الأربعاء يناير 28, 2026

بيان أن طلب ما لم تجر به العادة ليس شركا

فإن قيل: طلب ما لم تجر به العادة من غير الله شرك.

قلنا: الدليل على جواز طلب ما لم تجر به العادة بين الناس فمن ذلك ما رواه مسلم [1] من أن ربيعة بن كعب الأسلمي الذي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله من باب حب المكافأة: “سلني” فطلب من رسول الله أن يكون رفيقه في الجنة، فقال له: أسألك مرافقتك في الجنة، فلم ينكر عليه رسول الله بل قال له من باب التواضع: “أو غير ذلك”، فقال الصحابي:  هو ذاك، فقال له: “فأعني على نفسك بكثرة السجود”، وكذلك سيدنا موسى عليه السلام حين طلبت منه عجوز من بني إسرائيل أن تكون معه في الجنة لم ينكر عليها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها روى ذلك عنه ابن حبان في صحيحه والحافظ الهيثمي [2].

ولفظ الحديث كما في المطالب العالية [3] عن أبي موسى قال: “أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي، فأكرمه فقال له: “ائتنا”، فأتاه فقال: “سل حاجتك”، فقال: ناقة نركبها وأعنز يحلبها أهلي، فسألوه فقال: “إن موسى لما ساء ببني إسرائيل من مصر ضلوا الطريق، فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا: عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها، فأتته، فقال: دلوني على قبر يوسف، قالت: حتى تعطيني حكمي، قال: ما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت: أنضبوا هذا الماء، فأنضبوه قالت: احتفروا، فحفروا واستخرجوا عظام يوسف، فلما أقلوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار” [لأبي يعلى] [4]” اهـ.

ولا ينافي هذا حياة الأنبياء في قبورهم، لأن هذا من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل وهو من أنواع المجاز المشهورة كما قال ابن قيس الرقيات في طلحة الطلحات قال:

رحم الله أعظما دفنوها *** بسجستان طلحة الطلحات [5]

ومعلوم أن ابن قيس لا يقصد أنهم دفنوا الأعظم المتجرد عن الجلد واللحم، ومن الشائع المشهور عند العرب قولهم وجه فلان وجه خير وهم يقصدون بالوجه ذاته، فتبين أن ذكر العظام في قصة يوسف المراد به جملة الجسد فلا ينافي معناه حديث: “الأنبياء أحياء في قبورهم”.

وإنما يكون شركا طلب ما انفرد به الله تعالى كطلب خلق شئ أي إحداثه من العدم، وطلب مغفرة الذنوب، قال تعالى: {هل من خالق غير الله} [سورة فاطر/3] وقال: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [سورة ءال عمران/135]، وقد قال جبريل لمريم: {لأهب لك غلاما زكيا} [سورة مريم/19] فواهب الغلام الذي هو عيسى لمريم في الحقيقة هو الله، ولكن الله جعل جبريل سببا، فأضاف جبريل هذه الهبة إلى نفسه. وقصة جبريل هذه يعلم منها عظم شطط هؤلاء في تكفير المتوسلين والمستغيثين لمجرد قول أحدهم: يا رسول الله ضاقت حيلتي أغثني يا رسول الله، وما شابه ذلك من العبارات التي يطلقونها ولا يعنون بها أن رسول الله يخلق أو أنه يستحق العبادة التي هي غاية التذلل، بل يعنون أنه سبب لنيل المقصود والبركة من الله، ولا يفهمون من الواسطة إلا معنى السببية، وإن أطلق بعضهم في ذلك لفظ الواسطة فهذا ما يعنونه. وقد أجرى الله العادة بربط المسببات بالأسباب، فالله تبارك وتعالى كان قادرا على أن يعطي مريم ذلك الغلام الزكي من دون أن يكون لجبريل سببية في ذلك.

فكيف يسوغ تكفير المسلم لمجرد أنه قال: إن النبي والولي واسطة بمعنى  السبب، إنما الشرك هو إثبات الواسطة بمعنى أن شيئا يعين الله أو أن الله سبحانه لا يستطيع أن يحصل ذاك الشئ استقلالا إلا بواسطة النبي أو الولي، فهذا هو الشرك لو كانوا يفهمون.

ومنكرو التوسل أتباع ابن تيمية يقولون لماذا تجعلون واسطة بقولكم: اللهم إني أسألك بعبدك فلان؟ الله لا يحتاج إلى واسطة، يقال لهم: الواسطة قد تأتي بمعنى المعين والمساعد وهو محال بالنسبة إلى الله تعالى، أما الواسطة بمعنى السبب فالشرع والعقل لا ينفيانه، فالله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها، جعل الأدوية أسبابا للشفاء، وهو خالق الأدوية وخالق الشفاء بها، كذلك جعل الله تعالى التوسل بالأنبياء والأولياء سببا لنفع المتوسلين، ولولا أن التوسل سبب من أسباب الانتفاع ما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعمى التوسل به، ثم الله تعالى هو خالق التوسل وخالق النفع الذي يحصل به بإذن الله، فالتوسل بالأنبياء والأولياء من باب الأخذ بالأسباب، لأن الأسباب إما ضرورية كالأكل والشرب، وإما غير ضرورية كالتوسل، وكل من جملة الأسباب. والمؤمن الذي يتوسل بالأنبياء والأولياء لا يعتقد أن كونهم وسطاء بينه وبين الله بمعنى أن الله يستعين بهم في إيصال النفع للمتوسل أو أنه لا يستقل بذلك، بل يراهم أسبابا جعلها الله لحصول النفع بإذنه.

ثم إن مقصود المتوسل قد يحصل وقد لا يحصل كما أن الذي يتداوى بالأدوية قد يحصل له الشفاء بها وقد لا يحصل، كذلك زيارة قبور الأنبياء والأولياء للتبرك رجاء إجابة الدعاء عندها جعلها الله سببا لحصول المنفعة وذلك معلوم بين المسلمين عوامهم وخواصهم، ما كان ينكره أحد قبل ابن تيمية، ومن ذلك قصة الصحابي الذي زار قبر النبي عام الرمادة، وقد مر ذكرها قبل قليل وثبوت صحتها كما قال الحافظ البيهقي وابن كثير.

فقول هؤلاء المنكرين لم تجعلون وسائط بينكم وبين الله، ولم لا تطلبون حاجاتكم من الله من غير واسطة؟، كلام لا معنى له، لأن الشرع رخص للمؤمن بين أن يطلب من الله حاجته بدون توسل وبين أن يطلب حاجته مع التوسل، فالذي يقول: اللهم إني أسألك بنبيك، أو بجاه نبيك، أو نحو ذلك، فقد سأل الله، كما أن الذي يقول: اللهم إني أسألك كذا وكذا قد سأل الله، فكلا الأمرين سؤال من العبد ربه، وكلاهما داخل تحت حديث “إذا سألت فاسأل الله”.

فالأمر ليس كما تزعمون أيها التيميون، وكل ما حصل منكم منذ أن نشر ابن تيمية في الناس هذا الاعتقاد الفاسد فيما يتعلق بالتوسل وزيارة القبور للتبرك من تضليل وتكفير فوباله عليكم وعلى إمامكم، لأن ذلك داخل تحت حديث: “ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده”.

هذا وقد صرح ابن تيمية في غير موضع بأن قصد القبر للدعاء عنده بدعة قبيحة. قال البهوتي صاحب كشاف القناع [6] نقلا عن صاحب الفروع ما نصه: “وقال شيخنا –يعني ابن تيمية-: قصده –يعني القبر- للدعاء عنده رجاء الإجابة بدعة لا قربة باتفاق الأئمة” اهـ. وصاحب الفروع هو شمس الدين بن مفلح الحنبلي وهو من تلامذة ابن تيمية، وقال في موضع ءاخر في كشاف القناع: “قال الشيخ –يعني ابن تيمية-: ويحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقا، ثم قال: واتفقوا على أنه لا يقبله ولا يتمسح به، فإنه من الشرك، وقال: والشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر” اهـ. هذه عبارته التي نقلها عنه البهوتي.

الهوامش:

[1] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة: باب فضل الاستسقاء السجود والحث عليه.

[2] أخرجه ابن حبان في صحيحه أنظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان [2/53]، والحاكم في المستدرك [2/571-572]، وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد [10/170-171]، وقال: “رواه الطبراني، ورواه أبو يعلى ورجال أبي يعلى رجال الصحيح”.

[3] المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية [3/273-274].

[4] أخرجه أبو يعلى في مسنده [13/236-237].

[5] في شرح القاموس [2/192] ما نصه: طلحة الطلحات “في بعض حواشي نسخ الصحاح بخط من يوثق به الصواب طلحة بن عبد الله قال ابن بري ذكر ابن الأعرابي في طلحة الطلحات لأن أمه صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة زاد الأزهري: ابن عبد مناف قال: وأخوها أيضا طلحة بن الحارث فقد تكنفه هؤلاء الطلحات كما ترى ومثله في شرح أبيات الإيضاح وفي تاريخ ولاة خراسان لأبي الحسين علي بن أحمد السلامي سمي به لأن أمه طلحة بنت أبي طلحة وفي الرياض النضرة أن أمه صفية بنت عبد الله بن عباد بن مالك بن ربيعة الحضرمي أخت العلاء بن الحضرمي أسلمت وقال ابن الأثير قيل إنه جمع بين مائة عربي وعربية بالمهر والعطاء الواسعين فولد لكل منهم ولد فسمي طلحة فأضيف إليهم وفي شواهد الرضي لأنه فاق في الجود خمسة أجواد اسم كل واحد منهم طلحة وهم طلحة الفياض، وطلحة الجود، وطلحة الدراهم، وطلحة الندى، وقيل في أجداده جماعة اسم كل طلحة كذا في شرح المفصل لابن الحاجب وفي كتاب الغرر لإبراهيم الوطواط الطلحات خمسة وهم طلحة بن عبيد الله التيمي وهو طلحة الفياض وطلحة بن عمر بن عبد الله بن معمر التيمي وهو طلحة الجود وطلحة بن عبد الله لبن عوف الزهري ابن أخي عبد الرحمن بن عوف وهو طلحة الندى وطلحة بن الحسن بن علي بن أبي طالب وهو طلحة الخير وطلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر ويسمى طلحة الدراهم وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وهو سادسهم المشهور بطلحة الطلحات ومثله كلام ابن بري وقبر طلحة الندى بالمدينة وقبر طلحة الطلحات بسجستان وفيه يقول ابن قيس الرقيات:

رحم الله أعظما دفنوها *** بسجستان طلحة الطلحات” اهـ.

[6] كشاف القناع [2/68].