الأربعاء يناير 28, 2026

بيان أقسام الكفر

   واعلم يا أخي المسلم أن هناك اعتقادات وأفعالا وأقوالا تنقض الشهادتين وتوقع في الكفر لأن الكفر ثلاثة أنواع: كفر اعتقادي وكفر فعلي وكفر لفظي، وذلك باتفاق المذاهب الأربعة كالنووي وابن المقري من الشافعية وابن عابدين من الحنفية والبهوتي من الحنابلة والشيخ محمد عليش من المالكية وغيرهم فلينظرها من شاء. وكذلك غير علماء المذاهب الأربعة من المجتهدين الماضين كالأوزاعي فإنه كان مجتهدا له مذهب كان يعمل به ثم انقرض أتباعه.

   الشرح أن مما استدل به أهل الحق على أن الكفر ثلاثة أقسام ءايات منها قوله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾ [سورة التوبة/74] فهذه الآية يفهم منها أن الكفر منه قولي، وقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾ [سورة الحجرات/15] فهذه الآية يفهم منها أن الكفر منه اعتقادي لأن الارتياب أي الشك يكون بالقلب، وقوله تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر﴾ [سورة فصلت/37] يفهم منه أن الكفر منه فعلي، وهذه المسئلة إجماعية اتفق عليها علماء المذاهب الأربعة.

   وكل من الثلاثة كفر بمفرده فالكفر القولي كفر ولو لم يقترن به اعتقاد ولا فعل، والكفر الفعلي كفر ولو لم يقترن به اعتقاد وانشراح الصدر به ولا قول، والكفر الاعتقادي كفر ولو لم يقترن به قول ولا فعل. وإنما يشترط للقول الكفري انشراح الصدر في المكره على قول الكفر بالقتل ونحوه. فالمكره هو الذي لا يكفر لمجرد القول بعد أن أكره إلا أن يشرح صدره بما يقوله فعندئذ يكفر، لأن المسلم المكره على قول الكفر إن قال كلمة الكفر لإنقاذ نفسه مما هدده به الكفار وقلبه غير منشرح بما يقوله فلا يحكم بكفره، وأما إن تغير خاطره بعد الإكراه فشرح صدره بقول الكفر كفر، وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيـمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيـمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ [سورة النحل/106] فألغى هذا الحكم الشرعي الذي اتفق عليه علماء الإسلام وجاءت به هذه الآية أشخاص من أهل هذا العصر أحدهم سيد سابق في كتابه فقه السنة وحسن قاطرجي وشخص من ءال هضيبي في كتاب سماه »دعاة لا قضاة« وشخص سوري من ءال الإدلبي. فليحذر هؤلاء فهؤلاء حرفوا شرع الله وخالفوا حكام المسلمين من الخلفاء ونوابهم فإنهم لم يكونوا يقولون للشخص الذي تكلم بكلمة الكفر والردة عند تقديمه إليهم للحكم عليه هل كنت شارحا صدرك بما قلت من قول الكفر بل كانوا يجرون عليه حكم الردة بمجرد اعترافه أو شهادة شاهدين عليه بأنه قال كلمة كذا من الكفر. وهذه كتب التواريخ الإسلامية تشهد بذلك في الوقائع التي ذكرت فيها كواقعة قتل الحلاج فإنه أصدر عليه حكم الردة لقوله أنا الحق أي أنا الله ونحو ذلك من كلمات الردة، فأصدر القاضي أبو عمر المالكي في بغداد أيام الخليفة المقتدر بالله حكما عليه فقطعت يداه ورجلاه ثم قطعت رقبته ثم أحرقت جثته ثم ذر رماده في دجلة، وهذا التشديد عليه ليرتدع أتباعه لأنه كان له أتباع عرفوا بالحلاجية. وكان الإمام الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة الصوفية تفرس فيه بما ءال إليه أمره لأنه قال للحلاج: »لقد فتحت في الإسلام ثغرة لا يسدها إلا رأسك«.

   وجهلة المتصوفة خالفوا سيد الصوفية الجنيد فصاروا يهونون أمر النطق بكلمات الردة ممن ينتسب إلى التصوف فلا يكفرون أحدا منهم لقول أنا الله أو أنا الحق، أو قال إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم جميع ما يعلمه الله، أو إن الله يحل في الأشخاص، أو إن الله كان واحدا ثم صار كثيرا فيزعمون أن العالم أجزاء من الله.

   أما الصوفية الحقيقيون فهم بريئون منهم، فهؤلاء في واد وأولئك في واد ءاخر. بل قال الإمام الجنيد رضي الله عنه: لو كنت حاكما لضربت عنق من سمعته يقول لا موجود إلا الله.

   ومن شأن هؤلاء أعني جهلة المتصوفة أن يقولوا إذا نقل عن أحدهم كلمة كفر »يؤول« ولو كانت مما لا يقبل التأويل وهؤلاء من أبعد خلق الله عن علم الدين، فإن علماء الإسلام متفقون على أن التأويل البعيد لا يقبل إنما التأويل يقبل إذا كان قريبا قال ذلك الإمام الكبير حبيب بن ربيع المالكي وإمام الحرمين الشافعي والشيخ الإمام تقي الدين السبكي، ونقل معنى هذا عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة.

   بيان هذه الكلمة لا موجود إلا الله أحدثها ملاحدة المتصوفة الذين يعتقدون وحدة الوجود ثم بعض العوام من المسلمين صاروا يقولونها من غير فهم لمعناها ويظنون أن معناها أن الله هو المسيطر على كل شىء فهؤلاء لا يكفرون لأنهم يقولونها ولا يفهمون معناها الكفري. وأمثال هذا كثير منها قول بعض الملاحدة عن الله هو الكل، وقولهم ما في الوجود إلا الله، عصمنا الله من ذلك. وهذه الكلمة لا موجود إلا الله وقول ما في الوجود إلا الله وأمثالهما كانت في الفلاسفة اليونانيين. كانوا يرون أن جملة العالم هو الله بما فيه من ذوي الروح والجماد حتى قال بعض الشاذلية اليشرطية لبعض الناس الذين حضروا مجالسهم أنت الله وهذا الجدار الله.

   قال المؤلف رحمه الله: الكفر الاعتقادي: مكانه القلب كنفي صفة من صفات الله تعالى الواجبة له إجماعا كوجوده وكونه قادرا وكونه سميعا بصيرا أو اعتقاد أنه نور بمعنى الضوء أو أنه روح، قال الشيخ عبد الغني النابلسي: من اعتقد أن الله ملأ السموات والأرض أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإن زعم أنه مسلم.

   الشرح أن من نفى وجود الله بقلبه فهو كافر، وكذلك من اعتقد أن الله غير قادر على كل شىء أو شك في قدرته على كل شىء. فلا يعذر أحد في الجهل بقدرة الله ونحوها من صفاته مهما بلغ الجهل بصاحبه. وأما إذا قال قائل الله نور فلا يعترض عليه إلا إذا كان يعتقد أنه نور بمعنى الضوء عندئذ يكفر، أما إذا قال الله نور ولم يفهم ماذا يقصد فلا يكفر، ولا يقال له حرام أن تقول هذا لأنه ورد في تعداد أسماء الله الحسنى عند البيهقي وغيره. وكذلك ورد في بعض روايات تعداد أسماء الله المنير وهو تفسير لاسم الله النور.

   قال المؤلف رحمه الله: الكفر الفعلي: كإلقاء المصحف في القاذورات قال ابن عابدين: ولو لم يقصد الاستخفاف، لأن فعله يدل على الاستخفاف. أو أوراق العلوم الشرعية، أو أي ورقة عليها اسم من أسماء الله تعالى مع العلم بوجود الاسم فيها.

   الشرح قال بعض العلماء: إذا رمى اسم الله في القاذورات على وجه الاستخفاف كفر، أما إذا لم يكن على وجه الاستخفاف فلا يكون ردة وهذا في غير المصحف فإن رميه في القاذورات كفر لأنه يدل على الاستخفاف، وقال المالكية في كتبهم ترك ورقة في القاذورات مكتوب فيها قرءان استخفافا ردة وكفر، أما الذي يتركها ليس للاستخفاف بها بل يعتقد أن لها حرمة لكن تركها تكاسلا فإنه لا يكفر ولكنه أثم إثما كبيرا، وهذا الذي قاله المالكية يوافق عليه سائر أهل المذاهب الأخرى لكن المالكية نصوا عليه أما الآخرون فلم ينصوا عليه فيما أعلم لكن قواعدهم توافق على ذلك.

   قال المؤلف رحمه الله: ومن علق شعار الكفر على نفسه من غير ضرورة فإن كان بنية التبرك أو التعظيم أو الاستحلال كان مرتدا.

   الشرح أما إن علقه لا بنية إحدى هذه المذكورات فلا يكفر لكنه أثم إثما كبيرا.

   قال المؤلف رحمه الله: الكفر القولي: كمن يشتم الله بقوله والعياذ بالله من الكفر: أخت ربك، أو ابن الله، يقع الكفر هنا ولو لم يعتقد أن لله أختا أو ابنا.

   الشرح ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: »قال الله تعالى: شتمني ابن ءادم ولم يكن له ذلك« وفسر ذلك بقوله: »وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا« رواه البخاري.                                            

   قال المؤلف رحمه الله: ولو نادى مسلم مسلما ءاخر بقوله: يا كافر بلا تأويل كفر القائل لأنه سمى الإسلام كفرا.

   الشرح يدل على ذلك ما رواه البخاري في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »من رمى مسلما بالكفر أو قال عدو الله إلا عادت عليه إن لم يكن كما قال« وفي لفظ لهذا الحديث: »إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه«، فقد حذرنا رسول الله في هذا الحديث من أن نقول لمسلم: كافر، أو عدو الله، وبين لنا أن من قال ذلك لمسلم يعود عليه وبال هذه الكلمة، أما من قال لمسلم يا عدو الله أو أنت عدو الله بسبب شرعي فليس عليه حرج، أي ليس فيه معصية. وإن كان قال له ذلك متأولا بنوع تأويل فلا يكفر، والتأويل معناه أنه اعتمد على سبب في ذلك الشخص ظنه مخرجا من الإسلام وهو في الحقيقة ليس مخرجا من الإسلام، وكان له في ذلك نوع شبهة أي التباس فإن المكفر هنا لا يكفر كما أن المكفر لم يكفر، ومثال ذلك رجل بلغه أن فلانا انتحر فقال مات كافرا والعياذ بالله، فهذا المكفر إن كان جاهلا يظن أن الانتحار وحده كفر ولا يعرف أن الانتحار بمجرده ليس كفرا لم يكفر لأنه له تأويلا.

   ومن التأويل أيضا أن يفعل هذا المسلم فعلا يشبه فعل الكفار فيظن به أنه لا يحب الإسلام أو لا يعتقد الإسلام فكفره بناء على هذا الظن، لما رأى منه من فعل خبيث أو قول خبيث.

   ثم إنه يوجد مسئلة نفيسة ينبغي بيانها ألا وهي أنه لا يكفر من لم يكفر من وقع في بعض أنواع الكفر إنما يكفر من لم يكفر من وقع في بعض الأنواع الأخرى من الكفر، لأن الكفر نوعان:

   نوع ظاهر ليس فيه خلاف بأنه كفر بين الأئمة وبأن من فعله فقد كفر فمن لم يكفر فاعله يكفر. فالكفر الذي من لم يكفر صاحبه يكفر هو كسب الله أو الأنبياء أو احتقار دين الإسلام أو إنكار البعث بعد الموت أو الثواب أو العقاب هذا من شك في كفره يكفر.

   والنوع الآخر هو الكفر الذي هو كفر لكنه إذا إنسان لم يكفر من حصل منه ذلك الكفر لا يكفر مع أن هذا كفر كما أن ذاك كفر لكن من لم يكفر هذا الذي ارتكب نوعا من أنواع الكفر لا يكفر، مثال ذلك: لو سب شخص عزرائيل فإنه يكفر وأما من شك في كفره فلا يكفر إن لم يكن عن عناد، لأنه يخفى على كثير من الناس كرامة عزرائيل، أما من كان يعرف أنه كأولئك الكبار كجبريل وكان يعتقد أن الذي سبه يعرف ذلك ومع ذلك لم يكفره فإنه يكفر. وأما الذي يشك في كفر ساب جبريل فيكفر فإن كفر هذا لا يخفى على العوام فضلا عن الخواص.

   فيعلم من هذا أن هذه الكلمة التي يرددها بعض الناس ليست قاعدة فانبذوها وحذروا منها لأنه لا يصح أن تقال، وهذه الكلمة هي: »من لم يكفر كافرا كفر«. هذه الكلمة لا تقال لأن الكفر نوعان نوع شأنه أنه من لم يكفر فاعله يكفر ونوع لا يكفر من تردد هل هذا كفر أم لا. مثال ذلك ما تقدم أنه لو سب شخص عزرائيل فإنه يكفر وأما من شك في كفره فلا يكفر إن لم يكن عن عناد، وأما الذي يشك في كفر ساب جبريل فيكفر فإن كفر هذا لا يخفى على العوام فضلا عن الخواص. فالكفر الذي من لم يكفر صاحبه يكفر هو كسب الله أو الأنبياء أو احتقار دين الإسلام أو إنكار البعث بعد الموت أو الثواب أو العقاب فإن هذا من شك في كفره يكفر.

   قال المؤلف رحمه الله: ويكفر من يقول للمسلم يا يهودي أو أمثالها من العبارات بنية أنه ليس بمسلم إلا إذا قصد أنه يشبه اليهود فلا يكفر.

   الشرح إن كان هناك شىء ظن من أجله أنه كفر فقال له يا كافر لا نكفره كأن كان يراه يجالس الكفار ويوادهم ويخالطهم أو يوافقهم في كثير من أمورهم فقال له أنت كافر ظنا منه أنه يعتقد اعتقادهم أو أنه يستحسن دينهم.

   قال المؤلف رحمه الله: ولو قال شخص لزوجته »أنت أحب إلي من الله« أو »أعبدك« كفر إن كان يفهم منها العبادة التي هي خاصة لله تعالى.

   الشرح هذا اللفظ صريح في الكفر لأن الله يجب محبته أكثر من كل شىء، فمن أحب شيئا أكثر من الله فقد كفر. وأما من قال لزوجته أعبدك وكان يفهم منها أحبك محبة شديدة فهذا لا نكفره. 

   قال المؤلف رحمه الله: ولو قال شخص لآخر »الله يظلمك كما ظلمتني« كفر القائل لأنه نسب الظلم إلى الله تعالى، إلا إذا كان يفهم أن معنى يظلمك ينتقم منك فلا نكفره بل ننهاه.

   الشرح الظلم مستحيل على الله قال تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾، [سورة فصلت/46]، والظلم معناه التصرف في ملك الغير بما لا يرضى، والله يتصرف بملكه فنحن وما نملك ملك له.

   فمن يقول الله يظلمك ويقف عندها يكفر ولا تأويل لكلامه، ومن يشك في ذلك يكفر ولو نوى أنه ينتقم منك. وأما من قال الله يظلمك كما ظلمتني إن فهم منه الله ينتقم منك قال بعضهم لا يكفر.

   قال المؤلف رحمه الله: ولو قال شخص لشخص ءاخر والعياذ بالله »يلعن ربك« كفر. وكذلك يكفر من يقول للمسلم »يلعن دينك« قال بعض الفقهاء إن قصد سيرته فلا يكفر. قال بعض الحنفية: يكفر إن أطلق، أي إن لم يقصد سيرته ولا قصد دين الإسلام.

   الشرح أن الذي يقول يلعن ربك كفر كفرا صريحا لا تأويل له، وأما من قال للمسلم يلعن دينك فإن قصد سيرته أي عادته وأخلاقه فلا يكفر. 

   قال المؤلف رحمه الله: وكذلك يكفر من يقول والعياذ بالله »فلان زاح ربي« لأن هذا فيه نسبة الحركة والمكان لله. وكذلك يكفر من يقول والعياذ بالله »قد الله« يقصد المماثلة. وكذلك يكفر من نسب إلى الله جارحة من الجوارح كقول بعض السفهاء »يا زب الله« وهو لفظ صريح في الكفر لا يقبل فيه التأويل.

   الشرح أن الذين يتلفظون بهذا اللفظ يفهمون أن معنى الزب الآلة التي هي الذكر، ولا يستبعد من كثير من الجهلة اعتقاد أن الله له هذه الآلة فقد أخبرني ثقة بأنه كان يحذر أهله الذين ببلدة بلودان من هذه الكلمة قال حذرت امرأة من قرائبي كبيرة في السن من هذه الكلمة فقالت أليس له ذلك الشىء، ولقد شاعت في عدة قرى في لبنان وفي سوريا فلا يجوز السكوت عن النهي عنها بل النهي عنها أولى من النهي عن الزنى والسرقة والربا والسفور وكشف المرأة رأسها في الطريق وعن السينما، وكثير من الخطباء ينهون عن السفور والسينما ولم نسمع من أحد من الخطباء أنه نهى عن هذه الكلمة. قال لي بعض أهل الشام: ولم أسمع من ينهى عن هذه الكلمة إلا شيخا يقال له الشيخ خالد النقشبندي نهى عنها على المنبر في الزبداني.

   قال المؤلف رحمه الله: وكذلك يكفر من يقول »أنا رب من عمل كذا«.

   الشرح أن قائل هذه العبارة يكفر لأنه جعل نفسه ربا للعباد، أما إذا قال أنا رب هذه الصنعة كالتجارة بمعنى أني خبير بها فلا يكفر، وكذلك يصح أن يقال لمن كان يملك شيئا كدابة أو بستان أو جارية أو عبد: فلان رب هذه الدابة أو رب هذه الجارية أو رب هذا العبد بمعنى سيده، ومن هذا ما جاء في القرءان الكريم من قول يوسف: ﴿اذكرني عند ربك﴾ [سورة يوسف/42] فمن كان في صورة العبد المملوك ولو لم يكن حقيقة مملوكا للشخص يطلق عليه من حيث الصورة هذا عبد فلان، ويقال للذي هو مستول عليه هذا رب فلان، أما الناس الأحرار فلا، لا يقال أنا رب النجارين أو رب البنائين، وكذلك لا يجوز أن يقال لطبيب العيون رب العيون، وقد ذكر بعض العلماء الذين تلقوا العلم في مصر أنه كان طبيب عيون ماهر فقال عن نفسه: أنا رب العيون فأصيب بالعمى، هو كفر بقوله هذا أما لو قال أنا رب طب العيون فلا يكفر.

   هذا إن كان يفهم القائل تصرفات كلمة رب من حيث اللغة وأما من لا يفهم ذلك فيحكم عليه بحسب ما يليق بحاله، فقد عرف في اللغة أن يقال رب هذه الجارية أو رب هذه الدار أو رب هذا البستان بمعنى مستحقة، قال صاحب القاموس: رب كل شىء مستحقه. وكذلك إذا كان الشخص بارعا في النحو فقال قائل: فلان رب النحو فلا يكفر، وكذلك إذا كان بارعا في النجارة فقال فلان رب النجارة فلا يكفر، أما لو قال فلان رب النجارين فيكفر لأنه لا معنى له إلا أنه خالقهم.

   تنبيه: من الألفاظ المستقبحة ما شاع في بعض البلاد من قولهم رب العائلة ويعنون به صاحب العائلة فإنه لا يصح لغة وصف شخص بأنه رب الأشخاص الأحرار أما العبيد المملوكون والإماء المملوكات فيصح أن يقال فلان رب هؤلاء العبيد ورب هؤلاء الإماء بمعنى المستحق والمختص بملكهم، أما من قال فلان رب العائلة أو قال رب الأسرة وكان يفهم من ذلك أنه صاحبهم ويكفيهم حاجاتهم فلا يكفر.

 وأما حديث: »الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله« فليس صحيحا بل هو حديث ساقط شديد الضعف وبعض الناس يفهمونه على اللغة المحلية فيقعون في الكفر، فإنهم يفهمون من كلمة »عيال« أبناء وليس المعنى كذلك، فإن العيال في لغة العرب معناه الناس الذين ينفق عليهم الشخص لو كانوا أعمامه وأخواله وزوجاته ووالديه بمعنى أنهم تحت نفقته ورعايته لكونهم محتاجين إليه ويكفيهم نفقاتهم، ولا يوجد في اللغة عيال بمعنى الأولاد. وهذه العبارة من جملة ما أخرجه الناس عن معناه الأصلي في اللغة إلى غير معناه، ولو صح هذا الحديث الذي مر ذكره لكان معناه »فقراء الله« كما قال المناوي عند شرح هذا الحديث الذي أورده السيوطي في الجامع الصغير. فمن ظن أنه يجوز أن يقال عن البشر أبناء الله أو أولاد الله بالمعنى المجازي أي أنه كافيهم بالرزق كفر كما ذكر ابن عطية في تفسيره هذه الآية: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [سورة المائدة/18] وأما قول بعض الصوفية »أرباب القلوب« أي أصحاب العقول المتنورة بالتقوى ليس معناه أن هؤلاء خالقو العقول، والقلوب هنا بمعنى العقول ويقع في بعض مؤلفات العلماء قول »رب الأرباب« يعنون أن الله مالك الملاك وهذا صحيح.

   قال المؤلف رحمه الله: وكذلك يكفر من يقول والعياذ بالله »خوت ربي« [أي جنن] أو قال للكافر »الله يكرمك« بقصد أن يحبه الله كفر لأن الله تعالى لا يحب الكافرين كما قال تعالى: ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [سورة ءال عمران/32].

   الشرح معنى أكرمه الله في اللغة العربية وسع عليه الرزق فمن قال هذا لكافر على هذا المعنى فلا يكفر، أما إن قال ذلك على معنى أن يحبه الله كفر ومعنى قوله تعالى: ﴿فإن تولوا﴾ أي فإن أعرضوا عن الإيـمان بالله والرسول.

   قال المؤلف رحمه الله: وكذلك القول للكافر »الله يغفر لك«، إن قصد أن الله تعالى يغفر له وهو على كفره إلى الموت.

   الشرح أن من قال ذلك للكافر وقصد أن يغفر الله له وهو كافر مع مواظبته على الكفر حتى يموت على ذلك كفر، وأما إن قصد أن يغفر له بالإسلام فلا يكفر، قال الله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ [سورة التوبة/113].

   قال المؤلف رحمه الله: وكذلك يكفر من قال لمن مات على الكفر »الله يرحمه« بقصد أن يريحه في قبره لا بقصد أن يخفف عنه عذاب القبر من غير أن ينال راحة فإنه إن قال ذلك بهذا القصد فيحتمل أنه لا يكفر.

   الشرح أن الترحم على الكافر في حال حياته جائز لأنه يجوز أن يهتدي فيسلم فيموت على الإسلام، أما إذا مات فقد فاته الإيـمان، قال الله تعالى ﴿ورحمتي وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون﴾ [سورة الأعراف/156] أي وسعت رحمة الله في الدنيا كل مؤمن وكافر أما في الآخرة فقد جعلها الله خاصة بالمؤمنين.

   قال المؤلف رحمه الله: ويكفر من يستعمل كلمة الخلق مضافة للناس في الموضع الذي تكون فيه بمعنى الإبراز من العدم إلى الوجود كأن يقول شخص ما: »أخلق لي كذا كما خلقك الله«.

   الشرح الخلق في لغة العرب له خمسة معان أحدها بمعنى الإبراز من العدم إلى الوجود وعلى هذا المعنى لا تستعمل مضافة إلى غير الله، أما على المعاني الأخرى فيجوز استعمالها مضافة لغير الله. وأما استعمال كلمة فلان اخترع كذا فلا يضر بالإعتقاد.

   ومن الألفاظ البشعة الشنيعة قول بعض الناس عند الغضب من شخص أحسب الله ما خلقك ويريدون بذلك أضربك ضربا شديدا.

   وكذلك قول بعضهم عند الغضب من شخص ضرب لهم ولدا من أولادهم الذي يضربك ما خلقه الله، فإن هذا اللفظ فيه نفي وجود ما خلقه الله إلا أن كثيرا من الناس لا يفهمون من هذا اللفظ إلا أنهم يضربون هذا الشخص ضربا شديدا ويعتبرونه كأنه ليس موجودا.

   قال المؤلف رحمه الله: ويكفر من يشتم عزرائيل عليه السلام كما قال ابن فرحون »في تبصرة الحكام«، أو أي ملك من الملائكة عليهم السلام.

   الشرح أن من شتم عزرائيل عليه السلام يكفر نص على ذلك ابن فرحون المالكي في تبصرة الحكام، وكذا يكفر من شتم أي ملك من ملائكة الله كجبريل وإسرافيل وميكائيل وغيرهم، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على أن اسم ملك الموت عزرائيل.

   قال المؤلف رحمه الله: وكذلك من يقول »أنا عايف الله«، أي كرهت الله. ويكفر من يقول: »الله لا يتحمل فلانا« إذا فهم العجز أو أن الله ينزعج منه، أما إذا كان يفهم من هذه الكلمة أن الله يكرهه فلا يكفر.

   الشرح أن من قال: »الله لا يتحمل فلانا« فحكمه على حسب فهمه من هذه العبارة، فإن كان يفهم منها نسبة العجز إلى الله أو أن الله ينزعج منه ويحصل له انفعال يكفر، أما إن كان يفهم من هذه العبارة أن الله لا يحب هذا الإنسان لفسقه وإن كان مسلما فلا يكفر.

   قال المؤلف رحمه الله: ويكفر من يقول: »يلعن سماء ربك«، لأنه استخف بالله تعالى.

   الشرح إنما يكفر قائل هذه العبارة لأنه استخف بالله تعالى، وأما الذي يقول يلعن سماك فهذا يحكم عليه على حسب فهمه فإن كان يفهم منها السماء التي هي مسكن الملائكة كفر لأن الله جعلها قبلة الدعاء ومهبط الرحمات والبركات فعظم شأنها، وإن كان يفهم منها سقف البيت أو الفراغ الذي يلي موضع إقامة هذا الشخص فلا يكفر.

   قال المؤلف رحمه الله: وكذلك من يسمي المعابد الدينية للكفار »بيوت الله«، وأما قوله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد﴾ [سورة الحج/40] فالمراد به معابد اليهود والنصارى لما كانوا على الإسلام لأنها كمساجد أمة محمد حيث إن الكل بني لتوحيد الله وتمجيده لا لعبادة غير الله فقد سمى الله المسجد الأقصى مسجدا وهو ليس من بناء أمة محمد. فليتق الله امرؤ وليحذر أن يسمي ما بني للشرك بيوت الله ومن لم يتق الله قال ما شاء.

   الشرح جعل الله تعالى الحكام يدفعون الأذى والضرر فأقامهم الله لذلك فصار بهم الأمان ولولا ذلك لهدمت صوامع وبيع للنصارى المسلمين الذين كانوا على شريعة المسيح وصلوات ومساجد. والصوامع جمع صومعة وهي أبنية محدبة الرءوس تبنى على أماكن مرتفعة يتعبد فيها الراهب، واسعة الأسفل ضيقة الأعلى، والبيع جمع بيعة وهي الأماكن التي كان يتعبد فيها النصارى قبل أن يكفروا، والصلوات يقال للواحدة منها صلوتا – وهي لغة عبرية كما في كتاب القاموس المحيط – وهي الأماكن التي كانت اليهود تتعبد فيها قبل أن يكفروا بتكذيبهم المسيح فإنهم قبل ذلك كانوا مسلمين على شريعة التوراة الأصلية قبل التحريف، والمساجد المراد بها في الآية مساجد أمة محمد، وكل هذه مساجد، إلا الصوامع يبنيها شخص واحد على التلال ويقصدون بذلك التفرغ لعبادة الله كخلوات الصوفية عندنا، قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [سورة الإسراء/1] فالله سماه المسجد الأقصى مع أنه ليس من بناء أمة محمد فقد بناه سيدنا ءادم ثم جدد بناؤه عدة مرات.

   وليعلم أن قول: »ومن لم يتق الله قال ما شاء« ليس فيه الرضى للكافر بكفره، فإن من يقول لكافر متهكما به مستهزءا ساخرا به بعدما ينصحه فيجده معاندا: »إن شئت اكفر« لا يكفر، وليس معناه أنه يعرض عليه الكفر بل هذا إنكار في الحقيقة وزجر ليس أمرا له بالكفر، ومعناه إن كفرت أنت ماذا تضرني في الآخرة أنت تضر نفسك إذا كفرت بكفرك هذا، والدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى في سورة الكهف: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها﴾ فإنه تهديد وليس ترخيصا لمن شاء أن يكفر في الكفر. فلا وجه لقول بعض الملحدين المحرفين إن هذه الآية فيها حرية الفكر بمعنى أن الإنسان له أن يختار الإسلام أو غيره، ومعنى قوله تعالى ﴿نارا أحاط بهم سرادقها﴾ أي أن الكفار محفوفون في جهنم من جميع الجهات.

   قال المؤلف رحمه الله: وكذلك من حدث حديثا كذبا وهو يعلم أنه كذب فقال: الله شهيد على ما أقول بقصد أن الله يعلم أن الأمر كما قلت لأنه نسب الجهل لله تعالى لأن الله يعلم أنه كاذب ليس صادقا.

   الشرح الله يعلم الكاذب كاذبا ويعلم الصادق صادقا، فمن قال الله شهيد أني ما عملت كذا وهو يعلم أنه قد عمل ذلك الشىء يكفر لأنه نسب الجهل إلى الله، وأما إن كان ناسيا أنه عمل ذلك الشىء فقال الله شهيد أني ما عملت ذلك الشىء فلا يكفر لأنه لم ينسب الجهل إلى الله.

   قال المؤلف رحمه الله: وكذلك لا يجوز القول: »كل واحد على دينه الله يعينه« بقصد الدعاء لكل.

    الشرح ليعلم أن الإعانة معناها التمكين والإقدار وليس الرضا كما يتوهم بعض الناس، فالله تعالى هو الذي أعان المؤمن على إيـمانه والكافر على كفره، وممن صرح بهذا التعبير الإمام محمد الأمير المالكي وهو من مشاهير علماء القرن الثاني عشر الهجري ووافقه عليه الشيخ محمد عليش المالكي مفتي الديار المصرية وإمام الحرمين في كتابه الإرشاد وغيرهم، فعلم من هذا أن المسئلة فيها تفصيل فمن قال هذه الكلمة بقصد الدعاء أي الطلب بأن يعين الله الكافرين على الكفر كفر لأن فيه الرضا بالكفر للغير، وأما إذا أراد الإخبار فلا يكفر لأن الله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولا يسأل عما يفعل لأنه ليس عليه محكومية ولا ناهي له، قال الله تعالى ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ [سورة الشمس/8].

   وممن قال بأن الله يعين الكافر على كفره الشيخ محمد الباقر النقشبندي، فلا عبرة بإنكار بعض الرعاع المدعين للتصوف المنتسبين إلى النقشبندية حيث أنكروا علينا ذلك واستعظموه وذلك من فرط الجهل، لأن معنى الإعانة التمكين، فالله تعالى هو الذي يمكن المؤمن من الإيـمان وهو الذي يقدره على ذلك، وهو الذي يمكن الكافر من الكفر لأنه هو الذي قدره على أن يفعل الكفر.

   فالحاصل أنه يصح اعتقاد أن الله هو يعين المؤمن على الإيـمان وفعل الصالحات، وأنه هو الذي يعين الكافر على الكفر وعلى المعاصي. وأما الدعاء للكافر والعاصي بالكفر والمعصية فهذا لا يجوز، فالأول أي الدعاء للكافر بالكفر كفر وأما الدعاء للعاصي بأن  يمكنه الله من تلك المعصية فذلك معصية وليس كفرا.

   وفي قول الله تعالى: ﴿تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء﴾ [سورة ءال عمران/26] أوضح دليل على أن الله هو الذي أعان المؤمنين الذين ملكوا والكفار الذين ملكوا فنمرود وفرعون وغيرهما من ملوك الكفر الذين أفسدوا في الأرض ودعوا الناس إلى الكفر الله تعالى هو الذي أعطاهم هذه القدرة فهو الذي أعانهم على ذلك. وأما قول الشافعي رضي الله عنه:

خلقت العباد على ما علمت                 ففي العلم يجري الفتى والمسن

على ذا مننت وهذا خذلت                     وهذا أعنت وذا لم تعن

   فيه إثبات أن العباد يجرون فيما علم الله منهم، فمن علم الله منه أنه يؤمن ءامن ومن علم الله منه أنه يكفر كفر. وقوله »وهذا أعنت وذا لم تعن« معناه هذا الذي وفقته للخير أعنته على الخير وأما إذا لم تعن أي لم تعنه على الخير وأعنته على الشر فهذا لم تعنه على الخير وليس معناه أن الله لا يعين على الشر.

   قال المؤلف رحمه الله: ويكفر من يقول معمما كلامه: »الكلب أحسن من بني ءادم«.

  الشرح هذا اللفظ لفظ عام يؤدي إلى تكذيب قول الله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني ءادم﴾ [سورة الإسراء/70]، وأما إن كان هذا الشخص في كلامه قرينة تدل على أنه أحسن من الشخص المخاطب في بعض الخصال كالوفاء لصاحبه الذي يرعاه فلا يكفر.

   قال المؤلف رحمه الله: أو من يقول »العرب جرب«، أما إذا خصص كلامه لفظا أو بقرينة الحال كقوله اليوم العرب فسدوا ثم قال العرب جرب فلا يكفر.

   الشرح يكفر من قال هذه الكلمة مع التعميم لأن كلامه هذا شمل الأنبياء وغيرهم.

   قال المؤلف رحمه الله: ويكفر من يسمي الشيطان بـ »بسم الله الرحمٰن الرحيم« لا إن ذكر البسملة بنية التعوذ بالله من شره.

    الشرح هذه الكلمة الشريفة من جعلها عبارة عن الشيطان يكفر، وأما من قال بسم الله الرحمٰن الرحيم عند إرادة ذكر الشيطان بنية التعوذ بالله من شره كأنه يريد الشيطان يحفظنا الله من شره ببركة البسملة فلا يكفر. وهذا يجري على ألسنة كثير من العوام على وجه يوهم أن الشيطان هو بسم الله الرحمٰن الرحيم.

   قال المؤلف رحمه الله: وهناك بعض الشعراء والكتاب يكتب كلمات كفرية كما كتب أحدهم »هرب الله« فهذا من سوء الأدب مع الله الموقع في الكفر وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفا: »لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر« اهـ

   ويكفر من يستحسن هذه الأقوال والعبارات وما أكثر انتشارها في مؤلفات عديدة.

   الشرح أن قائل كلمة هرب الله كفر لأنه استخف بالله ونسب إليه التحيز في المكان والحركة والفرار، وما قاله القاضي عياض في كتاب الشفا دليل على كفر من قال مثل هذه الألفاظ الشنيعة باتفاق العلماء. 

   قال المؤلف رحمه الله: وسوء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستهزاء بحال من أحواله أو بعمل من أعماله كفر.

   الشرح من استهزأ بنبي من الأنبياء بحال من أحواله أو بعمل من أعماله كفر وذلك كالذي يستهزئ بلبس العمامة ولبس القميص أي ما يعرف عند الناس اليوم بالجلابية، أو يستهزئ باستعمال السواك مع علمه أن النبي فعل ذلك ومدحه، أو يستهزئ برواتب الصلوات أو قيام الليل أو صيام النفل أو غير ذلك مما ورد عن النبي أنه فعله ومدحه كإعفاء اللحية ونحوه.

   قال المؤلف رحمه الله: والاستهزاء بما كتب فيه شىء من القرءان الكريم، أو الأنبياء عليهم السلام، أو بشعائر الإسلام أو بحكم من أحكام الله تعالى كفر قطعا.

   الشرح أن من استهزأ ولو بآية واحدة من القرءان فقد كفر، وكذا لو زاد حرفا في القرءان عنادا أو جحد حرفا منه مع علمه أنه منه، وكذلك يكفر من استهزأ بنبي من أنبياء الله بأن نسب إليه القبائح والرذائل كالذي يقول عن سيدنا ءادم يشبه القرود، أو يقول عن سيدنا يوسف إنه قصد الزنى أي نوى، أو يقول عن سيدنا موسى إنه عصبي المزاج بمعنى سيء الخلق، أو يقول عن سيدنا محمد »نسونجي« وما أشبه ذلك، وأما الذي يقول عن سيدنا موسى إنه كان فيه حدة فلا يكفر. وكذلك يكفر من استهزأ بشعائر دين الله كالصلاة والأذان أو بمسائل الشرع، والشعائر جمع شعيرة والشعيرة بمعنى المعلم أي ما هو من علامات الدين.

    قال المؤلف رحمه الله: وكذلك استحسان الكفر من غيره كفر لأن الرضى بالكفر كفر.

    الشرح أن من استحسن الكفر الذي فعله غيره يكفر، فإذا قيل لشخص إن فلانا كفر فاستحسن هذه الكفرية في نفسه أو بلسانه كأن قال لا بأس بها يكفر، لأنه لما يستحسن كفر غيره رضي به والرضا بكفر الغير كفر قال تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ [سورة الزمر/7]. ومن علامات الرضا أن يصفق له على وجه الرضا والتأييد له على ما قاله، وكذلك من علامات الرضا الضحك لقوله كلمة الكفر على وجه الموافقة له على قوله، وأما إن كان مغلوبا بضحكه فلا يكفر. أما ما أخبر الله به عن موسى من قوله دعاء على فرعون وقومه ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا﴾ [سورة يونس/88] فليس ذلك على وجه الرضا بكفرهم إنما لأنه أيس من إيـمانهم فقال ذلك إرادة التشديد عليهم.

   قال المؤلف رحمه الله: ولا يكفر من نقل [كتابة أو قولا] عن غيره كفرية حصلت منه من غير استحسان لها بقوله: قال فلان كذا ولو أخر صيغة قال إلى ءاخر الجملة فيشترط أن يكون في نيته ذكر أداة الحكاية مؤخرة عن الابتداء.

 الشرح أن من قال: »قال فلان كذا« وأورد كفرية بدون استحسان لا يكفر، سواء كان كتابة أو قولا، أما إذا أخر صيغة الحكاية إلى ءاخر الجملة كأن قال: المسيح ابن الله قول النصارى أو قالته النصارى فإن هذا حكاية مانعة للكفر عن الحاكي بشرط أن يكون في نيته ذكر أداة الحكاية ءاخر الجملة قبل البدء بها، وأما إن كان في نيته أن يذكر أداة الحكاية مؤخرة ثم نسي فلا يكفر.