الخميس يناير 29, 2026

بيان الإيمان والإسلام والردة

اعلم أن الإيمان لغة التصديق، وشرعا تصديق مخصوص، وهو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. والإسلام لغة الانقياد، وشرعا انقياد مخصوص، وهو الانقياد لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بالنطق بالشهادتين.

والإسلام والإيمان متلازمان لا يقبل أحدهما بدون الآخر، وإن كانا مختلفين من حيث معنياهما الأصليان، فقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر: “لا يكون إيمان بلا إسلام ولا إسلام بلا إيمان فهما كالظهر مع البطن”اهــ. فكما أن الظهر لا ينفصل عن البطن مع أنهما مختلفان فكذلك الإيمان لا ينفصل عن الإسلام والإسلام لا ينفصل عن الإيمان، فمن ءامن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصدق ذلك بالنطق بالشهادتين بلسانه فهو مسلم مؤمن، إن مات على ذلك لا بد أن يدخل الجنة.

وأما قول الله عز وجل: قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم {14} [سورة الحجرات]. فالمراد بأسلمنا فيه الإسلام اللغوي الذي هو الانقياد لا الشرعي، حيث إن هؤلاء الأعراب كانوا يظهرون للناس أنهم يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم وأنهم منقادون له خوفا من القتل وفي قلوبهم كره النبي.

قال أبو حيان في تفسير قوله تعالى: ولكن قولوا أسلمنا {14} [سورة الحجرات] ما نصه: “فهو اللفظ الصادق من أقوالهم وهو الانقياد والاستسلام ظاهرا” اهــ.

وقال القرطبي: “ومعنى ولكن قولوا أسلمنا {14} [سورة الحجرات]: أي استسلمنا خوف القتل والسبي وهذه صفة المنافقين”ا.ه فليس في هذه الآية أن هؤلاء الأعراب كانوا مسلمين حقيقة غير مؤمنين.

وما جاء في الحديث وفيه: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به”، و: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” والحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده”، ونحو هذا ليس المراد به نفي أصل الإيمان عنه، بل المراد نفي الإيمان الكامل الذي يكون به متبعا للنبي اتباعا كاملا.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح في هذا الحديث الأخير ما نصه: “قوله: “لا يؤمن” أي إيمانا كاملا”اهــ.

وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: “قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه” أو قال: “لجاره ما يحب لنفسه”. هكذا هو في مسلم لأخيه أو لجاره على الشك، وكذا هو في مسند عبد بن حميد على الشك، وهو في البخاري وغيره: “لأخيه” من غير شك، قال العلماء رحمهم الله: معناه لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة.اهــ.

فلذلك لا يقال فلان مسلم ولكنه ليس بمؤمن أو العكس، بل يقال فلان كامل الإيمان أو ناقص الإيمان لأن الإيمان يزيد وينقص، فمن ءامن بالله ورسوله وأدى الواجبات واجتنب المحرمات فهذا مسلم مؤمن وإيمانه كامل، ومن ترك بعض الواجبات كالصلوات الخمس أو ارتكب بعض المحرمات كأكل الربا وشرب الخمر فهذا مسلم مؤمن وإيمانه ناقص.

قال النووي في شرح مسلم باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ما نصه: “في الباب قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن” الحديث، وفي رواية: “ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن”، وفي رواية: “والتوبة معروضة بعد”، هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي قاله المحققون إن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشىء ويراد نفي كماله ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع، و: لا مال إلا الإبل. و: لا عيش إلا عيش الآخرة، وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: “من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق”، وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا إلى ءاخره، ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم: “فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه”، فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله عز وجل: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء {48} [سورة النساء]، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة، وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه، ثم إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثير” انتهى كلام النووي.

بم ينتفي اسم الإيمان عن المؤمن

ليعلم أنه لا يزول اسم الإيمان والإسلام عن المؤمن إلا بالردة التي هي أفحش أنواع الكفر، ويسمى عندئذ كافرا، ولا يجوز مناداته بالمسلم ولا بالمؤمن كما فعل الإمام الشافعي فإنه قال لحفص الفرد بعدما ناقشه في مسئلة الكلام: “لقد كفرت بالله العظيم” ففي مناقب الشافعي للبيهقي ما نصه: “عن محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: سمعت الربيع يقول لما كلم الشافعي رحمه الله حفصا الفرد فقال حفص: القرءان مخلوق، قال الشافعي: كفرت بالله العظيم”اهــ.

كذلك كفر عدد من المجتهدين الحجاج بن يوسف الثقفي كما ذكر ذلك الحافظ العسقلاني في تهذيب التهذيب في ترجمة الحجاج، ومن جملة الذين كفروه سعيد بن جبير رضي الله عنه والشعبي، وكذلك كفر القاضي المالكي تقي الدين محمدا الباجربقي لزندقته وإلحاده، وكان والده من العلماء الأجلاء كما في القاموس مع شرحه.

وفي حديث البخاري: “من بدل دينه فاقتلوه” دليل على جواز تكفير المعين لأن المرتد لما يقتل يكون ذلك تكفيرا له بالتعيين.

وكذلك لعن الكافر المعين جائز وإن لم يرد نص قرءاني أو حديثي صحيح بموته على الكفر، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركوع: “ربنا لك الحمد” في الركعة الآخرة، ثم قال: “اللهم العن فلانا وفلانا”، دعا على أناس من المنافقين فأنزل الله: ليس لك من الأمر شىء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون {128} [سورة ءال عمران] ففيه دليل على جواز لعن الكافر المعين الذي لم يعلم موته على الكفر، لأن هؤلاء أسلموا فيما بعد، فكان لعن الرسول لهم من غير أن يعلم عاقبتهم.

الردة وأقسامها المجمع عليها

الردة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أفعال وأقوال واعتقادات كما اتفق على ذلك أهل المذاهب الأربعة: الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة.

ومما استدل به أهل الحق على أن الكفر ثلاثة أقسام ءايات منها قوله تعالى: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم {74} [سورة التوبة] فهذه الآية يفهم منها أن الكفر منه قولي، وقوله تعالى: إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا {15} [سورة الحجرات] فهذه الآية يفهم منها أن الكفر منه اعتقادي لأن الارتياب أي الشك يكون بالقلب، وقوله تعالى: لا تسجدوا للشمس ولا للقمر {37} [سورة فصلت] يفهم منه أن الكفر منه فعلي، وهذه المسئلة إجماعية اتفق عليها علماء المذاهب الأربعة.

وكل من الثلاثة كفر بمفرده فالكفر القولي كفر ولو لم يقترن به اعتقاد ولا فعل، والكفر الفعلي كفر ولو لم يقترن به اعتقاد وانشراح الصدر به ولا قول، والكفر الاعتقادي كفر ولو لم يقترن به قول ولا فعل. وإنما يشترط للقول الكفري انشراح الصدر في المكره على قول الكفر بالقتل ونحوه. فالمكره هو الذي لا يكفر لمجرد القول بعد أن أكره إلا أن يشرح صدره بما يقوله فعندئذ يكفر، لأن المسلم المكره على قول الكفر إن قال كلمة الكفر لإنقاذ نفسه مما هدده به الكفار وقلبه غير منشرح بما يقوله فلا يحكم بكفره، وأما إن تغير خاطره بعد الإكراه فشرح صدره بقول الكفر كفر، وهذا معنى قول الله تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم {106} [سورة النحل] فألغى هذا الحكم الشرعي الذي اتفق عليه علماء الإسلام وجاءت به هذه الآية أشخاص من أهل هذا العصر أحدهم سيد سابق في كتابه فقه السنة وحسن قاطرجي وشخص من ءال هضيبي في كتاب سماه “دعاة لا قضاة” وشخص سوري من ءال الإدلبي. فليحذر هؤلاء فهؤلاء حرفوا شرع الله وخالفوا حكام المسلمين من الخلفاء ونوابهم فإنهم لم يكونوا يقولون الشخص الذي تكلم بكلمة الكفر والردة عند تقديمه إليهم للحكم عليه هل كنت شارحا صدرك بما قلت من قول الكفر بل كانوا يجرون عليه حكم الردة بمجرد اعترافه أو شهادة شاهدين عليه بأنه قال كلمة كذا من الكفر. وهذه كتب التواريخ الإسلامية تشهد بذلك في الوقائع التي ذكرت فيها كواقعة قتل الحلاج فإنه أصدر عليه حكم الردة لقوله أنا الحق أي أنا الله ونحو ذلك من كلمات الردة، فأصدر القاضي أبو عمر المالكي في بغداد أيام الخليفة المقتدر بالله حكما عليه فقطعت يداه ورجلاه ثم قطعت رقبته ثم أحرقت جثته ثم ذر رماده في دجلة، وهذا التشديد عليه ليرتدع أتباعه لأنه كان له أتباع عرفوا بالحلاجية . وكان الإمام الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة الصوفية تفرس فيه بما ءال إليه أمره لأنه قال للحلاج: “لقد فتحت في الإسلام ثغرة لا يسدها إلا رأسك”.

وجهلة المتصوفة خالفوا سيد الصوفية الجنيد فصاروا يهونون أمر النطق بكلمات الردة ممن ينتسب إلى التصوف فلا يكفرون أحدا منهم لقول أنا الله أو أنا الحق، أو قال إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم جميع ما يعلمه الله، أو إن الله يحل في الأشخاص، أو إن الله كان واحدا ثم صار كثيرا فيزعمون أن العالم أجزاء من الله.

أما الصوفية الحقيقيون فهم بريئون منهم، فهؤلاء في واد وأولئك في واد ءاخر. بل قال الإمام الجنيد رضي الله عنه: لو كنت حاكما لضربت عنق من سمعته يقول لا موجود إلا الله.

ومن شأن هؤلاء أعني جهلة المتصوفة أن يقولوا إذا نقل عن أحدهم كلمة كفر “يؤول” ولو كانت مما لا يقبل التأويل وهؤلاء من أبعد خلق الله عن علم الدين، فإن علماء الإسلام متفقون على أن التأويل البعيد لا يقبل إنما التأويل يقبل إذا كان قريبا قال ذلك الإمام الكبير حبيب بن ربيع المالكي وإمام الحرمين الشافعي والشيخ الإمام تقي الدين السبكي، ونقل معنى هذا عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة.

وإننا نورد لتأييد كلامنا بعض نصوص أهل المذاهب الأربعة قال ابن حجر الهيتمي الشافعي ما نصه: “ثم كفر المسلم أي قطعه للإسلام إما أن يكون بنية بالقلب حالا أو مآلا، وإن قصد الكفر وغيره على السواء. وكذا إن تردد بأن جرى شك ينافي الجزم بالنية، ولا تأثير لما يجري في الفكر من غير اختيار؛ أو تعمد فعل ولو بقلبه استهزاء أو جحودا، أو تعمد قول باعتقاد لذلك الفعل أو القول أي معه أو مع عناد من الفاعل أو القائل أو مع استهزاء أي استخفاف منهما ظاهر كالتعرض لسب الله أو رسوله” اهــ.

وقال النووي في روضة الطالبين ما نصه: “الردة: وهي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر وتارة بالفعل، وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر سواء صدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء” اهــ.

وفي كتاب مواهب الجليل للحطاب المالكي ما نصه: “الردة كفر المسلم بصريح لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه”اهــ.

وفي منح الجليل للشيخ محمد عليش المالكي ما نصه: “وسواء كفر (أي المرتد) بقول صريح في الكفر كقوله: كفرت بالله أو برسول الله أو بالقرءان، أو: الإله اثنان أو ثلاثة، أو: العزير ابن الله، أو بلفظ يقتضيه أي يستلزم اللفظ للكفر استلزاما بينا كجحد مشروعية شىء مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة، فإنه يستلزم تكذيب القرءان أو الرسول؛ وكاعتقاد جسمية الله أو تحيزه”اهــ.

وقال الفقيه ابن عابدين الحنفي في رد المحتار على الدر المختار ما نصه: “قوله: وركنها إجراء كلمة الكفر على اللسان، هذا بالنسبة إلى الظاهر الذي يحكم به الحاكم، وإلا فقد تكون بدونه كما لو عرض له اعتقاد باطل أو نوى أن يكفر بعد حين”اهــ.

وقال تاج الدين السبكي في طبقاته ما نصه: “ولا خلاف عند الأشعري وأصحابه بل وسائر المسلمين أن من تلفظ بالكفر أو فعل أفعال الكفر أنه كافر بالله العظيم مخلد في النار وإن عرف بقلبه” اهــ.

وفي شرح منتهى الإرادات للبهوتي الحنبلي ما نصه: “باب حكم المرتد: وهو لغة الراجع قال تعالى: ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين {21} [سورة المائدة]، وشرعا من كفر ولو كان مميزا بنطق أو اعتقاد أو فعل أو شك طوعا ولو كان هازلا بعد إسلامه”اهــ.

فيتبين لك مما ذكرنا أن المذاهب الأربعة متفقة على هذا التقسيم أي تقسيم الكفر إلى أنواعه الثلاثة: الكفر القولي والكفر الفعلي والكفر الاعتقادي، وعلى هذا التقسيم كان مفتي ولاية بيروت الأسبق الشيخ عبد الباسط الفاخوري فإنه يقول في كتابه الكفاية لذوي العناية في أحكام الردة والعياذ بالله تعالى ما نصه: “وهي قطع مكلف مختار الإسلام ولو امرأة بنية كفر أو فعل مكفر أو قول مكفر، سواء قاله استهزاء أو اعتقادا أو عنادا”اهــ.

وكذلك جاء هذا التقسيم في كتب تعليم الواجبات الدينية الصادرة من مكتب التوجيه والإرشاد باليمن ألفها واطلع عليها مائة شيخ من الأزهر واليمن ففيها ما نصه: “الردة هي الكفر بعد الإيمان بقول أو فعل أو اعتقاد وقد سبق بيان ذلك في الكتاب الأول (الإيمان)”اهــ. وساق أسماء المشايخ الذين راجعوا الكتاب.

وكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة يخرج من الإسلام بمفرده ولو لم ينضم إليه النوع الآخر. فيحصل بالاعتقاد المكفر لو لم يصحبه قول أو فعل، ففي الفتاوى المهدية للشيخ محمد العباسي الحنفي ما نصه: “سئل في رجل لم تجر على لسانه كلمة لكنه اعتقد بقلبه ما يكفر هل يكون كافرا وإن لم يتلفظ، أو يتوقف كفره على اجتماع القول والاعتقاد بالقلب أجاب: لا يتوقف كفره على اجتماع القول مع الاعتقاد في القلب بل إذا اعتقد بقلبه ما يكفر يكون كافرا كما أنه لو جرى على لسانه كلمة الكفر فإنه يحكم بكفره ظاهرا، ففي الدر وحواشيه من الردة أن ركن الردة إجراء كلمة الكفر على لسانه وهذا بالنسبة إلى الظاهر الذي يحكم به الحاكم، وإلا فقد تكون بدونه كما لو عرض له اعتقاد باطل أو نوى أن يكفر بعد حين. والله تعالى أعلم”اهــ.

ولا يشترط للوقوع في الكفر انشراح الصدر بالإجماع، فقد قال ملا علي القاري في شرحه على الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة ما نصه: “ففي حاوي الفتاوى: من كفر باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان فهو كافر وليس بمؤمن عند الله. انتهى. وهو معلوم من مفهوم قوله تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله {106} [سورة النحل]” اهــ.

قال الحافظ ابن حجر ما نصه: “قلت: وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه فقال بعد أن سرد أحاديث الباب – يعني أحاديث الخوارج -: فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث: “يقولون الحق ويقرءون القرءان ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشىء” ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من ءاي القرءان على غير المراد منه، ثم أخرج بسند صحيح عن ابن عباس وذكر عنده الخوارج وما يلقون عند قراءة القرءان فقال: يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه” اهــ.

ثم قال ما نصه: “وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام، وأن الخوارج شر الفرق المبتدعة من الأمة المحمدية ومن اليهود والنصارى، قلت: والأخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقا وفيه منقبة عظيمة لعمر لشدته في الدين، وفيه أنه لا يكتفى في التعديل بظاهر الحال ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله” اهــ.

وكذلك لا يشترط عدم الغضب، فمن تلفظ بلفظ الكفر غاضبا عامدا أي بغير سبق لسان، كفر قال النووي في روضة الطالبين ما نصه: “ولو غضب على ولده أو غلامه فضربه ضربا شديدا، فقال له رجل: ألست مسلما؟! فقال: لا، متعمدا كفر”اهــ.

وفي الفتاوى الهندية ما نصه: “وإذا قيل لرجل: ألا تخشى الله، فقال في حالة الغضب: لا، يصير كافرا. كذا في فتاوى قاضيخان”اهــ.

وهذا فيه الرد على ما ذكره سيد سابق في كتابه الذي سماه فقه السنة ونصه: “إن المسلم لا يعتبر خارجا عن الإسلام ولا يحكم عليه بالردة إلا إذا انشرح صدره بالكفر واطمأن قلبه به ودخل فيه بالفعل لقول الله تعالى ولكن من شرح بالكفر صدرا {106}…”اهــ. لأن الآية هي في المكره ليست عامة له ولغيره.

فالله تعالى أفهمنا بهذه الآية حكمين في المكره أولهما: أن المكره على الكفر إن كان قلبه مطمئنا بالإيمان ولم ينشرح صدره بالكفر أنه معذور لا يحكم عليه بالكفر.

والثاني: أن المكره إذا شرح صدره بالكفر حكم عليه بالكفر، فخالف هذا سيد سابق وتبعه حسن قاطرجي اللبناني فقالا: لا يحكم على من يقول كلمات الردة بالكفر إلا أن يختار على دين الإسلام دينا غيره ويشرح صدره به ويعتقده، فهما بذلك عطلا حكم هذه الآية وخرجا عن إجماع المسلمين.

أمثلة لبعض ألفاظ الردة

* ومن جملة ما يخرج المسلم من الإسلام سب الله بالإجماع كما في الشفا للقاضي عياض، فقد قال ما نصه: “لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم” اهــ.

* ونفي صفة من صفاته الواجبة له إجماعا كالقدرة والعلم، وذلك بالإجماع. وأما ما رواه يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي أن لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر. وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر. فمراده بذلك أن صفات الله قسمان: قسم يدرك ثبوته لله بالعقل كالصفات الثلاث عشرة: القدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام والحياة والوجود والقدم والوحدانية والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والبقاء، والقسم الثاني ما لا يدرك بالعقل والروية والفكر؛ فالقسم الأول يكفر جاحده، والقسم الثاني لا يكفر جاحده قبل العلم بالحجة لأنه يتعلق بالسمع بدليل قوله “لا يدرك بالعقل والروية والفكر”؛ وليس مراد الشافعي بقوله “يعذر بالجهل” ما كان من تلك الصفات الثلاث عشرة، فإنه يدرك ثبوته لله بالعقل والسمع، فمن جهل شيئا منها فنفى فلا عذر له فإنها شرط للألوهية قال الحافظ ابن الجوزي: “من نفى قدرة الله على كل شىء كافر بالاتفاق” أي بلا خلاف.

فإذا عرف هذا علم فساد قول بعض المدعين للعلم إن الشافعي نفى الكفر عمن جهل صفات الله على وجه يشمل الجهل بقدرة الله على كل شىء والعلم بكل شىء وسائر الصفات الثلاث عشرة، فإن هذا تخليط وجهل فظيع؛ فلا يهولنك أيها الطالب للحق تمويه الجاهل الذي يزعم أن من جحد قدرة الله على كل شىء وعلمه بكل شىء لا يكفر بل يكون معذورا إن كان جاهلا، فنص الشافعي يرد ما زعمه، فإن كلام الشافعي يبين أن مراده الأسماء والصفات التي لا يستدل على ثبوتها لله بالعقل إلا بالنقل. فإن العقل لو لم يرد نص بذلك يدرك ثبوت القدرة الشاملة لله والعلم الشامل والإرادة الشاملة ووجوب السمع والبصر له على ما يليق به، وهكذا بقية الصفات الثلاث عشرة؛ أما الوجه واليد والعين ونحوها مما ورد في النص إطلاقه على الله على أنها صفات لا جوارح فإن ذلك لا يدرك بالعقل. ولنضرب لذلك مثلا: شخص سمع إضافة اليد والعين إلى الله تعالى فأنكر لأنه لم يسمع بأن النص ورد بذلك فإنه لا يكفر بل يعلم أن هذا مما ورد به النص، فإن أنكر بعد علمه بورود النص في ذلك كفر، وكذلك من أنكر أن المؤمن من أسماء الله لأنه لم يعلم في القرءان تسمية الله بذلك فلا يكفر بل يقال له هذا ورد شرعا تسميته به في قوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن {23} [سورة الحشر]. فهل يعتقد ذو فهم في الشافعي أنه لا يكفر من نفى صفة من تلك الصفات الثلاث عشرة التي يدل العقل عليها وقد كفر حفصا الفرد لأنه لا يثبت لله الكلام الذاتي الذي هو أحد معنيي القرءان ويطلق القول بمخلوقية القرءان مع ذلك، فقد قال الشافعي رضي الله عنه لحفص بعدما ناظره: “لقد كفرت بالله العظيم” كما سبق، فكيف ينسب للشافعي بعد هذا أنه لا يكفر من نفى قدرة الله أو علمه أو سمعه للمسموعات أو بصره للمبصرات أو صفة الوحدانية أو صفة القدم أو نحو ذلك، وأنه يقول إن كان جاهلا يعذر على وجه الإطلاق.

وقد رد ابن الجوزي قول ابن قتيبة: “قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك”، فقال: “جحده صفة القدرة كفر اتفاقا” اهــ .يعني – ابن قتيبة – بذلك قصة الرجل الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: “كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا”، حيث ظن ابن قتيبة أن هذا الرجل شك في قدرة الله عليه، قال ابن الجوزي: “جحده صفة القدرة كفر اتفاقا”، وإنما معنى قوله: “لئن قدر الله علي” أي ضيق، فهي كقوله تعالى: ومن قدر عليه رزقه {7} [سورة الطلاق] أي ضيق، وأما قوله: “لعلي أضل الله” كما في رواية لهذا الحديث فمعناه لعلي أفوته؛ ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال: أنت عبدي وأنا ربك، أو يكون قوله: “لئن قدر علي” بتشديد الدال، أي قدر علي أن يعذبني ليعذبني.

قال الحافظ ابن حجر: “وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله”. وتتمة الحديث المذكور: “فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له”. والحديث أخرجه البخاري وغيره، وأخرجه ابن حبان بلفظ: “توفي رجل كان نباشا فقال لولده: أحرقوني”اهــ.

وقال النووي: “اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله، فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر، وقد قال في ءاخر الحديث إنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى والكافر لا يخشى الله تعالى ولا يغفر له، قال هؤلاء: فيكون له تأويلان أحدهما: أن معناه لئن قدر علي العذاب أي قضاه يقال منه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد، والثاني: أن قدر هنا بمعنى ضيق علي قال الله تعالى: فقدر عليه رزقه {16} [سورة الفجر]. وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: فظن أن لن نقدر عليه {87} [سورة الأنبياء]. وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع، بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: أنت عبدي وأنا ربك فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو”.انتهى كلام النووي.

فإذا عرف هذا علم أنه لا يعذر أحد في نفي القدرة عن الله ونحوها من صفاته بسبب الجهل مهما بلغ الجهل بصاحبه. وكن على ذكر واستحضار لنقل ابن الجوزي الإجماع، والشافعي يجل مقامه عن أن يخرج من الإجماع.

* ومن الكفر قول المعتزلة: الله قادر بذاته لا بقدرة عالم بذاته لا بعلم، لأنه يلزم منه نفي كونه قادرا وعالما. وقول بعضهم الذي هو مختلف فيه: لازم المذهب ليس بمذهب شرطه أن لا يكون اللازم بينا كما ذكره ابن الحاجب في أصوله وغيره، ففي هذه الحال أي حال كون اللازم بينا يكون مذهبا على القولين أي عند الذين قالوا لازم المذهب ليس مذهبا وعند الذين قالوا لازم المذهب مذهب، فقول المعتزلي إن الله قادر بذاته على الممكنات العقلية لا بقدرة يلزم من ذلك نفي كونه قادرا من باب اللازم البين.

* ومن جملة المكفرات أيضا سب النبي – كما مر في باب مفصلا – أو غيره من الأنبياء والاستهزاء بهم وتكذيبهم كنفي الآخرة والثواب والعقاب والبعث والجنة والنار والخلود فيهما، ولا عبرة بما قاله بعض المفتونين من أن النار تفنى محتجا بقوله تعالى: لابثين فيها أحقابا {23} لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا {24} [سورة النبأ]، قال: والأحقاب جمع حقب وهو ثمانون عاما، وجمع تكسير على وزن أفعال، وهو من أبنية جموع القلة التي تكون لثلاثة وما فوقها إلى العشرة، وهذا شطح كبير لأنه مخالف للنصوص الصريحة في بقاء النار منها قوله تعالى: إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا {64} خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا {65} [سورة الأحزاب] وغيره، فيتعين القول إن معنى لابثين فيها أحقابا {23} أي أحقابا لا نهاية لها، وهو من باب استعمال بعض أبنية جمع القلة بمعنى جمع الكثرة.

ففي كتاب لسان العرب ما نصه: “قال – أي الفراء -: الحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، اليوم منها ألف سنة من عدد الدنيا، قال: وليس هذا مما يدل على غاية كما يظن بعض الناس، وإنما يدل على الغاية التوقيت، خمسة أحقاب أو عشرة، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا كلما مضى حقب تبعه حقب ءاخر؛ وقال الزجاج: المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون في الأحقاب بردا ولا شرابا، وهم خالدون في النار أبدا كما قال الله عز وجل”اهــ.

* ومن الكفر أيضا إنكار نبوة نبي مجمع على نبوته كموسى وعيسى وإبراهيم وءادم عليهم الصلاة والسلام، أما نبوة ءادم فقد اتفق المسلمون عليها وأجمعوا، ونقل إجماعهم أبو منصور التميمي البغدادي المتوفى سنة 429 هجرية في موضعين من كتابه فقال ما نصه: “أجمع أصحاب التواريخ من المسلمين على أن عدد الأنبياء عليهم السلام مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا كما وردت به الأخبار الصحيحة أولهم أبونا ءادم عليه السلام وءاخرهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم” اهــ.

وقال في موضع ءاخر: “أجمع المسلمون وأهل الكتاب على أن أول من أرسل من الناس ءادم عليه السلام”اهــ.

وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ ءادم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر” اهــ.

وأما تكفير منكر نبوته فهو في الفتاوى الهندية ففيها ما نصه: “عن جعفر فيمن يقول: ءامنت بجميع أنبيائه ولا أعلم أن ءادم نبي أم لا، يكفر كذا في العتابية”اهــ.

وقال ملا علي القاري في الفقه الأكبر ما نصه: “والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم أي جميعهم الشامل لرسلهم ومشاهيرهم وغيرهم أولهم ءادم عليه الصلاة والسلام على ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فما نقل عن بعض من إنكار نبوته يكون كفرا”اهــ.

وفي قول الله تعالى:  واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الأخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين {27} لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين {28} إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك {29} [سورة المائدة] الآية دليل على رسالة ءادم، وأن أبناءه كانوا على شريعة أنزلت على أبيهم، وفي حديث البخاري: “لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن ءادم الأول كفل من دمها”، دليل أيضا لأنه لو لم يكن مرسلا إلى أبنائه لم يكونوا مكلفين، فلم يكن يكتب على ابن ءادم الأول ذنب.

وقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه بفضل البشر، ولو كان أولهم ءادم وأبناؤه عائشين بغير شريعة يعملون بها لكانوا كالبهائم ليس لهم ذلك الفضل الذي ناله أبوهم بإسجاد الملائكة له.

وروى ابن حبان في صحيحه قال: “أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام قال: سمعت أبا سلام قال: سمعت أبا أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أنبيا كان ءادم؟ قال: “نعم مكلم”، قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: “عشرة قرون”.

وفيه عن أبي ذر أنه قال: “قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: “مائة ألف وعشرون ألفا” قلت: يا رسول الله كم الرسل من ذلك؟ قال: “ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا” قال: قلت: يا رسول الله من كان أولهم؟ قال: “ءادم” قلت: يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال: “نعم، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا”. رواه ابن حبان وصححه، وكلام من تكلم في إبراهيم ابن هشام بن يحيى الغساني أحد رواة هذا الحديث لا يضر تصحيحه، لأن ابن حبان ذكره في كتابه الثقات.

ورواه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية في عدة مواضع مطولا وعزاه لمحمد بن أبي عمر، ومختصرا وعزاه لإسحاق بن راهويه.

وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في شرح البخاري عازيا له لابن حبان مع ذكر أن ابن حبان صححه ولم ينتقده لكون ذلك الراوي المختلف فيه وجد لحديثه شواهد، وكثير من الأحاديث يكون في إسنادها من هو مختلف في توثيقه ويوجد لحديثه شاهد فيقوى بالشاهد.

وقال في موضع ءاخر: “قوله إنا أوحينا إليك {163} الآية، قيل: قدم ذكر نوح فيها لأنه أول نبي أرسل أو أول نبي عوقب قومه، فلا يرد كون ءادم أول الأنبياء مطلقا كما سيأتي بسط القول في ذلك في الكلام على حديث الشفاعة” اهــ.

ويحتم كونه رسولا أن النبي غير الرسول يكون تابعا لرسول قبله ولم يكن قبل ءادم بشر حتى يكون فيهم رسول وءادم نبيا تابعا له.

أما حديث البخاري الذي فيه أن الناس يأتون نوحا يوم القيامة فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض فمعناه أنه أول رسول أرسل إلى قبائل متعددة لأن من كان قبله لم يكونوا كذلك؛ دل على ذلك كلمة “إلى أهل الأرض”.

ومن الدليل على رسالة ءادم أنه أحل له أن يزوج بنيه من بناته الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، ثم نسخ هذا الحكم بموته. ولولا أن فعل ءادم الذي فعله من تزويج بنيه من بناته بوحي أوحي إليه لأنه رسول من الله لكان ذلك التصرف تصرفا باطلا ولكان ذلك كتسافد الحمير، ولكان البشر الأول لا نسب لهم شرعي بل كانوا أبناء زنى، وذلك مناف لكرامة ءادم عند الله؛ فنفي رسالة ءادم على الإطلاق تكذيب للدين فهو كفر، فهو كإنكار نبوته الذي نقل الإجماع على أنه كفر غير واحد منهم ابن حزم فقد ذكر: إن المخالف في ذلك متفق على كفره وذلك في كتابه مراتب الإجماع.

وينطبق هذا الحكم على بعض الوهابية كأبي بكر الجزائري مؤلف كتاب منهاج المسلم وكتاب عقيدة المسلم، وتسمية هذين الكتابين بهذين الاسمين تحريف للحقيقة، فهذان الكتابان جديران بأن يسميا بضد ذلك فيقال في الأول: ضد منهاج المسلم وفي الثاني: ضد عقيدة المسلم.

* ومن الكفر اعتقاد جواز نبوة أحد بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لما فيه من تكذيب للقرءان والسنة وإجماع المسلمين المعلوم بين علمائهم وعوامهم، أما القرءان فقوله تعالى: ولكن رسول الله وخاتم النبيين {40} [سورة الأحزاب]، أما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: “وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي” أخرجه البخاري وغيره. ومخالفة القاديانية أتباع غلام أحمد القادياني الباكستاني الذي ادعى النبوة لهذا، وتأويلهم للخاتم بمعنى الزينة كفر، وهذا غلام أحمد قال عن نفسه إنه نبي رسول، وقال إنها نبوة تجديدية، وقال إنها نبوة ظلية أي تحت ظل محمد، ثم المسلمون قاموا ليقتلوه أول ما دعا إلى الإيمان بأنه نبي فاحتمى بالإنكليز، فشرطوا عليه أن يعطل حركة الجهاد في الهند كلها، فقال فيما ادعى إنه وحي من الله: “يجب علينا شكر الدولة البريطانية لأنهم أحسنوا إلينا بأنواع الامتنان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وحرام علينا وعلى جميع المسلمين محاربة الإنكليز”، فوفى بالشرط الذي طلبوا منه، ثم قام مقامه بعض ذريته لتلك الدعوة. ومن جملة تمويهاتهم أنهم يقولون: معنى “لا نبي بعدي” المذكور في الحديث لا نبي ءاخر في حال حياتي، وهذا تحريف للحديث، بل معناه أنا ءاخر النبيين لا يأتي بعدي نبي إلى يوم القيامة.

ويصدق هذا الحديث الصحيح الذي رواه مسلم فإنه صلى الله عليه وسلم قال: “وختم بي النبيون”. وهذا يزيد معنى وخاتم النبيين وضوحا أنه بمعنى ءاخرهم أي بمعنى الآخر الذي لا نبي بعده، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه عند السفر إلى تبوك: “أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي”، رواه البخاري، وقوله صلى الله عليه وسلم: “لم يبق من النبوة إلا المبشرات” قالوا: وما المبشرات؟ قال: “الرؤيا الصالحة”. رواه البخاري. وهذا التمويه يرد أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم: “لو كان بعدي نبي لكان عمر” رواه الترمذي، وبالحديث الذي فيه إخبار النبي أنه سيأتي بعده كذابون كل منهم يزعم أنه رسول الله، فغلام أحمد داخل في هؤلاء لأن الرسول ذكر أنهم ثلاثون ولم يدع في حياة رسول الله النبوة إلا الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب.

* ومن الكفر الفعلي كتابة الفاتحة بالبول ولو كان لغرض الاستشفاء، وما يوجد في حاشية ابن عابدين نقلا عن صاحب الهداية من أنه يجوز كتابة الفاتحة بالدم على الجبهة لمن رعف وكذلك بالبول إن علم فيه شفاء، فهو مردود، وهو مجرد رأي لبعض الحنفية لم ينقل عن صاحب المذهب أبي حنيفة ولا عن أحد من كبار أصحابه؛ ومستبعد أن يكون من كلام ابن عابدين لأنه ذكر في ثبته أنه لا يجوز كتابة القرءان بالدم فقال فيه ما نصه: “ومنها ما رأيته بخطه أيضا مما يكتب للرعاف على جبهة المرعوف: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر {44} [سورة هود]. ولا يجوز كتابتها بدم الرعاف كما يفعله بعض الجهال لأن الدم نجس فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى”اهــ.فليحذر هذا النقل الذي في الحاشية فإن المذهب الحنفي بريء منها، فوبالها على من قالها ومن اتبعها أو صدقها.

فائدة مهمة: ويجب على من وقعت منه ردة أن يعود فورا إلى الإسلام بالشهادتين والإقلاع عما وقعت به الردة، ولا يكفي للدخول في الإسلام قول أستغفر الله بدل الشهادتين، ويدل على ذلك ما رواه ابن حبان عن عمران ابن حصين قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا محمد، عبد المطلب خير لقومه منك كان يطعمهم الكبد والسنام وأنت تنحرهم، فقال له ما شاء الله، فلما أراد أن ينصرف قال: ما أقول قال: “قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على رشد أمري” فانطلق الرجل ولم يكن أسلم، وقال لرسول الله: إني أتيتك فقلت علمني فقلت: قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على رشد أمري، فما أقول الآن حين أسلمت، قال:”قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على رشد أمري، اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما جهلت”. والدليل فيه أن الرسول لما جاءه هذا الرجل كافرا لم يأمره بالاستغفار باللسان لأنه لا ينفعه وهو على كفره، ثم لما جاءه وقد أسلم أمره بالاستغفار وأما قوله تعالى حكاية عن نوح: فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا {10} [سورة نوح]  فمعناه: اطلبوا المغفرة من الله بالدخول في الإسلام، وليس الاستغفار اللساني المجرد عن الدخول في الإسلام أي الإيمان بالله ونبي ذلك الوقت وهو نوح.

وروى هذا الحديث أحمد والنسائي عن عمران بن حصين، عن أبيه قال: “أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا محمد، عبد المطلب خير لقومك منك كان يطعمهم الكبد والسنام وأنت تنحرهم قال: فقال ما شاء الله، فلما أراد أن ينصرف قال: ما أقول قال: “قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على رشد أمري” فانطلق ولم يكن أسلم. ثم إنه أسلم فقال: يا رسول الله إني كنت أتيتك فقلت علمني فقلت قل: “اللهم قني شر نفسي واعزم لي على رشد أمري” فما أقول الآن حين أسلمت؟ قال: “قل: اللهم قني شر نفسي واعزم لي على رشد أمري، اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما علمت وما جهلت”.

أخبرنا أبو جعفر بن أبي سريج الرازي، قال: أخبرني محمد بن سعيد وهو ابن سابق القزويني، قال: ثنا عمرو وهو ابن أبي قيس، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن عمران بن حصين، عن أبيه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد كان عبد المطلب خيرا لقومك منك، كان يطعمهم الكبد والسنام وأنت تنحرهم، فقال له ما شاء الله أن يقول، ثم قال له: “قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على رشد أمري”، ثم أتاه وهو مسلم فقال: قلت لي ما قلت فكيف أقول الآن وأنا مسلم؟ قال: “قل: اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما جهلت”.

أخبرني زكريا بن يحيى، قال: حدثنا عثمان هو ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا زكريا هو ابن أبي زائدة، قال: حدثنا منصور بن المعتمر، قال: حدثني ربعي بن حراش، عن عمران بن حصين، قال: جاء حصين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم فقال: يا محمد كان عبد المطلب خيرا لقومك منك كان يطعمهم الكبد والسنام وأنت تنحرهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول، ثم إن حصينا قال: يا محمد ماذا تأمرني أن أقول؟ قال: “تقول: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وأسألك أن تعزم لي على رشد أمري”. ثم إن حصينا أسلم بعد ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني كنت سألتك المرة الأولى وإني أقول الآن ما تأمرني أن أقول؟ قال: “قل اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما جهلت وما علمت”اهــ. ورواية ابن حبان ليس فيها تسمية الرجل حصينا.

فتبين بهذا صحة ما قلت في تأليف لي أن المرتد إذا قال أستغفر الله قبل أن يتشهد لا يزداد إلا ذنبا، لأن معناه اللهم اغفر لي وأنا كافر بك، وذلك مراغمة للدين فيكون ذلك منه زيادة كفر. واستغفار إبراهيم لأبيه الذي كان كافرا وهو على كفره معناه أنه يطلب له من الله المغفرة بالدخول في الإسلام لأن الإسلام كفارة الكفر، قال الله تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف {38}  [سورة الأنفال]، وعلى ذلك يحمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق أبي طالب حين عرض عليه الإسلام فأبى: “لأستغفرن لك ما لم أنه عنك” أي ما لم يوح الله إلي أنك تموت كافرا. فهذه المسئلة من المهمات لأن كثيرا من الناس يقعون في الردة بسب الله أو غير ذلك ثم يقولون أستغفر الله أستغفر الله من دون أن يقولوا الشهادتين، وهؤلاء لا ينفعهم قول أستغفر الله بل يزيدهم كفرا، وهذا كثير في بعض البلاد، فلينبهوا وليعلموا الصواب، وإلى الله المرجع والمآب. وكان رجل ممن ينتسب إلى العلم قد رأى في تأليفي “الصراط المستقيم” هذه المسئلة فقال: هذا غير صحيح كيف لا يجوز لمن وقع في الردة أن يقول أستغفر الله قبل دخوله في الإسلام، فاستنكر ذلك استنكارا شديدا، ثم وجهت إليه من يورد عليه هذا الحديث، ولا أدري هل رجع عن رأيه أم لا.

وأما المجمع عليه فجحده فيه تفصيل ذكره الزركشي في تشنيف المسامع ممزوجا بالمتن فقال ما نصه: “(ص) جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كافر قطعا وكذا المشهور المنصوص في الأصح وفي غير المنصوص تردد، ولا يكفر جاحد الخفي ولو منصوصا (ش) من جحد مجمعا عليه فله أحوال أحدها: أن يكون ذلك المجمع عليه معلوما من الدين بالضرورة كأركان الإسلام فهو كافر قطعا، وليس كفره من حيث إنه مجمع عليه بل لجحده ما اشترك الخلق في معرفته، ولأنه صار بخلافه جاحدا لصدق الرسول؛ واعلم أنه قد يستشكل قولهم المعلوم من الدين بالضرورة فإنه ليس في الأحكام الشرعية على قاعدة الأشعرية شىء يعلم كونه حكما شرعيا إلا بدليل. وجوابه: أنها ثبتت بأعظم دليل وإنما سميت ضرورية في الدين من حيث أشبهت العلوم الضرورية في عدم تطرق الشك إليها واستواء الخواص والعوام في دركها.

الثانية: أن لا يبلغ رتبة الضروري لكنه مشهور فينظر فإن كان فيه نص كالصلوات ففي تكفيره خلاف والأصح نعم، وإن لم يكن فيه نص ففي الحكم بتكفيره خلاف، وصحح النووي في باب الردة التكفير ونقل الرافعي في باب حد الخمر عن الإمام أنه لم يستحسن إطلاق القول بتكفير المستحل، وقال: كيف نكفر من خالف الإجماع ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه ونضلله، وأول ما ذكره الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع ثم خالفه فإنه يكون ردا للشرع.

الثالثة: أن يكون خفيا لا يعرفه إلا الخواص كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف، وتوريث بنت الابن السدس مع بنت الصلب، فإذا اعتقد المعتقد في شىء من هذا أنه خلاف إجماع العلماء لم يكفر لكن يحكم بضلاله وخطئه، ولا فرق في هذا بين المنصوص عليه وغيره لاشتراك الكل في الخفاء ولا يعلم فيه خلاف” اهــ.

تنبيه مهم

في تحريم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع الذنوب

قال الشوبري في تجريده حاشية الرملي الكبير ما نصه: “وجزم ابن عبد السلام في الأمالي والغزالي بتحريم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع الذنوب وبعدم دخولهم النار، لأنا نقطع بخبر الله تعالى وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم من يدخل النار. وأما الدعاء بالمغفرة في قوله تعالى حكاية عن نوح: رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات {28} [سورة نوح] ونحو ذلك فإنه ورد بصيغة الفعل في سياق الإثبات، وذلك لا يقتضي العموم لأن الأفعال نكرات، ولجواز قصد معهود خاص وهو أهل زمانه مثلا”.اهــ.

وكذا ذكر الرملي في شرح المنهاج وابن عابدين الحنفي في حاشيته، فليس معنى الآية اغفر لجميع المؤمنين جميع ذنوبهم.

وهذا الدعاء فيه رد للنصوص، ورد النصوص كفر كما قال النسفي في عقيدته المشهورة، وقد قال أبو جعفر الطحاوي: “والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام”، وهذه عقيدة المرجئة، وهم من الكافرين من أهل الأهواء وذلك لقولهم لا يضر مع الإسلام ذنب كما لا تنفع مع الكفر حسنة.