روى ابن حبان([1]) عن أميمة بنت رقيقة، وإسحاق بن راهويه([2]) عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: «إني لا أصافح النساء»، والحديث صححه ابن حبان، وإسناد إسحاق بن راهويه قال الحافظ ابن حجر عنه: حسن.
وأما قول أم عطية([3]): «بايعنا رسول الله فقرأ علينا: {أن لا يشركن بالله شيئا} [الممتحنة: 12] ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها فقالت: أسعدتني([4]) فلانة وأنا أريد أن أجزيها فما قال لها النبي ﷺ شيئا فانطلقت ورجعت فبايعها» يجاب عنه بأنه ليس نصا في مس الجلد للجلد وإنما معناه كن يشرن بأيديهن عند المبايعة بلا مماسة، فتعين تأويله توفيقا بين الحديثين الثابتين، لأنه يتعين الجمع بين الحديثين إذا كان كل واحد منهما ثابتا أي: كان كل منهما صحيحا أو كان أحدهما صحيحا والآخر حسنا ولا يجوز إلغاء أحدهما.
ومما يؤيد كلامنا ما ذكره الحافظ ابن الجوزي في تفسيره ونص عبارته([5]): «وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ لم يصافح في البيعة امرأة وإنما بايعهن بالكلام» اهــ.
ويصح أن يجاب عنه أن المبايعة كانت تقع بحائل، قال الحافظ في «الفتح» ما نصه([6]): «فقد روى أبو داود في «المراسيل»([7]) عن الشعبي أن النبي ﷺ حين بايع النساء أتي ببرد قطري فوضعه على يده وقال: «لا أصافح النساء». وروى عبد الرزاق([8]) من طريق إبراهيم النخعي مرسلا نحوه. وروى سعيد بن منصور من طريق قيس بن أبي حازم كذلك.
وروى ابن إسحاق في «المغازي» من رواية يونس بن بكير عن قيس بن أبي حازم عن أبان بن صالح أنه ﷺ كان يغمس يده في إناء فتغمس المرأة يدها فيه، ويحتمل التعدد» انتهى كلام الحافظ، أي: أن تكون المصافحة بحائل مرة، والمبايعة بغمس يده في الماء في إناء وغمس المرأة المبايعة يدها فيه أي: مرة أخرى.
وقد قال الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» بعد أن أورد قصة إسلام عشر نسوة من قريش وأنهن أتين رسول الله ﷺ وهو بالأبطح([9]) لمبايعته ما نصه([10]): «فقالت هند من بينهن: يا رسول الله نماسحك فقال رسول الله ﷺ: «إني لا أصافح النساء إن قولي لمائة امرأة مثل قولي لامرأة واحدة». ويقال: وضع على يده ثوبا ثم مسحن على يده يومئذ. ويقال: كان يؤتى بقدح من ماء فيدخل يده فيه ثم يرفعه إليهن فيدخلن أيديهن فيه، والقول الأول أثبتهما عندنا: «إني لا أصافح النساء» اهــ.
وقال العراقي في كتاب «طرح التثريب»([11]) ما نصه: «وقد قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم إنه يحرم مس الأجنبية ولو في غير عورتها كالوجه» اهـ.
فبهذا البيان بطل تأويل التحريرية أتباع حزب التحرير ما أخرجه البخاري في الصحيح([12]) من قولها: «والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة» بأن نفيها محمول على حسب علمها لا على الواقع.
ويدل على تحريم المصافحة للأجنبية أيضا حديث: «لأن يطعن أحدكم في رأسه بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له([13])» رواه الطبراني([14]) وحسنه الحافظ ابن حجر.
ثم المس في الحديث معناه الجس باليد ونحوها ليس الجماع كما زعمت التحريرية، لأن راوي الحديث معقل بن يسار فهم من الحديث خلاف ما تدعيه التحريرية، ذكر أثره ذلك المبين لمعنى المس ابن أبي شيبة في المصنف([15]).
ثم إن تفسير المس بالجماع مجاز ولا يعدل إلى المجاز إلا بدليل عقلي أو نقلي بشرط أن يكون العقلي قطعيا والنقلي ثابتا، وفي غير ذلك تأويل النص من الحقيقة إلى المجاز عبث بالنص كما ذكر الأصوليون من الشافعية والحنفية وغيرهم.
وأيضا قولكم يا تحريرية بجواز مصافحة الرجل المرأة الأجنبية بلا حائل اجتهاد على خلاف النص فقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن العين تزني واليد تزني، روى مسلم([16]) أنه ﷺ قال: «فالعينان زناهما النظر»، وقال: «واليد زناها البطش». والبطش هو الإمساك باليد لأن البطش له معنيان في اللغة: أحدهما: الأخذ بعنف والثاني: عمل اليد. والمراد بالبطش هنا الإمساك باليد بمصافحة أو غمز لشيء من بدنها للتلذذ والاستمتاع بها، أو لغير ذلك بدون حائل، فلو لم يرد نص شرعي إلا هذا لكفى، ولو كان مراد رسول الله بالبطش هنا الجماع لم يقل بعد ذلك: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». فالمسألة ظاهرة ليس فيها خفاء، فلم يبق للتحريرية إلا المكابرة.
([1]) أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب السير: باب بيعة الأئمة وما يستحب لهم: ذكر ما يستحب للإمام أخذ البيعة من نساء رعيته على نفسه إذا أحب ذلك. انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (7/41).
([2]) عزاه له ابن حجر في المطالب العالية (2/208)، وفي المسندة (5/439) قال عنه: «إسناده حسن».
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير: سورة الممتحنة: باب إذا جاءك المؤمنات يبايعنك، وكتاب الأحكام: باب بيعة النساء.
([4]) أي: قامت معي في البكاء على ميت لي تواسيني.
([6]) فتح الباري (8/636، 637).
([9]) محل أعلى من الـمعلى إلى جهة منى.
([10]) تاريخ مدينة دمشق: تراجم النساء (ص451).
([12]) صحيح البخاري: كتاب التفسير: باب تفسير قول الله تعالى: {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} من سورة الممتحنة.
([13]) ليس معناه أن مجرد مصافحة امرأة بلا حائل أشد من ذنب ضرب مسلم بحديدة في رأسه؛ بل معنى الحديث أن هذه المصيبة التي هي اعتداء غيره عليه له فيها ثواب، أما لو مس امرأة لا تحل له بلا حائل فعليه إثم.
([14]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (20/212)، وقال الحافظ الهيثمي في المجمع (4/326): «ورجاله رجال الصحيح»، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (3/39): «رواه الطبراني والبيهقي ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح».
([15]) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (4/15).
([16]) صحيح مسلم، كتاب القدر: باب قدر على ابن ءادم حظه من الزنى وغيره.