الأربعاء يناير 28, 2026

بيان الإيمان والإسلام والردة

اعلم أن الإيمان لغة التصديق وشرعا تصديق مخصوص، وهو التصديق بما جاء به النبي ﷺ.

والإسلام لغة الانقياد، وشرعا انقياد مخصوص، وهو الانقياد لما جاء به النبي ﷺ بالنطق بالشهادتين.

والإسلام والإيمان متلازمان لا يقبل أحدهما بدون الآخر وإن كانا مختلفين من حيث معنياهما الأصليان، فقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر([1]): «لا يكون إيمان بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان فهما كالظهر مع البطن» اهــ. فمن ءامن بما جاء به الرسول ﷺ وصدق ذلك بالنطق بالشهادتين بلسانه فهو مسلم مؤمن إن مات على ذلك لا بد أن يدخل الجنة.

وأما قول الله عز وجل: {قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14]، فالمراد بأسلمنا فيه الإسلام اللغوي الذي هو الانقياد لا الشرعي، حيث إن هؤلاء الأعراب كانوا يظهرون للناس أنهم يحبون الرسول ﷺ وأنهم منقادون له خوفا من القتل وفي قلوبهم كره النبي.

قال القرطبي([2]): «ومعنى {ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14]: أي استسلمنا خوف القتل والسبي وهذه صفة المنافقين» اهـ فليس في هذه الآية أن هؤلاء الأعراب كانوا مسلمين حقيقة غير مؤمنين.

فلا يقال فلان مسلم ولكنه ليس بمؤمن أو العكس بل يقال فلان كامل الإيمان أو ناقص الإيمان لأن الإيمان يزيد وينقص، فمن ءامن بالله ورسوله وأدى الواجبات واجتنب المحرمات فهذا مسلم مؤمن وإيمانه كامل، ومن ترك بعض الواجبات كالصلوات الخمس أو ارتكب بعض المحرمات كأكل الربا وشرب الخمر فهذا مسلم مؤمن وإيمانه ناقص.

ولا يزول اسم الإيمان والإسلام عن المؤمن إلا بالردة التي هي أفحش أنواع الكفر([3])، ويسمى عندئذ كافرا ولا يجوز مناداته بالمسلم ولا بالمؤمن.

وفي حديث البخاري([4]): «من بدل دينه فاقتلوه» دليل على جواز تكفير المعين لأن المرتد عندما يقتل يكون ذلك تكفيرا له بالتعيين.

وكذلك لعن الكافر المعين جائز وإن لم يرد نص قرءاني أو حديثي صحيح بموته على الكفر لما رواه ابن حبان([5]) في صحيحه عن ابن عمر أنه سمع النبي ﷺ قال في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركوع: «ربنا لك الحمد» في الركعة الآخرة، ثم قال: «اللهم العن فلانا وفلانا» دعا على أناس من المنافقين ففيه دليل على جواز لعن الكافر المعين الذي لم يعلم موته على الكفر لأن هؤلاء أسلموا فيما بعد، فكان لعن الرسول لهم من غير أن يعلم عاقبتهم.

 

([1]) الفقه الأكبر مع شرحه لملا علي القاري (ص149، 150).

([2]) الجامع لأحكام القرءان (16/348).

([3]) قول «الردة أفحش أنواع الكفر» هو قول النووي في روضة الطالبين (10/64) وليس معناه أن كل أنواع الردة أشد من كفر الكافر الأصلي لأن كفر الكافر الأصلي قد يكون أشد من كفر المرتد، فليس معنى قول النووي المذكور أن الردة أشد أنواع الكفر كفرا، إنما مراده شدة قبحها في أنها خروج من الإسلام الذي هو الحق إلى الباطل الذي هو الكفر كما يقال «الفسوق أقبح من العالم منه من الجاهل».

وأشد أنواع الكفر التعطيل وهو قول الشيوعي لا إلٰه والحياة مادة (معناها عندهم طبيعة)، وقول أهل الوحدة إن الله هو جملة العالم، وعقيدة الحلول أي أن الله يحل في غيره كاليشرطية القائلين بأن الله يدخل في كل شخص ذكر أو أنثى حتى قال قائلهم في بعض الأشخاص أنت الله وهذا الجدار الله، وهم فرقة من متأخري الشاذلية انحرفوا عن أصول التوحيد الذي هو عقيدة كل مشايخ أهل الله الذين عملوا الطرق الرفاعي والشيخ عبد القادر والشيخ أبي الحسن الشاذلي وغيرهم (بغية الطالب 1/95).

([4]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب لا يعذب بعذاب الله، وفي كتاب استتابة المرتدين: باب حكم المرتد والمرتدة، وفي كتاب الاعتصام: باب قول الله تعالى: {وأمرهم شورىٰ} [الشورى: 38].

([5]) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (3/221).