن رفاعة بن إياس الضبي عن أبيه عن جده قال: “كنا مع علي يوم الجمل فبعث إلى طلحة بن عبيد الله أن القني، فأتاه طلحة فقال: نشدتك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم يقول: “من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه”، قال: نعم، قال: فلم تقاتلني؟ قال: لم أذكر، قال: فانصرف طلحة”. اهــ ثم قتله وهو منصرف مروان بن الحكم، وكان في حزبه كما ذكر الحاكم في المستدرك، وصاحب العقد الثمين، وابن سعد في الطبقات وغيرهم. وروى الحديث الحافظ ابن حجر في المطالب العالية.

وذكر الباقلاني في كتاب تمهيد الأوائل: “أن طلحة قال لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه: “امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين” اهــ كما ذكر الحاكم في المستدرك عن ثور بن مجزأة قال: “مررت بطلحة ابن عبيد الله يوم الجمل وهو صريع في ءاخر رمق فوقفت عليه فرفع رأسه فقال: إني لأرى وجه رجل كأنه القمر ممن أنت، فقلت: من أصحاب أمير المؤمنين علي فقال: ابسط يدك أبايعك فبسطت يدي وبايعني ففاضت نفسه فأتيت عليا فأخبرته بقول طلحة فقال: الله أكبر، الله أكبر، صدق رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم، أبى الله أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه” اهــ

قال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: “كان مروان مع طلحة والزبير يوم الجمل فلما شبت الحرب قال: لا أطلب بثأري بعد اليوم فرمى طلحة بسهم فأصاب ركبته فمات منه” اهــ

ثم قال: “قلت: قال ابن سعد أخبرني من سمع أبا جناب الكلبي يقول: حدثني شيخ من كلب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: لولا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه قتل طلحة ما تركت أحدا من ولد طلحة إلا قتلته بعثمان، وقال الحميدي في النوادر عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن مروان، قال: دخل موسى بن طلحة على الوليد فقال له الوليد: ما دخلت علي قط إلا هممت بقتلك لولا أن أبي أخبرني أن مروان قتل طلحة، وقال أبو عمر بن عبد البر: لا تختلف العلماء الثقات في أن مروان قتل طلحة” اهــ

وروى ابن سعد في الطبقات ست روايات يثبت بها أن مروان هو قاتل طلحة.

وثبت أيضا ندم عائشة رضي الله عنها على ما فعلت، وهو أنها مكثت في المعسكر الذي كان ضد علي مع كونها لم تخرج بنية قتاله ولم تقاتله.

قال الباقلاني في كتاب تمهيد الأوائل ما نصه: “ومنهم من يقول إنهم تابوا من ذلك، ويستدل برجوع الزبير وندم عائشة إذا ذكروا لها يوم الجمل وبكائها حتى تبل خمارها وقولها: “وددت أن لو كان لي عشرون ولدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم مثل عبد الرحمن بن الحبرث بن هشام وأني ثكلتهم ولم يكن ما كان مني يوم الجمل”، وقولها: “لقد أحدقت بي يوم الجمل الأسنة حتى صرت على البعير مثل اللجة”. وأن طلحة قال لشاب من عسكر علي وهو يجود بنفسه: “امدد يدك أبايعك لأمير المؤمنين”، وما هذا نحوه، والمعتمد عندهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “عشرة من قريش في الجنة” وعد فيهم طلحة والزبير، قالوا: ولم يكن ليخبر بذلك إلا عن علم منه بأنهما سيتوبان مما أحدثاه ويوافيان بالندم والإقلاع” اهــ وذكر مثله الحافظ البيهقي في كتاب دلائل النبوة.

وقال الحافظ الذهبي في سيره: “ولا ريب أن عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورها يوم الجمل وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ، فعن عمارة بن عمير عمن سمع عائشة إذا قرأت: وقرن في بيوتكن {33} [سورة الأحزاب] بكت حتى تبل خمارها”. اهــ

وذكر مثل ذلك القرطبي وأبو حيان في تفسيره، قال: “وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية – يعني ءاية يا نساء النبي {32} [سورة الأحزاب] – بكت حتى تبل خمارها، تتذكر خروجها أيام الجمل تطلب بدم عثمان” اهــ

وروى البيهقي في دلائل النبوة ما نصه: “عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خروج بعض نسائه أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال: “انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت”، ثم التفت إلى علي فقال: “يا علي إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها” اهــ

وفيه بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: “لوددت أني مت وكنت نسيا منسيا” اهــ

وروى البخاري وأحمد والبيهقي في الدلائل أيضا عن الحكم قال: سمعت أبا وائل قال: لما بعث علي عمارا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته – يعني زوجة النبي صلى الله عليه وسلم – في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها. اهــ

وروى ابن سعد في الطبقات بسنده قال: “أخبرنا الفضل بن دكين، حدثنا عيسى بن دينار قال: سألت أبا جعفر عن عائشة فقال: استغفر الله لها، أما علمت ما كانت تقول: يا ليتني كنت شجرة يا ليتني كنت حجرا يا ليتني كنت مدرة، قلت: وما ذاك منها، قال: توبة” اهــ

وقال الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء ما نصه: قال محمود بن محمد: حدثنا الميمون، حدثنا سريج بن يونس، حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي قال: حضرت عائشة رضي الله عنها فقالت: إني قد أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثا ولا أدري ما حالي عنده، فلا تدفنوني معه فإني أكره أن أجاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أدري ما حالي عنده، ثم دعت بخرقة من قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ضعوا هذه على صدري وادفنوها معي لعلي أنجو بها من عذاب القبر” انتهى كلام الزبيدي.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناده عن عائشة أنها قالت: “وددت أني كنت غصنا رطبا ولم أسر مسيري هذا”.

وروى ابن سعد أن عائشة رضي الله عنها قالت عند وفاتها: “إني قد أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فادفنوني مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم”.

أما عن ندم الزبير رضي الله عنه، فقد روى الحاكم في المستدرك عن قيس بن أبي حازم قال: قال علي للزبير: “أما تذكر يوم كنت أنا وأنت في سقيفة قوم من الأنصار فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتحبه”؟ فقلت: ما يمنعني؟ قال: “أما إنك ستخرج عليه وتقاتله وأنت ظالم” قال: فرجع الزبير”. اهــ

وفي رواية للحاكم أن عليا قال له: “أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “تقاتله وأنت له ظالم”، فقال: لم أذكر، ثم مضى الزبير منصرفا”. اهــ

ورواه أبو يعلى بنحوه “قال علي للزبير: أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنك تقاتل وأنت ظالم لي”؟ قال: نعم، ولم أذكر إلا في موقفي هذا، ثم انصرف”.

قال صاحب العقد الثمين: “وكان الزبير رضي الله عنه قد انصرف عن القتال نادما” اهــ

وذكر الحاكم أنه لما انصرف الزبير يوم الجمل قتله ابن جرموز، فقال علي للآذن لما استأذن قاتل الزبير بالدخول عليه ومعه رأس الزبير: “بشر قاتل ابن صفية بالنار” اهــ ورواه ابن سعد في الطبقات بنحوه، وصححه الحافظ ابن حجر.

وقال الإمام أبو منصور البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق ما نصه: “وقالوا – أي أهل السنة – بإمامة علي في وقته، وقالوا بتصويب علي في حروبه بالبصرة وبصفين وبنهروان، وقالوا بأن طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال علي، لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد منصرفه من الحرب، وطلحة لما هم بالانصراف رماه مروان بن الحكم وكان مع أصحاب الجمل بسهم فقتله” اهــ

ثم قال: “وقالوا: إن عائشة رضي الله عنها قصدت الإصلاح بين الفريقين، فغلبها بنو ضبة والأزد على رأيها، وقاتلوا عليا دون إذنها حتى كان من الأمر ما كان” اهــ

وقال في كتاب أصول الدين ما نصه: “أجمع أصحابنا على أن عليا رضي الله عنه كان مصيبا في قتال أصحاب الجمل، وفي قتال أصحاب معاوية بصفين، وقالوا في الذين قاتلوه بالبصرة: إنهم كانوا على الخطإ، وقالوا في عائشة وفي طلحة والزبير: إنهم أخطؤوا ولم يفسقوا، لأن عائشة قصدت الإصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة وبنو الأزد على رأيها، فقاتلوا عليا فهم الذين فسقوا دونها. وأما الزبير فإنه لما كلمه علي يوم الجمل عرف أنه على الحق فترك قتاله وهرب من المعركة راجعا إلى مكة، فأدركه عمرو بن جرموز بوادي السباع فقتله وحمل رأسه إلى علي فبشره علي بالنار. وأما طلحة فإنه لما رأى القتال بين الفريقين هم بالرجوع إلى مكة فرماه مروان بن الحكم بسهم فقتله، فهؤلاء الثلاثة بريئون من الفسق، والباقون من أتباعهم الذين قاتلوا عليا فسقة، وأما أصحاب معاوية فإنهم بغوا، وسماهم النبي صلى الله عليه وسلم بغاة في قوله لعمار: “تقتلك الفئة الباغية” ولم يكفروا بهذا البغي” اهــ

وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب الإمامة: “وأجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلمين على أن عليا كرم الله وجهه مصيب في قتاله لأهل صفين، كما قالوا بإصابته في قتال أصحاب الجمل وقالوا أيضا بأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له ولكن لا يجوز تكفيرهم ببغيهم” اهــ