الخميس يناير 29, 2026

بيان حكم اختلاط الرجال بالنساء وفيه تفصيل

اعلم أنه لا ينبغي الغلو في الدين بل يجب الاعتدال فلا يجوز تحليل ما حرم الله ولا تحريم ما أحل الله قال الله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} [المائدة: 77]، وقال رسول الله ﷺ لابن عباس رضي الله عنه في الحج بمزدلفة: «هات القط لي»، فالتقط له حصى مثل حصى الخذف قال له رسول الله: «بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»([1]).

ثم إن بعض الناس غلوا بمسألة اجتماع الرجل بالنساء في هذا الزمن في بعض البلاد فحرموا ما لم يحرم الله وهو مجرد اجتماع الرجال بالنساء من غير خلوة ومن غير تلاصق ومن غير كون النساء كاشفات الرؤوس، وليس لهم دليل في ذلك إلا اتباع الهوى.

ثم اختلاط الرجال بالنساء هو على وجهين، وجه جائز ووجه محرم، والوجه الجائز هو الاختلاط بدون تلاصق بالأجسام ولا خلوة محرمة، والوجه المحرم ما يكون فيه تلاصق وتضام.

وروى البخاري([2]) ومسلم([3]) والترمذي([4]) والنسائي([5]) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي([6]) ﷺ، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ: «من يضم([7])» أو «يضيف هذا»، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ، فقالت ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين([8])، فلما اصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: «ضحك الله الليلة» أو «عجب من فعالكما([9])» فأنزل الله: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}([10]) [الحشر: 9].

وضحك هنا بمعنى رضي وليس كضحك البشر، وهذا نص صريح صحيح في أن الصحابي جلس هو وزوجته مع الضيف كما يجتمع الأكلة على الطعام من التقارب، وقد أقر رسول الله ﷺ ذلك.

وفي «شرح النووي على المهذب»([11]) ما نصه: «اختلاط النساء بالرجال إذا لم يكن خلوة ليس بحرام» اهـ.

ويدل لقول النووي حديث ابن عباس أن الرسول قال للنساء عند المبايعة: «إنما أنبئكن عن المعروف الذي لا تعصينني فيه أن لا تخلون بالرجال وحدانا ولا تنحن نوح الجاهلية»، رواه الحافظ ابن جرير الطبري.

ونص فقهاء المالكية على أن المعصية تنتفي بالتعدد أي باختلاء رجلين مع امرأة واحدة أو امرأتين مع رجل واحد، وإنما حرم رسول الله خلوة رجل أجنبي بامرأة واحدة، وسمح في اجتماع رجلين أو أكثر بامرأة، قال رسول الله ﷺ: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»، وهذا الحديث صحيح رواه الترمذي([12]).

وقال رسول الله ﷺ: «لا يدخلن رجل على مغيبة إلى ومعه رجل أو رجلان» رواه مسلم([13]) وغيره([14]). والـمغيبة هي المرأة التي زوجها غائب([15]).

وفي هذا الحديث دليل على أنه إذا خلت واحدة برجلين أو أكثر ليس حراما، وكذلك إذا خلا رجل واحد بامرأتين فأكثر. وهذا الحكم مطلق يشمل اجتماع الرجال بالنساء على هذا الوجه الذي دل الحديث على جوازه إن كان الاجتماع لأمر دنيوي لا معصية فيه أو لأمر ديني كتعلم علم الشرع أو للذكر إن كن مغطيات رؤوسهن وما سوى ذلك مما هو عورة. فمن خالف ذلك وحرم اجتماع النساء عند رجل لتعلم علم الدين فالويل له لأنه حرم ما لم يحرم الله، فكيف يحرم هذا وقد ثبت في كتب الحديث أن النساء كن يصلين مع رسول الله صلاة الجماعة ثم ينصرفن، وكن يقفن في الصف الذي بعد صف الرجال ولم يكن يمد ستار بين صف الرجال وصف النساء بل كان مكشوفا، وكذلك ورد في «صحيح البخاري»([16]) أن الرسول كان يأمر بخروج النساء لصلاة العيد إلى المصلي وهو مكان بالمدينة قريب من المسجد، كانت الشابات يحضرن ليصلين العيد خلف الرسول في ذلك المصلى والحيض يعتزلن المصلى ليشهدن الخير. وفي «صحيح البخاري» أيضا: «باب موعظة الإمام النساء يوم العيد».

ولم يزل من عادات المسلمين في البلاد الكبيرة أن بعض العلماء كان يخص النساء بدرس في جانب من المسجد.

فاتقوا الله أيها المحرمون لتدريس الرجل النساء علم الدين بغير دليل شرعي، واعلموا أن كلامكم الذي تقولونه يكتب عليكم، يقول الله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هـذا حلال وهـذا حرام} [النحل: 116] واذكروا قوله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18] فعليكم أن تحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وإلى الله المرجع والمآب.

 

([1]) أخرجه النسائي في سننه: كتاب المناسك: باب التقاط الحصى.

([2]) صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصار: باب قول الله عز وجل: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}، والتفسير: باب تفسير: {ويؤثرون على أنفسهم} من سورة الحشر.

([3]) صحيح مسلم: كتاب الأشربة: باب إكرام الضيف وفضل إيثاره.

([4]) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب تفسير القرءان: ومن سورة الحشر بنحوه، وقال: حديث حسن صحيح.

([5]) سنن النسائي الكبرى: كتاب التفسير: باب قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم} بنحوه.

([6]) أي: نزل به ضيفا.

([7]) أي: من يجمعه إلى نفسه في الأكل.

([8]) أي: بغير عشاء.

([9]) ضحك وعجب هنا بمعنى رضي.

([10]) أي: يؤثر الأنصار المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم ولو كان بهم فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون به.

([11]) المجموع شرح المهذب (4/484).

([12]) أخرجه الترمذي في جامعه: كتاب الرضاع: باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات.

([13]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها.

([14]) أخرجه ابن حبان في صحيحه انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (7/442)، وأخرجه أحمد في مسنده (2/171، 186، 213).

([15]) سواء غاب عن البلد بأن سافر أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد.

([16]) صحيح البخاري: كتاب العيدين: باب خروج النساء والحيض إلى المصلى.