بسم الله الرحمن الرحيم
درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري الحبشي رحمه الله تعالى في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ست وتسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة الموافق للتاسع عشر من شهر أيلول سنة ست وسبعين وتسعمائة وألف ر في بيروت وهو في بيان بعض أحكام النكاح. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين. اللهم علمنا ما جهلنا، وذكرنا ما نسينا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علما ونعوذ بالله من حال أهل النار.
أما بعد فقد قال الله تعالى: ﴿يآ أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾([1]) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفسير هذه الآية علموا أنفسكم وأهليكم الخير أي علم الدين([2]). ﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ احفظوا أنفسكم وأهليكم من هذه النار، الله تعالى أمرنا بأن نحفظ أنفسنا وأهلينا من هذه النار الشديدة التي وصفها الله تعالى وطريق حفظ النفس والأهل من هذه النار هو أن يعلم الإنسان أمور دين الله ويعلم أهله فبذلك يكون الإنسان حفظ نفسه وأهله من نار جهنم. إذا علم نفسه وأهله أي إذا تعلم لنفسه وعلم أهله بنفسه أو بواسطة غيره أمور الدين يكون حفظ نفسه وأهله من نار جهنم، إذا لم يتعلم هذه الأشياء وعاش لا يعرفها يؤاخذه الله تعالى يوم القيامة يعذبه. ليس أمور الصلاة والعقيدة فقط بل على الإنسان أن يتعلم ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم محمد من أمور الدين مما يتعلق بالنكاح والطلاق وغير ذلك من كل أمر عليه فعله أو يريد أن يفعله. ليس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى ليعلم الناس كيف يؤمنون بالله وكيف يصلون وكيف يصومون وكيف يحجون وكيف يزكون فقط، بل أمره الله تعالى أن يعلم الناس كيف يبيعون ويشترون وكيف يتزوجون وكيف يطلقون. فمن لم يتعلم هذه الأشياء وقع في نار جهنم وذلك أن كثيرا من الناس يتزوجون زواجا غير شرعي ولا يدرون هل يعيشون بنكاح شرعي أو بنكاح غير شرعي فهؤلاء يوم القيامة يسألون.
مثلا إذا تزوج إنسان امرأة هي في عدة زوج غيره، كان بقي عليها من عدة زوج غيره شيء من العدة، ما أنهت العدة هذا الزواج فاسد. إن كانا يعلمان أنه فاسد ثم تعاشرا فخلق من بينهما ولد فهذا الولد ولد زنى لا يكون ولد حلال، ليس له إرث من هذا الرجل ولا لهذا الرجل إرث من هذا الولد. أما إن كانا لا يعلمان أن عقد النكاح إذا صار ضمن العدة يكون باطلا وأن جماعها بعد ذلك يكون حراما إن كانا لا يعلمان هذا لا يكون هذا الولد ولد زنى لكن عليهما ذنب حيث لم يتعلما أن الزواج في حال العدة حرام، لم يتعلما فظنا أن هذا نكاح، هو ظن أنها زوجته، وهي ظنت أن هذا زوجها فتعاشرا المعاشرة الزوجية يعاقبان في الآخرة الله تعالى يعذبهما حيث لم يتعلما لأن الإنسان هناك يسأل عن الأمرين إن لم يتعلم يسأل لم لم تتعلم، وإن كان تعلم الحلال والحرام ثم لم يطبق ما تعلمه لم يتجنب الحرام أو ترك الفرض، تعلم ما فرض الله تعالى على عباده ثم أهمل كثيرا من الفرائض أو بعضا منها فهذا يسأل ويعاقب لأنه ما عمل كما تعلم. الذي لم يتعلم يسأل والذي تعلم ثم أهمل يسأل فكلاهما يستحقان العذاب.
ثم بعض الناس يوكل فيقول أنا وكلتك لأن تقبل لي النكاح على فلانة فيأتي هذا الوكيل وهو جاهل لا يعرف كيف يصح هذا النكاح والأب جاهل فيقول له أبوها بحضور شاهدين زوجتك بنتي فلانة فيقول قبلت زواجها فيقع العقد للوكيل لا للموكل.
وقد يكون رجل يعتقد عقيدة فاسدة أو تعود أن يسب الله تعالى وهو لا يعلم أن سب الله تعالى كفر يخرج من الملة ثم يجرى له عقد نكاح، هذا ما صح نكاحه، لا تصير زوجته. شرط النكاح على مسلمة أن يكون الزوج مسلما وهذا الذي يسب الله تعالى ليس مسلما فلا يصح له نكاح على مسلمة، ثم هذا الذي يسب الله تعالى إن كان في الأصل مسلما ثم صار يسب الله تعالى صار كافرا مرتدا. الكفار نوعان كافر أصلي وكافر مرتد، الكافر الأصلي هو الذي نشأ على الكفر ولد من أبوين كافرين أصليين ثم عاش حتى صار كبيرا وهو على كفره، هذا يسمى كافرا أصليا، هذا لا يصح له أن يتزوج المسلمة، والثاني كافر مرتد وهو الذي كان مسلما ثم صار يسب الله تعالى أو ينكر الشريعة، ينكر صيام رمضان يقول هذا ليس فرضا أو ينكر الصلوات الخمس يستهزئ بالصلوات الخمس هذا لا يصح له عقد نكاح على مسلمة، الكافر الأصلي يصح أن يعقد النكاح على غير المسلم أما الكافر المرتد فلا يصح له عقد نكاح على مسلم ولا على غير المسلمة حتى على مرتدة مثله.
هذا الفساد نتيجة الجهل فمن لم يتعلم كيف يصح النكاح وكيف يكون الطلاق يقع في معصية الله تعالى. كثير من الناس يكونون على الإسلام وأجري نكاحهم على الصحيح ثم يمزح ففي أثناء المزح تخرج منه كلمة يقول لزوجته طلقتك أو أنت طالق فيكون هذا شرعا طلاقا لأن الطلاق مزحه جد وجده جد، لا هزل في الطلاق. فقد يقول طلقتك ولا يظن هذا طلاقا، لا يعلم أنها حرمت عليه فينام معها وهي قد خرجت من نكاحه أو يطلقها وهو غضبان ويظن أن طلاق الغضبان لا يصح ولا يؤثر فيعاشرها فتكون معاشرته لها بالحرام.
ثم قد يكون طلق بثلاث مثلا ثم نفسه لا تريد الانفصال عنها إما لأجل وجود أولاد بينهما أو لأجل أن نفسه ألفتها ولا يريد الانفصال والابتعاد منها فيذهب إلى بعض الناس فيقولون له وزع كفارة على الفقراء كذا وكذا مبلغا من المال واستغفر الله. بعض الناس يعلمونه هذا الفساد، ثم هذا يوزع أو يقول لهذا الذي يفتيه خذ أنت ووزع فيأخذ المال ويتصرف فيه إما أن يوزعه وإما أن يأخذه لنفسه ثم يجمع بينهما بالحرام فيتعاشران معاشرة محرمة فيقعان في الهلاك. وبعض الناس يقول للذي طلق امرأته بالثلاث لتذهب المرأة إلى البحر وتغطس في البحر لما تغطس في البحر كأنها تزوجت حلت لك فيعيشان عيشة محرمة لأنهما سمعا كلام هؤلاء الجهال، لو كانا تعلما قبل ذلك لا يسمعان هذا الكلام والعياذ بالله. سبحان الله العظيم الجاهل يروج عليه الجهل.
وبعض الناس يطلقون بالثلاث ثم يأتون إلى شيخ وهذا الشيخ يقول لهم الحق يقول ليس لك رجوع إليها إلا بعد أن تمكث عدتها ثم تنتهي العدة ثم يتزوجها رجل زواجا شرعيا بنكاح ويدخل بها فيقول هذا الذي طلق كيف يصير هذا، شيطانه يقول له كيف زوجتك تنام مع غيرك مع رجل ءاخر ثم ترجع لك كيف يكون هذا فتأنف نفسه ذلك فيسأل يقول من تعرفون من المشايخ من يعمل لي حلا لقضيتي هذه، من تعرفون، من يعطيني لهذه القضية حلا، من تعرفون، فيقال له اذهب إلى الشيخ الفلاني فيذهب إليه فيقول له أنا قصتي كذا وكذا طلقت امرأتي بثلاث طلقات فيقول له هذا الشيخ المحرف المفتون الذي يحرف شريعة الله، يقول له يجري عليها عقد نكاح ثم لا ينام معها ثم يطلقها فتحل لك فهذا يصدقه لأنه شكلا شيخ الناس يقصدونه ويستفتونه، يطبق ما قاله له، يتفق مع واحد من الفقراء يقول له أعطيك مبلغ كذا مائة ليرة أو خمسين ليرة أو أكثر أو أقل ويجرى لك عقد نكاح على فلانة ثم من غير أن تنام معها تقول طلقتك، وهذا أيضا يكون جاهلا مثله فيقبل ويجرى له عقد نكاح بحضور شاهدين ثم بعد ذلك من غير أن يراها ومن غير أن يختلي معها ساعة من الزمن يقول طلقت فلانة. ثم ذاك الزوج الأول يأتي فيقول حلت لي فيرجع إلى معاشرتها فهذا زان.
بعض الناس شيطانهم يغلبهم ونفوسهم خبيثة لا يهمهم أمر الآخرة يريدون أن يتعلقوا بالأوهام، إذا قال لهم بعض الناس الذي يدعون أنهم من المشايخ اعمل كذا يعملون ويظنون أن هذا حجة لهم في الآخرة. شخص من بيت العيتاني طلق امرأته قال والله إن رجعت إلى لعب السبق امرأتي طالق بالثلاث ثم عاد عمدا إلى لعب السبق فوقع على زوجته طلاق الثلاث، هذا الرجل جاء إلي أعرفه قلت له لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك بعدما تنتهي العدة التي تعتدها منك ثم يعقد عليها عقد نكاح لغيرك ثم ذلك الرجل ينام معها أي يجامعها ثم يطلقها ثم بعد ذلك تعتد وعندما تنتهي العدة يجرى لك عليها عقد نكاح جديد، هذا ما أعجبه، صعب عليه، ثقل عليه، ذهب يسأل الناس فقيل له اذهب إلى الشيخ الفلاني ذهب إليه قال له أنت كنت حلفت يمينا قلت إن رجعت إلى لعب السبق امرأتي طالق بالثلاث ما طلقتها طلاقا منجزا بل علقت تعليقا هذا ما له تأثير ادفع الكفارة ثم استغفر الله ثم ترجع لك هي حلالك، صدق هذا الشيخ ثم بعد برهة من الزمن بعدما نفذ هذه الفتوى الفاسدة صادفني فأعاد السؤال نفسه وهو قد أرجع إليه امرأته بالحرام يسألني من جديد قلت له حرام لا تحل لك، قال ما لها حل غير هذا، قلت له ليس لها حل غير هذا قال كيف إذا أجرينا عليها عقدا لواحد ثم طلقها من غير أن ينام معها يصح؟ قلت لا يصح حرام فقال كيف ينام مع زوجتي إنسان غيري ثم ترجع إلي قلت له الدنيا لا تغني من الآخرة ذلك الشيخ الذي أعطاك تلك الفتوى لا يخلصك من عذاب الله يوم القيامة ذلك الشيخ لا يخلصك من عذاب الله.
الله تعالى شرع هذا لحكمة حتى لا يتسرع الناس إلى الطلاق، ليكفوا عن الطلاق.
كذلك إذا لم يكن على النكاح شاهدان مسلمان لا يصح النكاح. هذان الشاهدان وظيفتهما أن يسمعا الصيغة أي الحوار بين أبي البنت والزوج، الأب يقول له زوجتك بنتي فلانة فيقول له الزوج قبلت زواجها بحضور شاهدين مسلمين، أما إذا كانا يسبان الله تعالى فهذان كالعدم والنكاح لا يصح بحضورهما، يأتي بشاهدين ءاخرين مسلمين لا يكفران لا يسبان الله تعالى وإلا فلا يثبت النكاح أما إذا كفرا بعد عمل الشهادة لا يؤثر.
ثم ولي البنت الذي يعقد لها العقد هو الأب فإن لم يكن أبوها فجدها فإن لم يكن جدها فأخوها فإن لم يكن أخوها فابن أخيها ثم بعد ابن الأخ العم ثم ابن العم يقول له زوجتك فلانة فيقول هو قبلت زواجها والشاهدان المسلمان يسمعان هذا الحوار هذا هو النكاح الذي يستحل به المرأة وتصير به البنت زوجة شرعية لهذا الرجل وهذا الرجل يصير لها زوجا شرعا.
أما قراءة الفاتحة والدعاء فليسا شرطا والمحكمة ليست شرطا، بدون محكمة في البيت أو في السوق أو في أي مكان في البستان مثلا إذا حضر اثنان مسلمان والأب والرجل الذي يتزوج البنت فقال له أبوها زوجتك بنتي فلانة فقال قبلت زواجها ثم افترقوا من غير أن يقرأوا الفاتحة ومن غير أن يسجلوا إنما هذا الحوار حصل صارت حلاله، النكاح الشرعي سهل لا يكلف الشخص لعقده الذهاب إلى المحكمة ليس الذهاب إلى المحكمة شرطا لكن الناس بما أنه كثرت الخيانة والتنافر في هذا الزمن قد يتزوج الرجل المرأة ثم بعد أن يشبع منها ينكر ويتهرب منها ويقول لا أعرفك لست زوجتي وإذا رفعته إلى المحكمة يقول أنا ما أجريت عليها عقدا ليست هي زوجتي هي تفتري علي حتى لا يدفع المصروف والمهر، من أجل هذا صار الناس يجرون عقد النكاح في المحكمة لأنه يسجل هناك فإن أنكر أو تهرب من دفع المهر أو المصروف ترفع دعوى عليه في المحكمة فتجبره المحكمة، لأجل هذا الناس صاروا لا يجرون عقد النكاح إلا في المحكمة وإلا فهو ليس في أصل الشرع بل في أصل الشرع زوجتك بنتي قبلت زواجها من الطرف الآخر أي الطرف الآخر يقول قبلت زواجها ويسمع هذا الكلام الشاهدان هذا هو النكاح، هذه الكلمة الخفيفة زوجتك بنتي قبلت زواجها بحضور شاهدين هذه الكلمة الخفيفة أحلتها له.
ثم لو لم يذكرا المهر ما قال أبوها زوجتك بنتي فلانة على كذا من المهر ما تعرض لذكر المهر إنما قال زوجتك بنتي فلانة ثم قال الشخص قبلت زواجها من غير ذكر المهر والشاهدان موجودان صح حصل النكاح حلت له صارت زوجته ويثبت لها مهر المثل.
الأب يشرع له أن يستأذن بنته البكر يقول لها توافقين على أن أزوجك من فلان فإذا وافقت أجرى العقد عليها وإذا لم توافق يتركها إذا لم يكرهها الأب خير، الإكراه لا خير فيه. الإمام الشافعي يقول إذا كان كفئا لها مناسبا لها ورأى لها أن مصلحتها أن يزوجها بهذا الإنسان وهي كارهة فإن أجرى العقد له عليها صح لكنه يقول مكروه، يعتبره مكروها لأن امرأة كان زوجها أبوها في زمن الرسول وهي كارهة، ثم أبطل الرسول هذا النكاح لأنها كانت كارهة، لكن الشافعيون يقولون هذه المرأة أبطل الرسول نكاحها لأنها كانت كارهة بتزويج أبيها لها من ذلك الشخص وهو ما كان كفئا لها، لو كان مناسبا لها ما كان الرسول أبطل نكاحه.
انتهى والله تعالى أعلم.
[1])) سورة التحريم/الآية 6.
[2])) رواه الحاكم في المستدرك في تفسير التحريم عن علي بن أبي طالب وأقره الذهبي.