بيان أن الشفاعة حق لأهل الكبائر من المسلمين
معنى الشفاعة والدليل عليها:
اعلم أن الشفاعة هي طلب الخير من الغير للغير، وهي ثابتة بنص القرءان والحديث قال الله تبارك وتعالى: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه {255} [سورة البقرة]، وقال تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى {28} [سورة الأنبياء]، وقال صلى الله عليه وسلم: “من زار قبري وجبت له شفاعتي” رواه الدارقطني.
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا”.
وروى الحاكم في المستدرك عن عوف ابن مالك: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى معاذ بن جبل وأبا عبيدة وعوف بن مالك، قال: فقلنا: نعم، فأقبل إلينا فخرجنا لا نسأله عن شىء ولا يخبرنا حتى قعد على فراشه، فقال: “أتدري ما خيرني ربي الليلة؟” فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: “فإنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة”، فقلنا: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهلها، قال: “هي لكل مسلم”. اهــ.
المحتاجون للشفاعة:
المحتاجون لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم هم أهل الكبائر فقط، لقوله صلى الله عليه وسلم: “شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي” معناه هم الذين يحتاجون إليها، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم والطبراني والخطيب.
وروى ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين، لا، ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين”. قال الحافظ البوصيري: إسناده صحيح.
وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح ما نصه: “وقال ابن الجوزي: وهذا من حسن تصرفه صلى الله عليه وسلم، لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي، ومن كثرة كرمه لأنه ءاثر أمته على نفسه، ومن صحة نظره لأنه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين” اهــ.
أما الأتقياء والأولياء والشهداء فلا حاجة لهم للشفاعة كما يعلم من النصوص الصحيحة الواضحة، بل إنه ثبت في أحاديث كثيرة صحيحة أنهم هم أهل شفاعة لغيرهم، فقد روى ابن ماجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه”.
والشفاعة تكون على نوعين:
1- شفاعة للمسلمين العصاة بعد دخولهم النار لإخراجهم منها قبل أن تنتهي المدة التي يستحقونها.
2- وشفاعة لمن استحقوا دخول النار من عصاة المسلمين بذنوبهم فينقذهم الله من النار بهذه الشفاعة قبل دخولها.
أما الكفار فلا أحد يشفع لهم قال تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى {28} [سورة الأنبياء] أي لا يشفعون إلا لمن مات على الإيمان. وقال تعالى إخبارا عن أصحاب اليمين من أهل الجنة أنهم يسألون الكفار وهم في النار: ما سلككم في سقر {42} قالوا لم نك من المصلين {43} ولم نك نطعم المسكين {44} وكنا نخوض مع الخائضين {45} وكنا نكذب بيوم الدين {46} حتى أتانا اليقين {47} فما تنفعهم شفاعة الشافعين {48} [سورة المدثر]، وليس في قوله تعالى: شفاعة الشافعين {48} [سورة المدثر] إثبات لحصول الشفاعة لهم وأنها ترد، بل المعنى أنه لا شفاعة لهم، وهذا مفهوم من النفي، وهذا ضرب من البلاغة معروف.
وقال تعالى: ورحمتي وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون {156} [سورة الأعراف]، فرحمة الله وسعت في الدنيا كل مؤمن وكافر، لكنها في الآخرة خاصة لمن اتقى الشرك وسائر أنواع الكفر.
وقال تعالى: ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين {50} [سورة الأعراف]، أي أن الله حرم على الكافرين الرزق النافع والماء المروي في الآخرة، وذلك لأنهم أضاعوا أعظم حقوق الله على عباده وهو توحيده تعالى. فتبين لنا أن الكافر لا يرحمه الله ولا أحد يشفع له.