الدرس الثلاثون
بسم الله الرحمٰن الرحيم
درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في يوم السبت الخامس والشعرين من شهر بيع الآخر سنة ألف وثلاثمائة وستة وتسعين من الهجرة الشريفة الموافق للرابع والعشرين من نيسان لسنة ست وسبعين وتسعمائة وألف رومية وهو في بيان أهمية إمساك اللسان عن الشر.
قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين أما بعد. فقد قال الله تبارك وتعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}([i]) الله تبارك وتعالى حذرنا من أن نطلق ألسنتنا فيما لا خير لنا فيه، أعلمنا في هذه الآية بأن علينا ملائكة يكتبون أقوالنا، هم ليس يقتصرون على كتابة الأقوال بل يكتبون الأفعال أيضا لكن الله تبارك وتعالى ذكر في هذه الآية القول، ذكر بأن ملائكة الله يراقبون ما يخرج من فم الإنسان لأن أكثر أعمال الجوارح أعمال اللسان، اللسان أكثر أعمالا من غيره من الجوارح، الرجل واليد والسمع والأذن هؤلاء من جوارح الإنسان التي يعمل بها أعمالا، الأذن يستمع بها إلى الخير وإلى الشر والعين ينظر بها إلى الخير وإلى الشر، واليد يبطش بها أو يتناول بها، يمسك بها الخير والشر، والرجل كذلك يستعملها في الخير وفي الشر لكن فعل اللسان أكثر من فعل غيره من الجوارح لذلك الله تبارك وتعالى ذكر في هذه الآية القول، أخبرنا بأنه وكل بنا ملائكة يكتبون ما نتكلم به فلما قال الله تبارك وتعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} علمنا أنهم يكتبون ما يخرج من فم الإنسان وفعل العبد أي ما يتكلم به عمدا ليس سبق لسان لأن سبق اللسان لا يدخل تحت التكليف، الله تعالى ما كلف عباده بالتحفظ من سبق اللسان بحيث لا يصدر منهم إنما كلفنا بأن نحفظ ألسنتنا من أن نتكلم باختيارنا بما حرم علينا، الملكان رقيب وعتيد هذان كاتبان موكلان بابن آدم، لكل شخص من ذكر أو أنثى أحدهما يكتب الحسنات والآخر يكتب السيئات ثم هما يكتبان غير الحسنات والسيئات كل ما يخرج من فم الإنسان يكتبان، ثم ما كان سيئات فإما أن يتوب هذا العبد فتمحى وإما أن لا يتوب إلى الممات فتبقى في صحائفه حتى يجدها يوم القيامة فيراها ويقرأها لما يعرض عليه كتابه وأما ما كان من الحسنات فإنها تثبت له ولا تمحى إلى يوم القيامة إلا أن يطرأ عليها ما يفسدها، الكفر يفسد الحسنات، إذا كفر الإنسان كفرا قوليا محيت تلك الحسنات كلها وإن فعل فعلا كفريا كذلك وإن اعتقد عقيدة كفرية كذلك، كل حسنة قدمها فإنها تمحى.
أما غير الكفر فلا شيء يمحو الحسنات كلها حتى إن ما ورد في الحديث الذي رواه أحمد ومسلم وابن ماجه وابن حبان أن من ترك صلاة العصر حبط عمله([ii]). اهـ. فمعناه فسد عليه نهاره ذلك الذي ترك فيه صلاة العصر أي حرم هذا الأجر العظيم أجر صلاة العصر التي هي أفضل الصلوات، حبط عمله معناه ذهب عليه الفلاح في آخر نهاره هذا، ما أفلح في نهاره هذا، خسر آخر نهاره، هذا معناه كأنه حبط عمله ليس معناه كل حسناته تذهب من أجل أنه ترك العصر، لا تمحى كل حسنة قدمها من أول يوم جرى عليه قلم الحسنات والسيئات أي من أول يوم بلغ لا يمحو الحسنات التي يعملها الإنسان كلها إلا الكفر، ثم هذان الملكان الكريمان ما كان من القول يسمعانه فيكتبانه وما كان من الفعل فيريانه فيكتبان وما كان من الاعتقاد فإن الله تعالى يطلعهما لأنهما من أحبابه، الملائكة كلهم أحباب الله ما فيهم عاص كل مطيع لأمر ربه ليسوا كالجن والبشر، الجن والبشر هم الذين أكثرهم فاسقون، أكثرهم عصاة لربهم، أكثر الإنس والجن كفار، المؤمنون بالنسبة للكفار قلة، اليوم وقبل اليوم الناس أكثرهم كفار، الآن إذا أحصي سكان الأرض وميز المسلم منهم من غير المسلم لطلع المسلمون نحو العشر، وفيما مضى منذ أيام قوم نوح البشر أغلبهم كفار غلا ما يتخلل تلك الأزمان لأنه فيما مضى البشر ما كانت حالتهم مثل اليوم، فيما مضى البشر لما يكفرون ويكذبون أنبياءهم الله تعالى يمحقهم، يمحق الكافرين فيترك المسلمين ثم هؤلاء المسلمون يعيشون على الأرض فيتوالدون ويتناسلون فيكثرون ثم يعود فيهم الكفر والشرك فيكذبون أنبياءهم، الأنبياء الذين أرسلوا إليهم، هذا تكرر في البشر فيما مضى، أما بعد أن أرسل سيدنا محمد لا يأتي على البشر عذاب عام يستأصل الكفار، يحصدون فيه كلهم بحيث لا يبقى على وجه الأرض فرد واحد من الكفار إلا أنه بعدما ينزل عيسى المسيح عليه السلام. يفهم من الحديث الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن نزول عيسى، قال عليه الصلاة والسلام: «تهلك الـملل كلها سوى ملة الإسلام» اهـ رواه ابن حبان([iii]) لما ينزل المسيح عيسى من السماء إلى الأرض تهلك الأديان كلها ولا يبقى إلا الإسلام، في ذلك الوقت يختلف الأمر، الله تعالى يهلكهم بقدرته بغير الطريقة المتعارفة بين الناس يكون هلاك الكفار فيعيش المسلمون ءامنين مطمئنين لا يشكو أحد فقرا لأن الأرض تخرج ما في جوفها من الذهب وغيره، الآن في جوف الأرض ذهب كثير ذلك الوقت تخرج الأرض ما في جوفها، تظهر الذهب فيكثر بين الناس بحيث إن الإنسان يصل إلى حالة لا يجد من يأخذ منه صدقته، كل مكتف، كل فرد من أفراد البشر مكتف، فالله أعلم متى يزل من السماء فيحصل هذا الشيء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عيسى ابن مريم نازل فيكم فاعرفوه رجل ربعة سبط الشعر معتدل القامة»([iv]) اهـ. قال معتدل القامة وسبط الشعر معناه شعره ناعم ليس جعدا فيمكث في الأرض أربعين عاما فيهلك الله الملل كلها سوى ملة الإسلام هكذا قال، ويحكم بشريعة سيدنا محمد لكنه أول ما ينزل، المكان الذي ينزل فيه في الشام، يلتقي مع المهدي عليه السلام في الشام بمعنى أنه ضمن أرض الشام، والشام ليست سورية فقط بل لبنان والأردن وفلسطين وسورية كل هذا شام، وذكر الرسول أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، الله أعلم أية منارة ينزل عندها المسيح، والآن توجد منارة بيضاء بمعنى عامود النور الذي عمل للمطار الجديد، هي هذه المنارة بيضاء كالمنارة التي هنا في رأس بيروت. يحتمل أن يكون نزول المسيح في المنارة البيضاء التي في دمشق التي عملت للمطار ويحتمل أن يكون نزوله في مكان آخر فيه منارة بيضاء، الله أعلم، قال عليه الصلاة والسلام: «ثم يتوفى فيصلى عليه المسلمون». اهـ. رواه الحاكم. لما قال الرسول عليه السلام في هذا الحديث ثم يتوفى علمنا أنه قبل ها لم يمته الله تعالى إنما رفعه حيا من الأرض إلى السماء يقظان، ثم إن الرسول وصف لونه ففي رواية في صحيح البخاري أنه ءادم، رءاه ءادم، الآدم معناه الأسمر وفي رواية أنه وصفه بالأحمر، أحمر اللون، فمعنى الروايات أنه ليس أبيض مشرقا بل هو أسمر سمرة خفيفة، كما يقولون عندكم حنطاوي، الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه بذلك، وأوحى إليه بما ذكرناه في أول الدرس من أن الله تبارك وتعالى وكل بعباده بكل عبد ملكين يكتبان أقواله وأفعاله والعقائد أيضا تغيرات العقائد، فمن كان ثابتا على عقيدة الإسلام ملك الحسنات يكتب على هذا الإنسان عقيدته، عقيدة الإسلام.
انتهى والله تعالى أعلم.
([ii]) ورواه البخاري باب التبكير بالصلاة في يوم غيم.
([iii]) ذكر الإخبار عن وصف الأمن الذي يكون في الناس بعد قتل ابن مريم الدجال.
([iv]) رواه الحاكم في المستدرك. بلفظ إن روح الله عيسى ابن مريم نازل فيكم فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان ممصران كان رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام فيهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة على أهل الأرض حتى ترعى الأسود مع الإبل والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان مع الحيات لا تضرهم فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. قال الذهبي في التلخيص صحيح.