يقول حزب التحرير إن الذي يكون في زمن ليس فيه خليفة كهذا الزمن إذا مات تكون ميتته ميتة جاهلية، مع إيهامهم أن ذلك لمن لم يتكلم معهم في أمر الخليفة كما هم يتكلمون بألسنتهم.
يقال لهم: هذا الحديث رواه مسلم([1]) عن ابن عمر عن نبي الله ﷺ بلفظ: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». وهم يذكرون منه للناس الجملة الأخيرة يكررون: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».
ومعنى الحديث ليس كما يزعمون إنما معناه أن الذي يترك الإمام بالخروج عن طاعته كالذين خرجوا على علي إذا مات وهو على تلك الحال تكون ميتته ميتة جاهلية([2]) كما يدل على ذلك حديث مسلم([3]) عن ابن عباس، عن النبي: «من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية».
فلتنظر التحريرية إلى قول النبي: «فمات عليه» فإنه صريح في أن الذي يموت ميتة جاهلية هو الذي يأتيه الموت وهو متمرد على السلطان، أي: والإمام قائم، ويدل عليه أيضا حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية»([4]).
وخير ما يفسر به الحديث الحديث، فالأحاديث الثلاثة: حديث عبد الله ابن عمر، وحديث عبد الله بن عباس، وحديث أبي هريرة كل يعني أن الذي يموت متمردا عن طاعة الخليفة مع قيام الخليفة هو الذي يموت ميتة جاهلية، ليس الذي يموت ميتة جاهلية المسلم الذي يموت في زمن ليس فيه جماعة ولا إمام أي جماعة المسلمين مع إمامهم بدليل حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه البخاري ومسلم أن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة([5]) حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»([6]).
فيجب التوفيق بين حديث عبد الله بن عمر الذي أنتم تموهون به على الناس وبين حديث حذيفة لأن كلا الحديثين صحيح، وحديث حذيفة أصح منه لأنه اتفق على إخراجه البخاري ومسلم بما ذكرنا حيث لم يقل رسول الله ﷺ لحذيفة فأنتم في ذلك الوقت من مات منكم قبل نصب الخليفة فميتته جاهلية، فمن أين لكم يا تحريريون هذا التحريف لحديث رسول الله؟! فارجعوا للحق.
ثم هذا الكلام يرجع عليكم لأنكم كأنكم تقولون الآن إذا مات أحدنا فميتته جاهلية لا يعود على المسلمين، ومحاولتكم تطبيق حديث عبد الله ابن عمر على المسلمين في هذا الوقت محاولة صعبة فاتقوا الله، فما ذنب المسلمين في هذا الوقت الذي لا يستطيعون فيه أن ينصبوا خليفة والله تبارك وتعالى قد قال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] فماذا ينفعكم معاندتكم للحق؟
ثم في قولكم هذا تأثيم الأمة الإسلامية اليوم ولم تخرجوا منها سوى جماعتكم.
([1]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن… إلخ.
([2]) أي: كميتة الجاهلية وليس المعنى أنه كفر.
([4]) صحيح مسلم: كتاب الإمارة: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة.
([5]) معناه لو لم تجد مهربا إلا هذا فافعل هذا.
([6]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن: باب كيف الأمر إن لم تكن جماعة، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن.