اعلم أنّ البدعة لغة ما أُحدث على غير مثال سابق، وفي الشرع المحدث الذي لم ينصَّ عليه القرءان ولا جاء في السنّة.
والبدعة تنقسم إلى قسمين:
بدعة ضلالة: وهي المحدثة المخالفة للقرءان والسُّنَّة.
وبدعة هدى: وهي المحدثة الموافقة للقرءان والسُّنَّة.
روى الحافظ البيهقي([1]) بإسناده في مناقب الشافعيّ عن الشافعي رضي الله عنه قال: «المحدَثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث مما يخالفُ كتابًا أو سُنّة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة» اه.
وقال الفقيه ابن عابدين الحنفي في ردّ المحتار([2]) ما نصّه: «فقد تكون البدعة واجبة كنصب الأدلّة للردّ على أهل الفِرق الضالّة، وتعلّم النحو المفهم للكتاب والسُّنَّة، ومندوبة كإحداث نحو رباط ومدرسة، وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة كالتوسّع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب» اهــ.
قلت: إن التوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب مكروه اهـ.
وهذا التقسيم مفهوم من حديث البخاري([3]) ومسلم([4]) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَن أحدَثَ في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد». ورواه مسلم([5]) بلفظ ءاخر وهو: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». فأفهم رسول الله ﷺ بقوله: «ما ليس منه» أن المحدث إنما يكون ردًّا أي مردودًا إذا كان على خلاف الشريعة وأن المحدَث الموافق للشريعة ليس مردودًا.
ويؤيّدُ ذلك ما رواه مسلم([6]) في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البَجَليّ رضي الله عنه أن قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن سنّ في الإسلام سُنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سُنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».
ومما يدلّ على أنه ليس كل ما أحدث بعد رسول الله أو في حياته مما لم ينصّ عليه بدعة ضلالة.
* سن خبيب ركعتين عند القتل: كما جاء ذلك في صحيح البخاري([7]).
* ونقطُ يحيـى بن يعمر المصاحف: فإنَّ الصحابة الذين كتبوا الوحي الذي أملاه عليهم الرسول كانوا يكتبون الباء والتاء ونحوهما بلا نقط، وإنما أوّل مَن نقط المصاحف رجل من التابعين من أهل العلم والفضل والتقوى يقال له يحيـى بن يعمر.
فمن قال كل شيء لم يُفعل في عهد رسول الله ﷺ بدعة ضلالة فليبدأ بكشط النقط من المصاحف حتى ابن تيمية زعيمهم ذكر في فتاويه ما نصه([8]): «قيل يكره ذلك لأنه بدعة وقيل لا يكره للحاجة إليه وقيل يكره النقط دون الشكل لبيان الإعراب، والصحيح أنه لا بأس به» اهـ.
* وزيادة عثمان رضي الله عنه أذانًا ثانيًا يوم الجمعة: كما جاء عند البخاري في صحيحه.
* والاحتفال بمولد النبي ﷺ: فهذا العمل لم يكن في عهد النبيّ ولا فيما يليه إنّما أحدث في أوائل الستمائة للهجرة، وأول مَن أحدثه ملك إربل وكان عالمًا تقيًّا شجاعًا يقال له المظفّر، وجمع لهذا كثيرًا من العلماء فيهم من أهل الحديث والصوفية الصادقين، فاستحسن ذلك العمل العلماء في مشارق الأرض ومغاربها منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني وتلميذه الحافظ السّخاوي وكذلك الحافظ السيوطي.
* والجهرُ بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان: وحَدَث هذا بعد سنة سبعمائة وكانوا قبل ذلك لا يجهرون بها.
ويكفي في إثبات كونها بدعةً مستحبةً عَقِبَ الأذان قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلّوا عليّ»([9]) وقوله عليه الصلاة والسّلام: «من ذكرني فليصلِّ عليَّ» أخرجه الحافظ السخاوي وغيرُه([10])، فيؤخذ من ذلك أن المؤذن والمستمع كلاهما مطلوب منه الصلاة على النبي وهذا يحصل بالسّر والجهر. فإن قال قائل: لم ينقل عن مؤذني رسول الله ﷺ أنهم جهروا بالصَّلاة عليه قلنا لم يقل النبي لا تصلّوا عليَّ إلا سرًّا وليس كل ما لم يفعل عند رسول الله ﷺ حرامًا أو مكروهًا إنما الأمر في ذلك يتوقف على ورود نهي بنص أو استنباط من مجتهد من المجتهدين كمالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم ممن جاء بعدهم من المجتهدين الذين هم مستوفو الشروط، والجهر بالصلاة على النبي عقب الأذان توارد عليه المسلمون منذ قرون فاعتبره العلماء من محدثين وفقهاء بدعة مستحبّة.
* وكتابة (ﷺ) عند كتابة اسم النبي: ولم يكتب النبيّ ذلك في رسائله التي أرسل بها إلى الملوك والرؤساء وإنما كان يكتب من محمّد رسول الله إلى فلان.
* والطُّرُق التي أحدثها بعض الصالحين: كالرفاعية والقادرية وغيرهما وهي نحو أربعين، فهذه الطرق أصلها بدع حسنة ولكن شذّ بعض المنتسبين إليها وهذا لا يقدح في أصلها.
أمَّا بدعة الضّلالة فعلَى نوعين بدعة تتعلق بأصول الدين وبدعة تتعلق بفروعه.
فأما البدعة التي تتعلق بأصول الدين فهي التي حدثت في العقائد وهي مخالفة لما كان عليه الصحابة في المعتقد، وأمثلتها كثيرة منها:
بدعة إنكار القدر: وأول مَن أظهرها معبد الجهني([11]) بالبصرة كما في صحيح مسلم([12]) ويسمّى هؤلاء القدرية([13])، فيزعمون أنَّ الله لم يقدّر أفعال العباد الاختيارية ولم يخلقها وإنَّما هي بخلق العباد، ومنهم مَن يزعم أنّ الله قدّر الخير ولم يقدّر الشرَّ، وكِلَا القولَين كُفرٌ.
* وبدعة الجهمية: ويسمّون الجبرية أتباع جهم بن صفوان([14]) يقولون: إنَّ العبد مجبور في أفعاله لا اختيار له، وإنما هو كالريشة المعلّقة في الهواء يأخذها الهواء يَمنة ويسْرة، وذلك معارضٌ للنُّصوص الشرعيّة.
* وبدعة الخوارج([15]): الذين خرجوا على سيّدنا عليّ رضي الله عنه ويكفّرون مرتكب الكبيرة.
* وبدعة القول بحوادث لا أوّل لها: وهي كفر.
* وبدعة القول بعدم جواز التوسل بالأنبياء والصالحين بعد وفاتهم، أو في حياتهم في غير حضرتهم: وأول من أحدثها أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني([16])، توفي سنة 728هـ.
وأما البدعة التي تتعلق بالفُروع فهي فأمثِلتُها كثيرةٍ منها:
* كتابة (ص) بعد كتابة اسم النبي([17]) ﷺ، وأسوأ منها وأقبح (صلعم).
* ومنها تيمُّم بعض الناس على السجاد والوسائد التي ليس عليها غبار التراب.
* ومنها تحريف اسم الله، كما يحصل من كثير من المنتسبين إلى الطرق.
فإن قيل أليس قال رسول الله ﷺ فيما رواه أبو داود عن العرباض بن سارية([18]): «وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ».
فالجواب أنَّ هذا الحديث لفظه عام ومعناه مخصوص بدليل الأحاديث السابق ذكرها فيقال: إن مراد النبيّ ﷺ ما أحدث وكان على خلاف الكتاب أو السُّنَّة أو الإِجماع أو الأثر.
([2]) ردّ المحتار على الدرّ المختار (1/376).
([3]) صحيح البخاري: كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود.
([4]) صحيح مسلم: كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور.
([5]) صحيح مسلم، التخريج السابق.
([6]) صحيح مسلم: كتاب الزكاة: باب الحثّ على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيّبة وأنها حجاب من النار. وكتاب العلم: باب من سنّ في الإسلام سُنّة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، شرح صحيح مسلم للنووي (16/226).
([7]) صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب عزوة الرجيع ورِعْل وذَكوان وبئر معونة وحديث عضل والقارة وعاصم بن ثابت وخبيب وأصحابه.
([8]) فتاوى ابن تيمية (3/402).
([9]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة: باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه… إلخ.
([10]) القول البديع (ص110)، وأبو يعلى في مسنده (7/75)، و(6/354) بلفظ الكتاب أعلاه.
([11]) راجع ما تُكلّم فيه: التبصير في الدين (ص21)، تهذيب التهذيب (10/225).
([12]) صحيح مسلم، أول كتاب الإيمان.
([13]) راجع مقالاتهم وفرقهم كتاب التبصير في الدين (ص63 و95).
([14]) راجع في شأنه وفرقته التبصير في الدين (ص107)، الفرق بين الفِرق (ص211)، الـمِلل والنِحل (1/86).
([15]) راجع في مقالاتهم وفرقهم: التبصير في الدين (ص45 و62).
([16]) الرد على المنطقيين (ص536).