الأربعاء يناير 28, 2026

بيان أن الفاتحة لا يجوز كتابتها بالبول وأنه كفر

اعلم أن القرءان الكريم واجب تعظيمه، ومن تعظيمه احترام ءاياته بأن لا تكتب بشىء نجس كالبول فإن في ذلك تحقيرا واستخفافا بها، وهو ردة والعياذ بالله تعالى، وقد شذ وهلك من جوز ذلك معتمدا على ما في حاشية ابن عابدين مما نعتقد أنه دس على المؤلف.

ونص ما في الحاشية المسماة “رد المحتار”: “وفي “الخانية” في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: “إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم” كما رواه البخاري أن ما فيه شفاء لا بأس به، كما يحل الخمر للعطشان في الضرورة وكذا اختاره صاحب “الهداية” في “التجنيس” فقال: لو رعف فكتب الفاتحة بالدم على جبهته وأنفه جاز للاستشفاء، وبالبول أيضا إن علم فيه شفاء لا بأس به لكن لم ينقل، وهذا لأن الحرمة ساقطة عند الاستشفاء كحل الخمر والميتة للعطشان والجائع” اهــ.

وتفنيد ذلك بأن يقال: يرد هذا ما جاء في كتاب “عقود اللآلي في الأسانيد العوالي” لابن عابدين نفسه ونص العبارة: “ومنها ما رأيته بخطه – يعني الشيخ محمد شاكر العقاد – أيضا مما يكتب للرعاف على جبهة المرعوف: وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر {44} [سورة هود] ولا يجوز كتابتها بدم الرعاف كما يفعله بعض الجهال لأن الدم نجس فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى” اهــ.

هذا ما في الحاشية نقلناه نقلا حرفيا واللائق بالشيخ ابن عابدين ما نقله عن شيخه وهو الشيخ محمد شاكر العقاد وهو الموافق لقول الله تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب {32} [سورة الحج]، فلا يجوز العمل بما في الحاشية من أنه يجوز كتابة الفاتحة بالدم وبالبول إن علم منه شفاء، فما أبعد هذه المسئلة مما أفتى به الشيخ محمد عليش المالكي وهو من أهل القرن الثالث عشر كابن عابدين قال في فتاويه المسماة “فتح العلي المالك” ما نصه: “ما قولكم في بل موضع الخاتم بالريق وفيه اسم الله تعالى فأجبته بما نصه: “الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: لا يجوز وهو كفر وإن اعتيد” اهــ، فلينظر البعد الشاسع بين المقالتين، وكان الشيخ محمد عليش مفتي الديار المصرية توفي سنة تسع وتسعين بعد مائتين وألف وكان تولى وظيفة الإفتاء في الديار المصرية سنة سبعين ومائتين وألف وله من التآليف أربع وثلاثون مؤلفا، إلا أنه لا يوافق على الحكم بالردة لمجرد فعل ذلك.

ومما يرد ما في الحاشية أيضا ما جاء في الحاشية نفسها نقلا عن “فتاوى” ابن حجر الهيتمي الشافعي ونص العبارة: “وقد أفتى ابن الصلاح بأنه لا يجوز أن يكتب على الكفن يٰس والكهف ونحوهما خوفا من صديد الميت، والقياس المذكور ممنوع لأن القصد ثم التمييز وهنا التبرك، فالأسماء المعظمة باقية على حالها فلا يجوز تعريضها للنجاسة. والقول بأنه يطلب فعله مردود لأن مثل ذلك لا يحتج به إلا إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم طلب ذلك وليس كذلك اهــ وقدمنا قبيل باب المياه عن “الفتح” أنه تكره كتابة القرءان وأسماء الله تعالى على الدراهم والمحاريب والجدران وما يفرش، وما ذاك إلا لاحترامه وخشية وطئه ونحوه مما فيه إهانة، فالمنع هنا بالأولى ما لم يثبت عن المجتهد أو ينقل فيه حديث ثابت فتأمل. نعم نقل بعض المحشين عن “فوائد” الشرجي أن مما يكتب على جبهة الميت بغير مداد بالأصبع المسبحة: بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى الصدر: لا إله إلا الله محمد رسول الله وذلك بعد الغسل قبل التكفين” انتهى كلام ابن عابدين.

أقول: كل هذا يؤيد تزييف القول بأنه يجوز كتابة الفاتحة بالدم والبول، فوجب التحذير من تلك المقالة، ولا يبعد أن تكون هذه المقالة مدسوسة على ابن عابدين، ويحتمل أن يكون أوردها ابن عابدين مع تزييفها فأسقط بعض الناسخين التزييف ونقلها بدون تزييف فلا يجوز نسبتها إلى ابن عابدين.

فالويل ثم الويل لمن يعتقد أو يقول بجواز كتابة الفاتحة بل ءاية من القرءان الكريم بالبول فإن ذلك ردة مخرجة من الدين.