الخميس يناير 29, 2026

بيان أن العمل بالقرءان والحديث فرض

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في سويسرة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة الموافق لسنة إحدى وتسعين وتسعمائة وألف رومية في لوزان وهو في بيان أن العمل بالقرءان والحديث الثابت فرض. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد أشرف المرسلين وسلم.

أما بعد: فقد قال الله تبارك وتعالى في سورة النور {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [سورة النور: 54] في هذه الآية دليل على أن العمل بحديث رسول الله فرض كما أن العلم بالقرءان فرض. الله تعالى أنزل على رسول الله نوعين من الوحي الوحي القرءاني والوحي الحديثي فمن أنكر واحدا منهما فقد كفر. بعض الناس من أهل هذا العصر يكون في أنفسهم في قلوبهم ما فيها من الزغل والفساد فيتسترون أمام الناس بقولهم لا نعمل إلا بالقرءان نعمل بالقرءان فقط فهؤلاء ملحدون؛ لأنه لو كان لا يجب الأخذ بالحديث إلا بالقرءان ما ذكر الله تبارك وتعالى إلا طاعته ما ذكر طاعة الرسول لكنه ذكر طاعته وطاعة الرسول أمرنا بطاعته I وطاعة رسوله ففهمنا أن العمل بالحديث أي قول الرسول وفعله فرض لازم كما أن ما نص عليه القرءان فرض لازم.

ثم إن الحديث الذي يجب العمل به هو ما رواه الثقات، الصحابة لا يكذبون على رسول الله ولا فرد واحد منهم، لا يكذب الصحابي، إذا روى حديثا عن رسول الله ﷺ فهو عدل في روايته عن رسول الله لا يتهم بالكذب، أما فيمن بعد الصحابة فيشترط أن يكون الراوي ثقة، كذلك فيمن بعد التابعي يشترط أن يكون الراوي ثقة. معنى الثقة هو الذي سلم من المعصية الكبيرة ومن الإصرار على الصغيرة بحيث تزيد معاصيه على طاعاته فمن غلبت معاصيه طاعاته فهذا ليس ثقة. فالحديث الذي يرويه أناس من التابعين وممن بعدهم من هم ثقة بمعنى أنهم عدول سالمون من الكبائر ومن الإصرار على الصغائر، أي: أن تكثر صغائرهم وتزيد على حسناتهم من سلم من ذلك وكان أيضا متخلقا بخلق أمثاله لا يتعاطى عملا الناس يعتبرونه رذالة وخساسة ودناءة مثل الذي يطير الحمام، وتطيير الحمام ينافي العدالة؛ لأن نفوس الناس لا تثق به، كذلك الرقاص، لو كان يؤدي الفرائض ويجتنب المحرمات الرقاص وأمثاله ليسوا مقبولين في رواية الحديث عن رسول الله فمن سلم من الكبائر والإصرار على الصغائر، أي: أن تزيد صغائرهم على حسناتهم وكان متخلفا بأخلاق أمثاله لا يكون ممن يتعاطى ما يكون عند الناس خساسة محلا للتهمة والنفور عن قبول كلامه فهو عدل، فالحديث الذي يرويه هؤلاء يجب العمل به كما يجب العمل بالقرءان أما هؤلاء الملحدون المتسترون بدعوى أنهم لا يعرفون الحديث الصحيح من غيره، يقولون الحديث اختلط ما يدرينا بالصحيح منه من غير الصحيح فهؤلاء يقال لهم: الحديث له أهل ميزوا صحيحه من سقيمه فما صححه أهل الحديث فهو كلام الرسول ﷺ الذي عناه الله بقوله: {وأطيعوا الرسول} [النور: 54] هذا هو، هذا الحديث الذي يرويه هؤلاء الثقات لو ثقة واحد عن مثله رواه فيجب العمل به كما يجب العمل بما جاء في القرءان.

ثم إن كل ما ثبت عن رسول الله ﷺ من الفرائض والنوافل يسمى سنة رسول الله، أي: طريقته، ليس معنى السنة في الأصل ما قابل الفرض لا هذا اصطلاح للفقهاء، الفقهاء في مؤلفاتهم إذا أرادوا الفرق بين الفرض وغيره من أمور الدين من أعمال الدين يقولون هذا فرض هذا سنة أما في الأصل فالسنة تشمل الفرائض والنوافل، كل ما جاء به رسول الله ﷺ يقال له: سنة سنة رسول الله ﷺ ثم إذا أريد تمييز ما هو فرض مما هو ليس بفرض يقال هذه سنة واجبة سنة مفروضة وهذه سنة غير مفروضة غير واجبة، يميز على هذا الشكل، وهذا الذي عناه رسول الله ﷺ بالحديث المشهور الصحيح الحديث الذي ذكر فيه الستة الذين لعنهم الله ولعنهم كل نبي مجاب، ذكر الرسول في هؤلاء الستة التارك لسنته المفارق للجماعة قال: «والتارك لسنتي»([1]) معنى التارك لسنتي، أي: العقيدة التي أنا جئت بها التي هي أصول العقيدة وفروعها العقيدة لها أصول ولها فروع ولها أصل الأصول، العقيدة منها أصل الأصول ومنها أصول، منها أصل هذه الأصول ومنها أصول ليست بمثابة هذه؛ بل أقل منها أهمية. أصل العقيدة هي معرفة الله ورسوله الإيمان بهما ليس مجرد المعرفة؛ لأن مجرد المعرفة لا يكون الإيمان الذي يوجب النجاة في الآخرة وذلك لأن الإنسان قد يعرف الشيء وينكره مع معرفة قلبه ينكر الشيء الذي يعرفه قلبه كما قال الله تبارك وتعالى عن اليهود: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [سورة الأنعام: 20]، معنى هذه الجملة أن اليهود كانوا يعرفون أن محمدا ﷺ نبي الله كيف كانوا يعرفون؛ لأن كتابهم التوراة وكتب الأنبياء الآخرين وكتب علمائهم المسلمين كانت تذكر محمدا بنعته وصفته فهم وصل إليهم هذا فعرفوا أن محمدا ﷺ نبي الله لكن عنادا ينكرونه يكذبونه بألسنتهم وقلوبهم تعرفه تعرف أنه نبي، هذه معرفة بلا تصديق معرفة بلا إذعان المعرفة إذا اقترن بها الإذعان، أي: رضا النفس فهو الإيمان، معنى الإذعان رضا النفس بالشيء الذي عرفته، إذا نفسك رضيت بالشيء الذي عرفته بقلبك فهذا هو الإيمان أما مجرد المعرفة مع عدم الإذعان ليس إيمانا مقبولا عند الله إنما الإيمان الذي هو مقبول عند الله الذي يوجب لصاحبه النجاة من الخلود في النار والخلود في الجنة والنجاة من الخلود في النار هي المعرفة التي قارنها إذعان النفس، أي: قبول النفس، إذا اجتمعت المعرفة والقبول في القلب هذا هو الإيمان، مجرد المعرفة لا تكفي لكن إذا قلنا الإيمان معرفة الله ورسوله المراد تلك المعرفة التي يقترن بها الإذعان الإذعان القلبي.

المراد بالسنة في هذا الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام في تعداد الستة الذين لعنهم الله ولعنهم الأنبياء «والتارك لسنتي» من ترك عقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ثم التابعون ثم أتباع التابعين وهلم جرا، الأمة لا تخرج عن ذلك، جمهور الأمة لا يخرجون عن تلك العقيدة فهؤلاء الذين شذوا في العقيدة عما كان عليه الصحابة ومن تبعهم هؤلاء الذين لعنهم الله ولعنهم كل الأنبياء أما من خالف في الأعمال بأن ارتكب محرما أو ترك فرضا من الفرائض العملية ليست الفرائض الاعتقادية فهذا يستحق العقاب لكن ليس مثل أولئك الذين شذوا في العقيدة عما كان عليه الصحابة ومن تبعهم. هي هذه العقيدة، منها معرفة الصفات الثلاث عشرة الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والوحدانية والقيام بالنفس، أي: استغناء الله عن كل شيء أنه لا يحتاج إلى غيره لا ينتفع بأحد ولا ينضر بأحد والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام والحياة، هذه الصفات الثلاث عشرة يقال لها أصول العقيدة، هذه الصفات الثلاث عشرة أهم من كل العقائد بالنسبة لخطورة إنكارها أو الشك فيها فمن أنكر صفة واحدة من هذه الثلاث عشرة أو شك في قلبه فهو غير مؤمن غير مسلم عند الله. ثم يبقى من أصول العقيدة الستة التي فسر رسول الله الإيمان بها في حديث جبريل خمسة، لما جاءه جبريل بصورة إنسان لا يعرفه ولا يعرفه أحد من الصحابة سأله عن الإسلام الرسول فسر له الإسلام بخمسة أشياء، أي: يعملها الإنسان بجوارحه ببدنه، وفسر له الإيمان بستة أشياء اعتقادية ليست عملية قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره».اهـ. وفي لفظ: «والقدر كله» الخمسة الباقية تلحق بتلك الأصول، أي: أصول العقيدة الثلاث عشرة صفة وإنما كانت تلك أهم بالنسبة لمن شك فيها أو أنكرها؛ لأن هذه الثلاث عشرة يدل عليها العقل، فلا يعذر أحد لو كان ممن أسلم اليوم لا يعذر في إنكارها أو الشك فيها، لا يعذر فمن أنكر واحدة منها أو شك فإنه ليس بمسلم ليس بمؤمن عند الله وهي مذكورة في القرءان بعضها باللفظ وبعضها بالمعنى، هذه الثلاث عشرة من أنكرها فهو كافر لا يعذر لو كان قريب عهد بإسلام ولو كان عاش بعيدا من الأرض التي يوجد بها علماء لو كان عاش بعيدا من البلد التي فيها أهل العلم لا يعذر، أما ما سوى ذلك كالصلوات الخمس إذا إنسان عاش ببلد ليس فيها عالم يحدث الناس عن أمور الدين إن في الإسلام خمس صلوات مفروضات وإن في الإسلام صيام شهر واحد من السنة رمضان وإن في الإسلام زكاة الأموال وإن في الإسلام حج بيت الله الحرام وإن في الإسلام النطق بالشهادتين لو عاش في بلد لا يتحدث فيها من صغره إلى الوقت الذي هو فيه ما سمع من أحد لكنه عرف اعتقد بقلبه أنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا الله الذي لا يشبه شيئا وأن محمدا رسوله صادق في كل ما جاء به من قبل الله عرف من الإسلام هذين الأمرين فقط لم يعرف أن هناك الصلوات الخمسة وأن هناك صيام رمضان وأن هناك زكاة وأن هناك حج بيت الله الحرام ما سمع بهذه كلها أو كان قريب عهد بإسلام لا يعرف أن المسلمين من دينهم هذه الأشياء لا يعرف أسلم من أسبوع من شهر من شهرين أو أكثر هذا يعذر بمعنى لا يكفر إن أنكر هذه الأشياء لا يكفر؛ لأنه ما سمعها ولا العقل يدل عليها العقل لا يدل على أن الصلوات الخمس فرض وأن صيام رمضان فرض وأن الحج فرض وأن الزكاة فرض لا يدل العقل لولا ورود السمع، أي: الخبر من الله تبارك وتعالى عن طريق النبي ﷺ ما عرفنا هذه الأشياء لذلك قريب عهد بالإسلام ومن عاش في أرض لا يسمع فيها بأمور الإسلام لا يكفر إن أنكرها أو شك فيها يعلم، بعد أن يعلم أن هذا من دين الإسلام إن عاد إلى الإنكار أو الشك عندئذ يكفر، أما هذه الصفات الثلاث عشرة وجوده وكونه أزليا لا ابتداء لوجوده وكونه غنيا عن كل شيء مستغنيا عن كل شيء وكونه واحدا لا ثاني له وكونه باقيا لا يلحقه فناء وكونه عالـما بكل شيء وكونه قادرا على كل شيء وكونه سميعا بصيرا على ما يليق به ليس على معنى سمع المخلوق وبصره وكونه مخالفا للحوادث، أي: لا يشبه العالم لا يشبه أي شيء مما أحسسناه بأبصارنا ومما لم نحسسه بأبصارنا كالعرش الآن العرش نحن ما رأيناه مع ذلك [هو] مخلوق من المخلوقات له حد لا شك له مساحة مهما اتسعت ومهما بعدت مساحته أما الله تبارك وتعالى فالعقل السليم يعلم بأنه ليس شيئا له حد لأن الشيء الذي له حد يحتاج إلى من جعله على ذلك الحد، الشيء لا يجعل نفسه على الحد الذي هو عليه.

وكونه حيا، أي: متصفا بحياة هي صفة أزلية ليست كحياة المخلوقين، حياة المخلوقين هي بالروح واللحم والدم.

حياة الإنسان بالروح واللحم والدم وكونه متكلما، أي: له كلام لكنه لا يشبه كلام المخلوقين كلام المخلوقين له ابتداء وانتهاء وله ترتيب أما الله تعالى متصف بكلام ليس هكذا ومع ذلك أنزل كتبا سماوية على بعض الأنبياء هذه الكتب عبارة عن ذلك الكلام ذلك الكلام الذي هو ثابت لذات الله تعالى ليس حادثا، أي: ليس شيئا يبتدأ ثم يختم يوجد شيء منه ثم ينقضي ثم يوجد شيء منه ثم ينقضي.

هذه الصفات العقل لو لم يرد الشرع يعلم بثبوتها لله تعالى لذلك إنكار واحدة من هؤلاء الثلاث عشرة كفر سواء كان قريب عهد بإسلام أو ناشئا ببلد بعيدة من علماء الإسلام في الحالين يكفر، على أن القرءان نزل بها لكن في القرءان لم تأت معدودة على هذا الترتيب الوجود والوجدانية والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة، القرءان دل على معانيها لو لم يسردها على الترتيب كما نحن نسردها عند تعليم الناس، القرءان مشتمل عليها يفهم معانيها من عدة مواضع من القرءان، القيام بالنفس هو معنى قول الله تعالى: {هو الغني الحميد} [سورة الممتحنة: 26]، وكذلك بقية الصفات الثلاث عشرة تفهم من القرءان لو لم ترد باللفظ الذي نحن نسرده عند التعليم فأي إنسان أنكر قدرة الله على كل شيء أو شك في ذلك هذا لا يعذر؛ بل يكفر ولا يقال هذا قريب عهد بإسلام هذا نشأ بأرض بعيدة من العلماء؛ بل يكفر أما تلك الأشياء الصلوات الخمس وصيام رمضان والحج والزكاة هذه إذا كان الشخص قريب عهد بإسلام ما كان يسمع أن المسلمين من دينهم هذه الأشياء ما سمع، أو كان ولده أبوان مسلمان ثم تركاه في شاهق ليس فيه أحد يعرف يتكلم بأمور الدين فهذا لا يكفر إن أنكر شيئا من هذه الأشياء، كذلك لا يكفر إن أنكر حرمة الزنى وأكل لحم الخنزير وشرب الخمر إن أنكر هذه الأشياء أيضا لجهله؛ لأنه ما سمع أن دين الإسلام يحرم هذه الأشياء استحلها لا يكفر؛ بل يعلم لأن هذه الأشياء لا يدل عليها العقل، الصلوات الخمس لا يدل العقل على وجوبها وكذلك الصيام صيام رمضان وكذلك الحج وكذلك الزكاة العقل لا يدل على وجوبها لولا أن الشرع ذكرها لولا أن الرسول بينها ما كنا نعرف أن هذه الأشياء فرض أما الصفات الثلاث عشرة لو لم يذكرها الله ورسوله العقل يعرف، العقل الصحيح يعرف؛ لأن العقل الصحيح يعرف أن هذا العالم ما وجد من دون موجد لا يصح في العقل الصحيح وجود هذا العالم من دون موجد من دون مكون ولا يصح في العقل أن يكون مكون هذا العالم يشبه العالم؛ بل العقل يقضي بأن مكون هذا العالم لا يشبهه.

كان في زمن سيدنا عمر رجل أسلم من وقت قريب ثم صار يتحدث بين الناس يقول عن نفسه إنه زنى هذه الليلة زنيت، يعني: كأنه لا بأس بهذا عنده من شدة جهله لكونه قريب عهد بإسلام كان يتحدث كأن ما فيها بأس كأنه عمل شيئا لا بأس به فأخبر سيدنا عمر فقال: علموه أنه حرام أن الزنى حرام ما قال هذا كفر ارتد كيف يعتقد أن الزنى حلال لم يقل إنه مرتد قال علموه.اهـ. فإذا عاد بعد ذلك إلى تحليله، أي: بعد أن يعرف أنه في دين الإسلام الزنى حرام يجوز للخليفة قتله. انتهى.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

 

[1])) رواه ابن حبان في صحيحه في ذكر لعن المصطفى مع سائر الأنبياء أقواما من أجل أعمال ارتكبوها.