الخميس يناير 29, 2026

بيان أن الشفاعة حق لأهل الكبائر من المسلمين

معنى الشفاعة والدليل عليها:

اعلم أن الشفاعة هي طلب الخير من الغير للغير، وهي ثابتة بنص القرءان والحديث قال الله تبارك وتعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255]، وقال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28]، وقال ﷺ: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه الدارقطني([1]).

وروى مسلم([2]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا».

المحتاجون للشفاعة:

المحتاجون لشفاعة النبي ﷺ هم أهل الكبائر فقط، لقوله ﷺ: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» معناه هم الذين يحتاجون إليها، رواه أبو داود([3]) والترمذي([4]) وابن ماجه([5]) وأحمد([6]) وابن حبان([7]) والحاكم([8]) والطبراني([9]) والخطيب([10]).

 

وروى ابن ماجه([11]) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى أترونها للمتقين لا ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين». قال الحافظ البوصيري([12]): «إسناده صحيح».

وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح([13]) ما نصه: «وقال ابن الجوزي: وهذا من حسن تصرفه ﷺ لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي ومن كثرة كرمه لأنه ءاثر أمته على نفسه ومن صحة نظره لأنه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين» اهــ.

أما الأتقياء والأولياء والشهداء فلا حاجة لهم للشفاعة كما يعلم من النصوص الصحيحة الواضحة؛ بل إنه ثبت في أحاديث كثيرة صحيحة أنهم هم أهل شفاعة لغيرهم فقد روى ابن ماجه([14]) عن رسول الله ﷺ: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويحلى حلة الإيمان ويزوج من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه».

والشفاعة تكون على نوعين:

  • شفاعة للمسلمين العصاة بعد دخولهم النار لإخراجهم منها قبل أن تنتهي المدة التي يستحقونها.
  • وشفاعة لمن استحقوا دخول النار من عصاة المسلمين بذنوبهم فينقذهم الله من النار بهذه الشفاعة قبل دخولها.

أما الكفار فلا أحد يشفع لهم قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] أي لا يشفعون إلا لمن مات على الإيمان. وقال تعالى إخبارا عن أصحاب اليمين من أهل الجنة أنهم يسألون الكفار وهم في النار: {ما سلككم في سقر *قالوا لم نك من المصلين *ولم نك نطعم المسكين *وكنا نخوض مع الخائضين *وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 42 – 48]، وليس في قوله تعالى: {شفاعة الشافعين} [المدثر: 48] إثبات لحصول الشفاعة لهم وأنها ترد، بل المعنى أنه لا شفاعة لهم، وهذا مفهوم من النفي، وهذا ضرب من البلاغة معروف.

وقال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} [الأعراف: 156]، فرحمة الله وسعت في الدنيا كل مؤمن وكافر، لكنها في الآخرة خاصة لمن اتقى الشرك وسائر أنواع الكفر.

وقال تعالى: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} [الأعراف: 50]، أي أن الله حرم على الكافرين الرزق النافع والماء الـمروي في الآخرة، وذلك لأنهم أضاعوا أعظم حقوق الله على عباده وهو توحيده تعالى. فتبين لنا أن الكافر لا يرحمه الله ولا أحد يشفع له.

 

([1]) سنن الدارقطني: كتاب الحج: باب المواقيت (2/278).

([2]) صحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب اختباء النبي ﷺ دعوة الشفاعة لأمته.

([3]) سنن أبي داود: كتاب السنة: باب الشفاعة.

([4]) جامع الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع: باب ما جاء في الشفاعة.

([5]) سنن ابن ماجه: كتاب الزهد: باب ذكر الشفاعة.

([6]) مسند أحمد (3/213).

([7]) صحيح ابن حبان: كتاب التاريخ: باب الحوض والشفاعة، انظر الإحسان (8/131).

([8]) مستدرك الحاكم، كتاب التفسير (2/382).

([9]) المعجم الكبير (1/258).

([10]) تاريخ بغداد (8/11).

([11]) سنن ابن ماجه: كتاب الزهد: باب ذكر الشفاعة.

([12]) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (2/356).

([13]) فتح الباري (11/97).

([14]) سنن ابن ماجه: كتاب الجهاد: باب فضل الشهادة في سبيل الله.