الأربعاء يناير 28, 2026

بيان حكم التعطر والزينة للمرأة وفيه تفصيل

اعلم أن خروج المرأة متزينة أو متعطرة مع ستر العورة مكروه تنزيها دون الحرام، ويكون حراما إذا قصدت المرأة بذلك التعرض للرجال، أي: إذا قصدت فتنتهم.

روى ابن حبان([1]) والحاكم([2])، والنسائي([3]) والبيهقي([4]) في باب ما يكره للنساء من الطيب، وأبو داود([5]) عن أبي موسى الأشعري مرفوعا: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية([6])».

وأخرج الترمذي([7]) في باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة من حديث أبي موسى الأشعري أيضا مرفوعا: «كل عين زانية([8])، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا» يعني: زانية اهــ.

فهذه الرواية الأخيرة مطلقة، ورواية: «ليجدوا ريحها» مقيدة، ومخرج الكل واحد، فيحمل المطلق على المقيد عملا بالقاعدة التي جرى عليها الجمهور من حمل المطلق على المقيد تحاشيا لما يترتب على العكس من الخروج عن إجماع الأئمة، فإنه لم يقل أحد منهم بحرمة خروج المرأة متطيبة على الإطلاق، وهذا الحمل موافق لحديث عائشة الذي رواه أبو داود([9]) في سننه أنها قالت: «كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمخ جباهنا بالسك([10]) المطيب للإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها». والرسول ونساؤه كانوا يحرمون بذي الحليفة وهي على بضعة أميال من المدينة.

والحديث الأول رواه النسائي، والبيهقي في باب ما يكره للنساء من الطيب لأنه لم يفهما منه تحريم خروج المرأة متعطرة إلا الكراهة التنزيهية، لأن الكراهة إذا أطلقت فيراد بها عند الشافعيين الكراهة التنزيهية، ومن المعلوم أن البيهقي كان شافعي المذهب، ومثل الشافعية الحنابلة والمالكية فإنهم يريدون بالكراهة عند إطلاقها الكراهة التنزيهية، أما الحنفية فيريدون بها غالبا ما يأثم فاعله.

فالقائل بحرمة خروج المرأة متعطرة على الإطلاق ماذا يفعل بهذا الحديث، وهو صحيح لم يضعفه أحد من الحفاظ، ولا عبرة بمن ليس له مرتبة الحفظ كما هو مقرر في كتب المصطلح.

وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن خزيمة([11]) وفيه أنه مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: «أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: تطيبت لذلك؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل» فلم يصححه أحد من الحفاظ، وإن ابن خزيمة الذي أخرجه قال فيه: «إن صح الخبر»، بالمعنى الشامل للصحيح والحسن لأنه لا يفرق بين الحسن والصحيح.

أما قول ابن حجر الهيتمي([12]) بعد قول ابن خزيمة إن صح الخبر «أي إن صح هذا الحديث وقد صح» فلا حجة فيه لأنه لم ينقل هذا التصحيح عن حافظ معتبر كابن حجر العسقلاني وهو أي: ابن حجر الهيتمي ليس من الحفاظ فلا عبرة بقوله إذا خالف قول حافظ، فلا يجوز الخروج عن ظواهر تلك الأحاديث أي إلغاء العمل بها كحديث عائشة الذي سبق ذكره والذي هو أقوى إسنادا من حديث أبي هريرة من أجل هذا الحديث الذي لم يصححه مخرجه ابن خزيمة؛ بل يجمع بينهما فيقال لو صح هذا الحديث فليس فيه تحريم خروجها متعطرة وإنما فيه أن صلاتها في هذه الحال في المسجد لا تكون مقبولة.

 

ومن المعلوم أن كثيرا من الكراهات تمنع القبول أي الثواب مع كون العمل جائزا وانتفاء المعصية، مثال ذلك ترك الخشوع في الصلاة فإن الصلاة تصح بدون الخشوع مع عدم المعصية والقبول أي لا ثواب فيها؛ ونظير هذا الحديث حديث ابن عباس رفعه: «من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر»، قالوا: وما العذر قال: «خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى»، رواه أبو داود([13]) والحاكم([14]) والبيهقي([15]) وغيرهم.

ووجه الاستدلال بالحديث: أنه كما لا يفهم منه أن كل إنسان يتخلف عن الحضور إلى الجماعة حيث ينادى بالأذان وصلى في بيته يكون عاصيا، كذلك لا يقصد بحديث أبي هريرة أن التي خرجت متطيبة إلى المسجد تكون عاصية بمجرد خروجها، إنما يفهم منه أن ذهابها إلى المسجد مكروه كما أن الذي لم يذهب إلى موضع الأذان يكون بترك حضوره الجماعة حيث الأذان ينادى به قد فعل فعلا مكروها. على أن حديث أبي هريرة هذا ليس في مطلق التطيب بل في شدة رائحة الطيب لأن هذا معنى العصف كما هو معروف في اللغة، ومن ظن أنه لمطلق ريح الطيب فهذا جهل منه باللغة.

وأما حديث: «لا تمنعوا إماء الله من مساجد الله ولكن ليخرجن تفلات»([16])، فلا يفيد إلا الكراهة التنزيهية لمن تذهب إلى المسجد وهي متطيبة.

فيعلم مما تقدم أن ما جاء في الحديث لا يحرم خروج المرأة متعطرة على الإطلاق وإنما يحرمه إذا قصدت التعرض للرجال.

تتمة: التبس الأمر على بعض الناس فظنوا أن هذه الآية {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: 31] إلى ءاخر الآية، يراد بها تحريم الزينة على النساء في غير حضرة الزوج والمحارم النساء، متوهمين أن الزينة هي الزينة الظاهرة باللباس والحلي فقد وضعوا الآية في غير موضعها، والأمر الصحيح أن المراد بالآية كشف الزينة الباطنة من الجسد وهو ما سوى الوجه والكفين، والقدمين عند بعض الأئمة، بخلاف الزينة المستثناة في ءاية {إلا ما ظهر منها} فإن الله تعالى أباح كشف الوجه للحرة وغيرها، والحاصل: أن الزينة في الموضعين بدن المرأة.

 

([1]) صحيح ابن حبان: كتاب الحدود: باب ذكر وصف زنى الأذن والرجل وما يعملان مما لا يحل، انظر: «الإحسان» (6/301).

([2]) المستدرك: كتاب التفسير (2/396).

([3]) سنن النسائي: كتاب الزينة: باب ما يكره للنساء من الطيب.

([4]) السنن الكبرى (3/246).

([5]) سنن أبي داود: كتاب الترجل: باب ما جاء في المرأة تتطيب للخروج.

([6]) أي: شبيهة بالزانية عاصية بعملها مقدمة من مقدمات الزنى، ما يجر إلى الزنى، وليس معناه أنها كالتي زنت بالفعل.

([7]) جامع الترمذي: كتاب الأدب: باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

([8]) معناه أغلب البشر يقعون في معصية النظر بشهوة المحرم.

([9]) سنن أبي داود: كتاب المناسك: باب ما يلبس المحرم.

([10]) نوع من الطيب.

([11]) رواه ابن خزيمة في صحيحه (3/92).

([12]) الزواج عن اقتراف الكبائر (2/45).

([13]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب في التشديد في ترك الجماعة.

([14]) المستدرك (1/246).

([15]) السنن الكبرى (3/75).

([16]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، وابن حبان في صحيحه. انظر: الإحسان (3/316).