الأربعاء فبراير 11, 2026
  • بيان بطلان استدلال المشبهة بحديث الجارية لإثبات المكان والجهة لله تعالى الله عن ذلك

    الاعتقاد الصحيح هو أن الله منزّه عن المكان. ‏تنزيه الله تعالى عن المكان شىء ثبت في الشرع ويقبله ‏العقل السليم الذي هو شاهد الشرع. العقل السليم يحكم بأن الله خالق المكان لأن الله ‏خالق كلّ شىء، وبأن الله لا يحتاج إلى المكان والجهة لأن الله لا ‏يحتاج إلى شىء، فلذلك علماء أهل السنة كأبي حنيفة ‏والشافعي والأشعري والماتريدي والطحاوي والبيهقي ‏والقاضي عياض والغزالي وابن حجر شارح البخاري ‏والزبيدي شارح الإحياء وابن عساكر وغيرهم ممن لا ‏يحصيهم إلا الله، كلّ هؤلاء وغيرهم قالوا إن الله موجود ‏بلا مكان.‏

    أما الشرع فلقول الله تعالى في سورة الشورى: {ليس كمثله ‏شىء}، دلّت آية التنزيه العظمى على أن الله منزه عن ‏المكان والجهة لأن المكان والحجم والكيفية والشكل من صفات ‏المخلوق وليست من صفات الخالق سبحانه.‏

    ثم النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “كان الله ولم يكن شىء غيرُه”. رواه ‏البخاري وغيره، وهذا معناه أن الله كان موجودًا قبل ‏المكان بلا مكان، هكذا قال الإمام أبو حنيفة رضي الله ‏عنه، وعلى هذا إجماع المسلمين كما قال الإمام الطحاوي ‏في عقيدته: “ولا تحويه الجهاتُ الستُّ كسائر المبتدَعات” ‏أي المخلوقات.‏

    وقال الإمام علي رضي الله عنه: “كان الله ولا مكان وهو ‏الآن على ما كان” هذه الكلمة النفيسة نقلها الإمام الأصولي ‏عبد القاهر البغدادي المتوفي سنة 429 للهجرة، وكان من ‏مشاهير أهل العلم ذكرها في كتاب الفرق بين الفرق.‏

    أما استدلال بعض الناس بحديث مسلم وفيه لفظ “أين الله” ‏فالجواب أن هذا ليس في مرتبة الأحاديث التي يصح ‏الاستدلال بها في العقيدة للاضطراب في ألفاظه ما بين ‏قالت الجارية “في السماء” وفي رواية أشارت إلى السماء ‏وهناك روايات أخرى تمنع هذه الرواية من أن تكون في ‏مرتبة ما يُستدل به في العقيدة، وإلى ذلك أشار علماء كبار ‏أمثال البيهقي في السنن الكبرى والحافظ ابن حجر في ‏تلخيص الحبير، وهما من كبار حفاظ الحديث.‏

    ثم على فرض التسليم بصحتها فقد ذكر القرطبي في ‏شرحه على مسلم ما نصه: “تنبيه: ثم اعلم أنه لا خلاف ‏بين المسلمين قاطبة، مُحدّثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ‏ونظّارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى كقوله: ‌‏{ءأمنتم من في السماء} ليست على ظاهرها وأنها متأوَّلة ‏عند جميعهم. ثم يردّ القرطبي على المشبهة مبينًا مذهب ‏أهل السنة قائلًا إن “من يعتقد نفي الجهة في حق الله تعالى ‏فهو أحق بإزالة ذلك الظاهر وإجلال الله تعالى عنه، وقد ‏حصل من هذا الأصل المحقق أن قول الجارية ليس على ‏ظاهره باتفاق المسلمين، وإن من حمله على ظاهره فهو ‏ضالّ من الضالين”. انتهى كلام القرطبي الذي توفي سنة ‌‏656 هـ. ‏

    وقريب من ذلك قال الحافظ النووي في شرح مسلم. وقال ‏السيوطي في تنوير الحوالك ما نصه: “قال‎ ‎الباجي:‌‎ ‎لعلها ‏تريد وصفه بالعلو، وبذلك يوصف من كان شأنه العلو، ‏يقال مكان فلان في السماء، يعني علو حاله ورفعته ‏وشرفه”. فهذه الروايات وما أشبهها لا يجوز حملها على ‏ظواهرها لأن الله منزه عن الانحصار في السماء أو في ‏جهة العرش سبحانه وهو خالق ذلك كله. ‏

    ثم من المعلوم أن السماء مسكن الملائكة فكيف يعتقد ‏عاقلٌ أن الله ينحصر في السماء!!. ‏

    فإن قال المشبّه إن كلمة في السماء معناها على السماء ‌‏(يريد أن الله بذاته فوق العرش)، فقد أخرج اللفظ عن ‏ظاهره لأنه لا يُجوز ظاهره على الله. وتنزيه الله عن هذا ‏الظاهر هو ما يقول به أهل السنة، ولكنهم يضيفون تنزيه ‏الله عن الانحصار في غير السماء للدليل الشرعي والعقلي الذي لا ‏يُجيز انحصار الله في السماء.‏

    ثم من قال بظاهر الحديث ورفض تأويله وأخذ بظاهره ‏فماذا يفعل بقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي ‏الأَرضِ إِلَهٌ}، فهذه الآية في سورة الزخرف دليلٌ قويّ ‏لأهل السنة في تنزيه الله عن التحيز في السماء كما أنه ‏سبحانه منزّه عن التحيز في الأرض، وهو سبحانه معبود ‏من أهل السماء وهم الملائكة، ومن أهل ‏الأرض ممّن سواهم من مؤمني الإنس والجنّ.‏

    ونختم بما قال الإمام الطحاوي رحمه الله: “ومن وصف الله ‏بمعنى من معاني البشر فقد كفر”. والمكان من صفات ‏البشر وليس من صفات ربّ البشر. ‏والعقيدة الطحاوية هي عقيدة أهل السنة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها.