الأربعاء يناير 28, 2026

بيان أن أول مخلوقات الله الماء

وفيه الرد على من يقول “محمد أول مخلوقات الله”

من المفاسد التي انتشرت بين بعض العوام ما درج عليه بعض قراء المولد النبوي الشريف وبعض المؤذنين من قولهم: إن محمدا أول المخلوقات، وما ذاك إلا لانتشار حديث جابر الموضوع بينهم: “أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر” وفيما يلي نورد ردنا بالأدلة الشافية:

قال الله تعالى وجعلنا من الماء كل شىء حي {30} [سورة الأنبياء]، وروى البخاري والبيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء”.

وروى ابن حبان من حديث أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شىء، قال: “كل شىء خلق من الماء”.

وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة: “إن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء”.

ففي الحديث الأول، نص على أن الماء والعرش هما أول خلق الله، وأما أن الماء قبل العرش فهو مأخوذ من الحديثين التاليين.

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ما نصه: “قال الطيبي: هو فصل مستقل لأن القديم من لم يسبقه شىء، ولم يعارضه في الأولية، لكن أشار بقوله: “وكان عرشه على الماء” إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل خلق السموات والأرض ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء” اهــ.

وفي تفسير عبد الرزاق عن قتادة في شرح قوله تعالى: وكان عرشه على الماء {7} [سورة هود] ما نصه: “هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض”.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: وكان عرشه على الماء {7} [سورة هود] قال: “قبل أن يخلق شيئا”.

فإن قيل: أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر، خلقه الله من نوره قبل الأشياء”، فالجواب: أنه يكفي في رد هذا الحديث كونه مخالفا للأحاديث الثلاثة الصحيحة السابقة، وأما عزو هذا الحديث للبيهقي فغير صحيح، إنما ينسب إلى مصنف عبد الرزاق ولا وجود له في مصنفه بل الموجود في تفسير عبد الرزاق عكس هذا، فقد ذكر فيه أن أول الأشياء وجودا الماء كما تقدم.

وقال الحافظ السيوطي في الحاوي: “ليس له – أي حديث جابر – إسناد يعتمد عليه”. اهــ.

قلت: وهو حديث موضوع جزما، وقد صرح الحافظ السيوطي في شرحه على الترمذي أن حديث أولية النور المحمدي لم يثبت.

وقد ذكر عصرينا الشيخ عبد الله الغماري محدث المغرب أن عزو هذا الحديث الموضوع إلى مصنف عبد الرزاق خطأ لأنه لا يوجد في مصنفه، ولا جامعه ولا تفسيره، والأمر كما قال.

كما أن محدث عصره الحافظ أحمد بن الصديق الغماري حكم عليه بالوضع محتجا بأن هذا الحديث ركيك ومعانيه منكرة، قلت: والأمر كما قال، ولو لم يكن فيه إلا هذه العبارة: “خلقه الله من نوره قبل الأشياء” لكفى ذلك ركاكة، لأنه مشكل غاية الإشكال، لأنه إن حمل ضمير من نوره على معنى نور مخلوق لله كان ذلك نقيض المدعى لأنه على هذا الوجه يكون ذلك النور هو الأول ليس نور محمد بل نور محمد ثاني المخلوقات، وإن حمل على إضافة الجزء للكل كان الأمر أفظع وأقبح لأنه يكون إثبات نور هو جزء لله تعالى، فيؤدي ذلك إلى أن الله مركب والقول بالتركيب في ذات الله من أبشع الكفر لأن فيه نسبة الحدوث إلى الله تعالى، وبعد هذه الجملة من هذا الحديث المكذوب ركاكات بشعة يردها الذوق السليم ولا يقبلها، ثم هناك علة أخرى وهي الاضطراب في ألفاظه، لأن بعض الذين أوردوه في مؤلفاتهم رووه بشكل وءاخرون رووه بشكل ءاخر، فإذا نظر إلى لفظ الزرقاني ثم لفظ الصاوي لوجد فرق كبير. ثم الركاكة دليل الوضع كما قال علماء الحديث لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتكلم بكلام ركيك المعنى.

وأما حديث: “أول ما خلق الله العقل” فليس له طريق يثبت كما قال الحافظ ابن حجر، ففي كتاب إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين لمرتضى الزبيدي ما نصه: “ثم قال العراقي: أما حديث عائشة فرواه أبو نعيم في الحلية قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي بإفادة الدارقطني عن سهل بن المرزبان بن محمد التميمي عن عبد الله بن الزبير الحميدي عن ابن عيينة عن منصور عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أول ما  خلق الله العقل” فذكر الحديث، هكذا أورده في ترجمة سفيان بن عيينة ولم أجد في إسناده أحدا مذكورا بالضعف، ولا شك أن هذا مركب على هذا الإسناد ولا أدري ممن وقع ذلك، والحديث منكر. قلت: ولفظ حديث عائشة على ما في الحلية قالت عائشة: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أول ما خلق الله العقل، قال: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: ما خلقت شيئا أحسن منك، بك ءاخذ وبك أعطي. قال أبو نعيم: غريب من حديث سفيان ومنصور والزهري لا أعلم له راويا عن الحميدي إلا سهلا، وأراه واهيا فيه”. انتهت عبارة مرتضى الزبيدي.

وقال الحافظ العراقي في المغني بعد إيراده هذا الحديث: “رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي أمامة، وأبو نعيم من حديث عائشة بإسنادين ضعيفين” اهــ.

أما حديث أولية القلم قال الحافظ ابن حجر في الجواب عنه ما نصه: “فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق، وأما حديث: “أول ما خلق الله العقل”، فليس له طريق ثبت وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله والله أعلم” اهــ.

وأما قول ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين النووية: “أما أولية القلم نسبية وأما أولية النور المحمدي فهي مطلقة”. ا.ه، فهذا التأويل مخالف للحديث الصحيح، ومخالف للقاعدة الحديثية أن الضعيف إذا خالف الحديث الثابت فلا حاجة إلى التأويل، بل يعمل بالثابت ويترك الضعيف، وذلك مقرر في كتب المصطلح وفي كتب الأصول.

فإن قيل: أليس قال الرسول: “كنت أول النبيين في الخلق وءاخرهم في البعث”، وقال أيضا: “كنت نبيا وءادم بين الماء والطين”، و: “كنت نبيا ولا ماء ولا طين”.

فالجواب: أن الحديث الأول ضعيف كما نقل ذلك العلماء، وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس، وسعيد بن بشير وهو ضعيف، ثم لو صح لم يكن فيه أنه أول خلق الله وإنما فيه أنه أول الأنبياء، ومعلوم أن البشر أولهم ءادم الذي هو ءاخر الخلق باعتبار أجناس المخلوقات.

وأما الثاني والثالث فلا أصل لهما، ولا حاجة لتأويل قوله تعالى: وجعلنا من الماء كل شىء حي {30} [سورة الأنبياء] والحديث الصحيح لخبر واه ضعيف أو موضوع لا أصل له، كما فعل ذلك بعض المتصوفة حيث أول الآية بحديث جابر السابق الذكر وقال: إن للآية معنى مجازيا.

أما حديث ميسرة الفجر أنه قال: يا رسول الله متى كنت نبيا، قال: “كنت نبيا وءادم بين الروح والجسد”، فهو حديث صحيح رواه أحمد في مسنده، وقال الحافظ الهيثمي بعد عزوه لأحمد وللطبراني أيضا: “ورجاله رجال الصحيح”. وأما معناه فلا يدل على أوليته صلى الله عليه وسلم بالنسبة لجميع الخلق، وإنما يدل على أن الرسول كان مشهورا بوصف الرسالة بين الملائكة في الوقت الذي لم يتم تكون جسد ءادم بدخول الروح فيه.

وقد أخرج أحمد والحاكم والبيهقي في الدلائل عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن ءادم لمنجدل في طينته…”. قال البيهقي: “قوله صلى الله عليه وسلم: “إني عبد الله وخاتم النبيين وإن ءادم لمنجدل في طينته”، يريد به أنه كان كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون أبو البشر وأول الأنبياء صلوات الله عليهم”. اهــ.

يقول عصرينا الشيخ عبد الله الغماري في رسالته “مرشد الحائر”: “وما يوجد في بعض كتب المولد النبوي من أحاديث لا خطام لها ولا زمام هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، فلا يعتمد على تلك الكتب ولا يقبل الاعتذار عنها بأنها في الفضائل، لأن الفضائل يتساهل فيها برواية الضعيف، أما الحديث المكذوب فلا يقبل في الفضائل إجماعا، والنبي يقول: “من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين..”، ويقول: “من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار”، وفضل النبي صلى الله عليه وسلم ثابت في القرءان الكريم والأحاديث الصحيحة وهو في غنى عما يقال فيه من الكذب والغلو…” اهــ.

فائدة مهمة:

سؤال موجه إلى هؤلاء القائلين بأن الرسول هو أول خلق الله، يقال لهم: ألستم تعتقدون أن إبليس خلق قبل ءادم؟ فيقولون: بلى للنص الوارد في القرءان وهو قوله تعالى: والجآن خلقناه من قبل من نار السموم {27}  فيقال لهم: وهل سبق إبليس ءادم عليه السلام بالخلق يقتضي أفضليته؟ فلا شك أنهم لا يقولون إن ذلك يقتضي أفضلية إبليس فيقال لهم: لماذا تتشبثون بقولكم “الرسول أول خلق الله” وأي طائل تحت قولكم هذا؟!.

أيضا لا معنى لقول هؤلاء: إن الحديث الضعيف الإسناد إذا تلقته الأمة بالقبول فيكون صحيحا لغيره كما ادعاه بعض من كتب في هذه المسألة من الهند وحديث أولية النور كذلك، فيقال لهم: هذا لا ينطبق على هذا الحديث الموضوع لأن مرادهم بالأمة المجتهدون، فاذكروا لنا أي إمام من الأئمة المجتهدين الأربعة وغيرهم قال بذلك، فإن كان عندكم نص فأظهروه، وهل تستطيعون أن تثبتوا ذلك عن أحد من أصحاب الأئمة الأربعة الذين تلقوا عن هؤلاء، كل ما في الأمر أنكم وجدتم هذا الكلام الذي تقولونه من كلام بعض المتأخرين مثل الزرقاني وابن حجر الهيتمي والقسطلاني الذي هو من أهل القرن العاشر وأشباههم ومن جاء بعد هؤلاء مثل يوسف النبهاني الذي هو من أهل القرن الرابع عشر والعجلوني وأبي بكر الأشخر وأمثالهم، فكيف تدعون أن هذا مما تلقته الأمة بالقبول؟!.

ومن سواهم ممن تحتجون بكلامهم متأخر عن ابن حجر الهيتمي.

إنما الذي ذكره العلماء في كتب الحديث أن الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول يكون صحيحا لغيره مثل حديث: “البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته”، وحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، هذان الحديثان أئمة السلف من الفقهاء والمحدثين ومن تبعهم من الحفاظ والفقهاء الذين جاءوا بعدهم قالوا بصحة هذين الحديثين لأن الأمة تلقتهما بالقبول، أي أن جميع المجتهدين عملوا بهما مع ضعف إسناديهما فأين ما تدعون من هذا؟!

أما الحافظ ابن حجر العسقلاني فإنه لم يتعرض لما تقولونه بل صرح بما يفهم من حديث: “كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء” بما دل عليه الحديث.

وأما عبد الرزاق الصنعاني صاحب المصنف فهو متقدم، فالثابت عنه ما في تفسيره من أولية الماء والعرش، ثم من شأن عبد الرزاق في مؤلفاته أن يورد الحديث من غير أن يصححه، فكتابه المصنف والجامع لا يتعرض فيهما للحكم على الأحاديث التي يذكرها بقول “صحيح أو حسن أو ضعيف”، فلو ثبت أن حديث جابر ذكره في مصنفه فلم يصححه ولم يحسنه، فهل يقول ذو إلمام بعلم الحديث بأن مجرد ذكر المحدث لحديث في تأليفه أنه صحيح، لا يقول هذا من مارس علم الحديث دراية.

وقد ادعى بعض المتعصبين لحديث أولية النور أنه وجد نسخة من المصنف فيها ذكر هذا الحديث ولم يعرف لها أثر منذ نحو خمس عشرة سنة منذ قالها هذا الرجل.

فكيف ساغ لهم أن يحتجوا بحديث “أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر” الذي لم يصححه أحد من الحفاظ.

على أن ابن حجر الهيتمي لما أورده في كتابه “شرح الأربعين النووية” لم ينقل أن أحدا من الحفاظ صحح حديث أولية النور المحمدي إنما قال عن نفسه أن ما ارتضاه من قبل نفسه وحاول تقوية رأيه بتأويل حديث الترمذي: “إن أول ما خلق الله تعالى القلم”، وهذا الحديث صححه الترمذي، لكن ابن حجر الهيتمي أول هذا الحديث فقال: “أولية القلم نسبية وأولية النور المحمدي حقيقية”، وكان الذي يليق به أن لا يتكلف هذا التأويل لأن تأويل النصوص الثابتة لا يصار إليه إلا لدليل عقلي أو نقلي ثابت وهنا لا يوجد واحد منهما.

وأما دعوى بعض الذين كتبوا في تأييد هذا الحديث أن السيوطي ما ضعفه إنما ضعف إسناده فلا ينافي ذلك ثبوته في نفسه من جهة أخرى، فالجواب: أن عبارته في قوت المغتذي تأبى ذلك لأن عبارته فيه وهذا نصها: “وأما حديث أولية النور المحمدي فلا يثبت” اه‍، فأضاف نفي الثبوت إلى الحديث نفسه، فهذا حكم على الحديث بالضعف ولم يذكر الإسناد.

دليل وضع حديث جابر:

هذا الحديث فيه ثلاث علل على أنه موضوع:

الأولى: أن أوله وهو نص في أن النور المحمدي أول المخلوقات على الإطلاق، ثم الجملة التي بعده وهي “خلقه الله تعالى من نوره قبل الأشياء”، فإن قدرت هذه الإضافة التي في كلمة نوره إضافة الملك إلى المالك كان المعنى أن أول المخلوقات نور خلقه الله تعالى ثم خلق منه نور محمد فيكون هذا نقضا لأوله فلا يصح على هذا قول “نور محمد أول المخلوقات على الإطلاق”.

وأما إن قدرت هذه الإضافة إضافة الصفة إلى الموصوف فالبلية أشد وأكبر لأنه يكون المعنى على هذا التقدير أن نور محمد جزء من الله وهذا هو الشرك الأكبر والكفر الأشنع، لأن من عقيدة أهل السنة أن الله تعالى لم ينحل منه شىء ولا ينحل هو من شىء غيره وأنه ليس مركبا وأنه ليس شيئا له أجزاء وإنما الجزء للمخلوقات، وقد ذكر الشيخ عبد الغني النابلسي رضي الله عنه أن من اعتقد أن الله انحل منه شىء أو انحل هو من شىء فهو كافر وإن زعم أنه مسلم وأن من اعتقد أنه نور يتصوره العقل فهو كافر، فاعتقاد أن الرسول جزء من نور هو من ذات الله كاعتقاد النصارى أن المسيح روح هو جزء من الله.

ومن المعلوم أن كلام الرسول لا ينقض بعضه بعضا، وهذا الحديث الجملة الثانية منه تنقض الأولى، فالرسول منزه عن أن ينطق بمثله، فبهذا سقط الاحتجاج بهذا الحديث على دعوى أن أول المخلوقات على الإطلاق نور محمد.

الثانية: قد حكم المحدث الحافظ أبو الفضل أحمد الغماري المغربي على هذا الحديث بأنه موضوع كما قدمنا، واستدل بما قرره علماء الحديث أن الركاكة في الحديث دليل كونه موضوعا وذلك ظاهر لمن تأمل في ألفاظه.

الثالثة: من جملة ألفاظه ما نقله سليمان الجمل في شرحه على الشمائل عن سعد الدين التفتازاني في شرح بردة المديح عند قوله:

وكل ءاي أتى الرسل الكرام بها

فإنما اتصلت من نوره بهم

وهذا نص عبارته: “عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول شىء خلقه الله فقال: هو نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير وخلق بعده كل شر، فحين خلقه أقامه قدامه في مقام القرب اثني عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أقسام، فخلق العرش من قسم والكرسي من قسم وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحب اثني عشر ألف سنة ثم جعله أربعة أقسام، فخلق القلم من قسم والروح من قسم والجنة من قسم وأقام القسم الرابع في مقام الخوف اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أجزاء فخلق الملائكة من جزء وخلق الشمس من جزء وخلق القمر والكواكب من جزء وأقام الجزء الرابع في مقام الرجاء اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أجزاء فخلق العقل من جزء والحلم والعلم من جزء والعصمة والتوفيق من جزء وأقام الجزء الرابع في مقام الحياء اثني عشر ألف سنة، ثم نظر إليه فترشح ذلك النور عرقا فقطرت منه مائة ألف وعشرون ألفا وأربعة ءالاف قطرة فخلق الله تعالى من كل قطرة روح نبي أو رسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسهم نور أرواح الأولياء والسعداء والشهداء والمطيعين من المؤمنين إلى يوم القيامة، فالعرش والكرسي من نوري، والكروبيون والروحانيون من الملائكة من نوري، وملائكة السموات السبع من نوري، والجنة وما فيها من النعيم من نوري، والشمس والقمر والكواكب من نوري، والعقل والعلم والتوفيق من نوري، وأرواح الأنبياء والرسل من نوري، والشهداء والسعداء والصالحون من نتائج نوري، ثم خلق الله اثني عشر حجابا فأقام النور وهو الجزء الرابع في حجاب ألف سنة وهي مقامات العبودية وهي حجاب الكرامة والسعادة والرؤية والرحمة والرأفة والحلم والعلم والوقار والسكينة والصبر والصدق واليقين فعبد الله ذلك النور في كل حجاب ألف سنة، فلما خرج النور من الحجب ركبه الله في الأرض فكان يضيئ، وركب فيه النور في جبينه ثم انتقل منه إلى شيث ولده، وكان ينتقل من طاهر إلى طيب إلى أن وصل إلى صلب عبد الله بن عبد المطلب ومنه إلى زوجه أمي ءامنة، ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم النبيين ورحمة للعالمين وقائد الغر المحجلين هكذا كان بدء خلق نبيك يا جابر”.اهــ.

واللفظ الذي ساقه العجلوني ونسبه إلى مصنف عبد الرزاق وهذا نصه: “عن جابر بن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شىء خلقه الله قبل الأشياء قال: يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأنبياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا إنس، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم ومن الثاني اللوح ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السموات ومن الثاني الأرضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى ومن الثالث نور أنفسهم وهو التوحيد لا  إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم”. اهــ.

وبين الروايتين المنقولتين اختلاف كبير فظاهر هذا اضطراب والاضطراب من موجبات الضعف.

ثم إن الإسناد الذي ذكر لهذا الحديث منقطع بين إسحاق بن إبراهيم الدبري وعبد الرزاق، فقد ظهر بذلك أن فيه ثلاث علل: الاضطراب، وانقطاع الإسناد، والركاكة، والركاكة من علامات الوضع كما قرره علماء الحديث في كتب المصطلح.

وأخيرا نقول لهؤلاء وأمثالهم: إن الأفضلية ليست الأسبقية في الوجود بل الأفضلية بتفضيل الله، فالله تعالى يفضل ما شاء من خلقه على ما شاء، فالله تعالى جعل سيدنا محمدا أفضل خلقه على الإطلاق وأكثرهم بركة.