الخميس يناير 29, 2026

بيان حكم الضرب على الدف وأنه جائز

روى البخاري في صحيحه([1]) عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ: «يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو».

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه([2]): «في رواية شريك، فقال: «فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني» قلت: تقول ماذا قال: «تقول:

أتيناكم أتيناكم
ولولا الذهب الأحمـ
ولولا الحنطة السمرا

 

 

فحيانا وحياكم
ـر ما حلت بواديكم
ء ما سمنت عذاريكم»

 

 وروى الترمذي([3]) وابن حبان([4]): أن النبي ﷺ لما رجع المدينة من بعض مغازيه جاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف فقال لها: «إن كنت نذرت فأوفي بنذرك».

وأما من قال جوازه خاص بالنساء فقوله مردود، لأن إباحته عامة للرجال والنساء، والتخصيص بالنساء لا يشهد له العرف ولا الشرع، لأن أهل اليمن مشهور عندهم أن الرجال يضربون به وكذلك أهل بر الشام الصوفية، وأهل الذكر ذلك دأبهم.

روى مسلم في صحيحه([5]) من حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان([6]) من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث([7]) قالت: وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا».

ورواه النسائي([8]) بلفظ: «دعهما يا أبا بكر إنها أيام عيد”، هي أيام منى ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة، فضربت الجاريتان بالدف عند رسول الله ﷺ وهو يسمع. وقوله ﷺ: «دعهما يا أبا بكر» من أقوى دليل على حل الضرب بالدف، ولهذا نحن نوافق من صحح حله مطلقا في العرس والختان وغيرهما. والجمهور لم يفرقوا بين الرجال والنساء، وفرق الحليمي([9]) ضعيف لأن الأدلة لا تقتضيه.

أما حل ضرب النساء له فمحقق وكذا سماع الرجال كذلك، كما صح في هذه الأحاديث.

وأما ضرب الرجال فالأصل اشتراك الذكور والإناث في الأحكام إلا ما ورد الشرع فيه بالفرق، ولم يرد هنا في ذلك شيء، وليس ذلك مما يختص بالنساء حتى يقال إنه يحرم على الرجال التشبيه بهن فبقي على العموم.

قال الغزالي في «إحياء علوم الدين»([10]) ما نصه: «العارض الثاني في الآلة بأن تكون من شعائر أهل الشرب أو المخنثين وهي المزامير والأوتار وطبل الكوبة فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدف وإن كان فيه الجلاجل وكالطبل والشاهين» اهــ.

وفي الترمذي([11]) وسنن ابن ماجه([12]) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: «أعلنوا هذا النكاح وافعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدف»، وفيه إيماء إلى جواز ضرب الدف في المساجد لأجل ذلك فعلى تسليمه يقاس به غيره».

وقال ابن حجر الهيتمي في كتاب «فتح الجواد بشرح الإرشاد»([13]) ما نصه: «ويباح الدف وإن كان فيه نحو جلاجل لرجل وامرأة ولو بلا سبب» اهــ.

 

([1]) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة.

([2]) فتح الباري (9/226).

([3]) جامع الترمذي: كتاب المناقب: باب في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.

([4]) صحيح ابن حبان: كتاب النذور: باب ذكر الخبر الدال على إباحة قضاء الناذر نذره إذا لم يكن بمحرم عليه، انظر: «الإحسان» (6/286 و287).

([5]) صحيح مسلم: كتاب صلاة العيدين: باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد.

([6]) الجارية في اللغة الفتاة حرة كانت أو أمة.

([7]) هو من أيام الأوس والخزرج بين المبعث والهجرة وكان الظفر للأوس.

([8]) أخرجه النسائي في سننه: كتاب صلاة العيدين: باب الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد.

([9]) المنهاج في شعب الإيمان (3/19).

([10]) إتحاف السادة المتقين (6/502).

([11]) جامع الترمذي: كتاب النكاح: باب ما جاء في إعلان النكاح.

([12]) سنن ابن ماجه: كتاب النكاح: باب إعلان النكاح.

([13]) فتح الجواد بشرح الإرشاد (2/406).