درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في شهر رجب من سنة تسع وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة الموافق لشهر ءاذار من سنة تسع وثمانين وتسعمائة وألف رومية في مدينة لوزان في سويسرة وهو في بيان أن معرفة الله ومعرفة رسوله أفضل الأعمال ثم الصلوات المكتوبات. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.
ثم قد روينا في كتاب «الاعتقاد» للبيهقي من حديث عثمان بن عفان مرفوعا من مات وهو يعلم أن لا إلـٰه إلا الله دخل الجنة.اهـ. وهو بمعنى ما رواه البزار في مسنده من حديث عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: «من علم أن الله ربه وأني نبيه دخل الجنة».اهـ.
هذا الحديث يدل على أن أصل الإسلام أن الأمر الذي لا بد منه في تحقق الإسلام والإيمان هو اعتقاد وحدانية الله تعالى وأنه هو الذي يستحق أن يعبد لا أحد يستحق أن يعبد، أي: يتذلل له نهاية التذلل إلا الله.
وأما قوله u وعلم أني نبيه أي: رسوله من أيقن بذلك إيقانا لا يخالطه شك وريبة فلا بد أن يدخل جنة الله تعالى سواء كان دخوله للجنة ابتداء، أي: من غير عذاب أو كان بعد عذاب فإن من مات على ذلك فمآله الجنة، وهذا هو المراد في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه: «من كان ءاخر كلامه لا إلـٰه إلا الله دخل الجنة يوما من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه»([1]).اهـ. فمن مات على الإسلام فلا بد أن يدخل الجنة إما مع الأولين، أي: مع الذين يدخلون الجنة أولا وإما مع الآخرين قال u: «وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه»، أي: لو كان يصيبه بذنوبه التي مات ولم يتب منها نوع من العذاب، والعاقبة علمها عند الله فنسأل الله تعالى أن يختم لنا بالإيمان، فلذلك كان أهم الأمور الثبات على الإسلام وذلك بترك الكفريات، الكفريات القولية والكفريات الاعتقادية والكفريات الفعلية وذلك لأن من أطلق لسانه فنطق بما هو استخفاف بالله تعالى أو بدينه أو بجنته أو بوعده أو وعيده أو استخف بنبي من أنبيائه أو بملك من ملائكته مع العلم بأن ذلك من ملائكة الله فإنه يحبط أعماله ويخرج من الإسلام.
ثم إن حفظ اللسان سهل ليس عسرا لكن الذي يريد أن يتبع هواه، أي: أن يتكلم بما تشتهيه نفسه كلما عرض له شيء تشتهي نفسه أن تتكلم به تكلم به فإنه يهلك نفسه. النفس أمارة بالسوء فبعض الناس يقعون في الكفر؛ لأنهم لا يفكرون فيما يتكلمون به قبل أن يتكلموا، لا يفكرون هل هذا الكلام سالم أو غير سالم، من دون تفكير ونظر يتكلمون بما يخطر لهم، هؤلاء هم أهلكوا أنفسهم وإلا فليس حفظ اللسان من الأمور الشاقة، إنما النفوس تسرع إلى أن تحقق مشتهياتها لأن الشهوة أنواع منها شهوة اللسان، لسان الإنسان يحب أن يتكلم بما فيه غيبة للغير، كثير من الناس يحبون أن يتفكهوا بذكر عيوب الناس، أكثر الناس هذه حالتهم يحبون أن يتفكهوا بذكر عيوب الناس فمن أجل ذلك أكد الرسول ﷺ على أمته حفظ ألسنتهم. روينا في «جامع الترمذي» حديثا مرفوعا إلى النبي u: «من صمت نجا»([2]).اهـ. أي: من لزم السكوت عما لا خير فيه نجا، أي: حفظ نفسه من الهلاك لأن أكثر ذنوب ابن ءادم من لسانه.
ثم بعد صحة الإيمان والإسلام أهم أمور الدين عند الله الصلوات الخمس، روينا في كتاب «المعتقد»([3]) للبيهقي رحمه الله أنه كان أول ما يبدأ به رسول الله إذا دخل الرجل في الإسلام أن يأمره بالصلاة، الصلوات الخمس أفضل الأعمال كلها بعد الإيمان بالله وبرسوله ﷺ، لا يقوم مقامها عمل ءاخر من الأعمال الحسنة، وذنب ترك الصلوات الخمس أعظم عند الله من كل المعاصي إلا الكفر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والزنى، هذا عند العلماء الذين لم يقولوا بتكفير تارك الصلاة ومنهم من قال بتكفيره وهم جماعة من السلف أشهرهم أحمد بن حنبل وأما عند الجمهور، أي: جمهور علماء الإسلام فأعظم الذنوب عند الله بعد الكفر قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ثم الزنى ولا سيما الزنى بحليلة الجار، أي: بزوجة الجار فهو أي الزنى بحليلة الجار أشد من الزنى بغيرها عشر مرات، ثم بعد ذلك يتردد النظر ما أشد المعاصي بعد ذلك. قتل النفس بغير حق عند الجمهور هو أعظم الذنوب بعد الكفر، ثم الزنى. ثم القتل أيضا يتفاوت في شدة الذنب فأشد الذنب ما ورد في حديث عبد الله ابن مسعود الذي أخرجه البخاري([4]) أنه قيل يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية إملاق».اهـ. في هذا الحديث ذكر قتل الشخص ولده، كان في الجاهلية بعض الناس يقتلون البنت إما مخافة الفقر وإما مخافة العار، أي: تلحق بأبيها العار إذا كبرت كما كان حصل في الجاهلية أن رجلا كان غزاهم قوم يعادونهم فأسروا عددا منهم، من جملة من أسروهم بنت لهذا الرجل الذي هو وجيه في قومه رجل معتبر، ثم تصالحوا تصالحت القبيلتان، ثم هؤلاء الذين أسروا من هذه القبيلة بعد المصالحة أرادوا أن يردوا من أحب الرجوع إلى أهله، فخيرت بنت هذا الرجل التي أسرت قيل لها تحبين أن ترجعي إلى أبيك أم تختارين هذا الرجل الذي أخذك، فقالت: أختار هذا الرجل، فغضب أبوها غضبا شديدا فحلف أنه إن ولد له بعد ذلك بنت ليدفننها وهي حية، فجاءه بعد ذلك ثمان بنات، فدفنهن وهن حيات، هذا كان في وقت كفره هذا الرجل، ثم بعد ذلك تداركته رحمة الله بأن أسلم وندم على ما كان فعله قبل ذلك، وكان بعد إسلامه من خيار المسلمين فقال قائل عندما توفي هذا الرجل هو اسمه قيس بن عاصم قال الشاعر في رثائه له:
وما كان قيس هلكه هلك واحد | ||
ولكنه بنيان قوم تهدما | ||
هو هذا قيس بن عاصم كان معروفا بالحلم بعدما أسلم، الله تبارك وتعالى زاده حلما على ما كان عليه قبل إسلامه من الحلم والكرم والوفاء، زاده الإسلام في ذلك. مما حصل له من العجب في الحلم أن ابن أخ له قتل ابنا له فأتي بابن أخيه القاتل مكتوفا، فلما أحضر إليه ابن أخيه هذا قال: فكوا عنه ثم وبخه على قتله ابنه، لا ضربه ولا فعل به شيئا إنما وبخه ثم قال: أعطوا أم هذا المقتول، أعطوا أم ابنه المقتول أعطوا أمه لكونها غريبة، تزوجها من غير قومه هي كانت غريبة ليطيب خاطرها، قال أعطوها مائة من الإبل، وهذا مال كثير. الإبل اليوم الواحدة من الإبل تساوي عشرة ءالاف ريال سعودي هذا من جملة ما كان عليه من عظم الحلم، وهذا مصداق حديث رسول الله ﷺ «خيار الناس في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»([5]).اهـ. أي: أن من كان في حال الكفر من خيار الناس بأن كان وفيا بالعهود كريما يساعد المنهوكين والمنكوبين صادقا في معاملته للناس فهو يزيد في ذلك إذا أسلم وعرف دين الله، إذا فقهوا، معناه: إذا تعلموا الدين، من كان في الجاهلية، أي: في أيام كفره إنسانا طيبا فإنه إذا أسلم يزيد طيبا، إذا فقه، أي: إذا تعلم الدين إذا تعلم الحلال والحرام ما يحب الله وما يكره يكون هو خيار الناس بعد إسلامه، أي: يزيد فضلا وخيرا على ما كان قبل إسلامه، وهذا الحديث رواه البخاري، وأوله: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»([6]).اهـ. المعنى: أن الناس كفارهم ومؤمنوهم معادن، أي: مختلفة، فمنهم: من كان في الجاهلية، أي: قبل إسلامه بحالة محبوبة من الوفاء والكرم والصدق في الحديث ومعاملة الناس والشفقة على عباد الله، ومنهم: من هو على خلاف ذلك. وبعد إسلام المرء من كان في أيام جاهليته بصفات حسنة يزيد في الإسلام بالصفات الحسنة بارك الله فيكم جميعا. انتهى.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
([1]) رواه ابن حبان في صحيحه، ذكر العلة التي من أجلها أمر بهذا الأمر.
([2]) رواه الترمذي في سننه، باب: إكرام الضيف وقول الخير.
([4]) باب: قتل الولد خشية أن يأكل معه.
([5]) رواه أحمد في مسنده في ما أسند إلى جابر بن عبد الله t.
([6]) رواه البخاري في صحيحه، باب: قول الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللـه أتقاكم} [سورة الحجرات: 13]